تطور البيت التقليدي في حمص ــ نداء الدندشي

 

يتميز البيت التقليدي القديم في مدن سورية بأنه بناء مغلق من الخارج، ومفتوح على الداخل، وهو الطراز الذي نشأ تلبية لحاجة السكان إلى الدفء في الشتاء، والبرودة في الصيف، في مدن تقع على تخوم الصحاري، وتتأثر بمناخها الجاف والحار صيفا، والبارد شتاء، مع قدر من الرطوبة تتناسب وموقع هذه المدن الجغرافي.

يتألف البيت التقليدي القديم في حمص من دور واحد، ومجموعة من الغرف أو الأجنحة تحيط بفناء واسع مكشوف، وتعتبر عتبة الباب الخارجي النقطة التي تفصل الشارع، أي المكان العام الذي يتشارك فيه الناس استخدام كافة عناصر المدينة، والمنزل، أي الخصوصية المطلقة، ثم يعبر الداخل ممرا ضيقا ومظلما، ينفرج في نهايته على حديقة مفعمة بالحياة، وغنية  بعناصر الزينة هي فناء المنزل وجنته الداخلية، تحيط بها غرف المنزل من جهاتها الأربع، وتشكل المادة التي بنيت بها منازل وأسواق ودور العبادة، العنصر الذي يحدد هوية المدن ويعطيها طابعها الخاص، وقد بنيت مدينة حمص من الحجارة البازلتية السوداء المتوفرة بكثرة في مقالع منطقة الوعر المتاخمة لها. هذا الطراز من العمارة ظل سائدا حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين حصلت جملة من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، احدثت نقلة هامة، أدت إلى تطور سريع شمل معظم جوانب الحياة في المدينة، كان أهمها:

  • الغاء الضرائب المفروضة على البضائع المستوردة والمصدَرة، ما أدى إلى تقلص الأعباء المادية التي كانت تتحملها الحركتين التجارية والصناعية معا، وهي مصدر رزق السكان، ما أدى إلى تطورت أعمال الطبقة البرجوازية، من تجار وصناعيين، وتدفقت الأموال، فشهدت المدينة حالة ازدهار لم تعهدها منذ فترة طويلة، فقد دبت الحيوية من جديد في أسواقها التي كانت قد شهدت حالة ركود عامة امتدت عدة قرون، وأخذت تفد إليها قوافل التجار قادمين من بلاد بعيدة ومتعدة الجنسيات، وهم يحملون ثقافات جديدة وعادات مختلفة، ساهمت بإذكاء روح الحداثة فيها.
  • التطور العلمي الذي رافق افتتاح المدارس التي أدخلت العلوم الحديثة إلى مناهجها وتعليم اللغات الأجنبية.
  • تعليم المرأة، وافتتاح مدارس خاصة لهذه الغاية.

انعكس الازدهار على مجمل أنشطة حياة السكان، ونالت العمارة منه نصيبا جيدا، أدى إلى تغير جذري في الشكل والمظهر العام للمدينة، وأسس لبداية التحول عن النمط المعماري التقليدي السائد.

ظهرت أول بوادر التطور المعماري على أحد العناصر المعمارية الهامة في البيت وهو “الإيوان”، ففي مدينة حمص شكّل الإيوان عنصرا ثانويا في عمارة البيوت السكنية، وظل لقرون طويلة، يشغل حيزا جانبيا وغير فعَال في أحد أجنحة المنزل، واقتصر استخدامه على سكان المنزل دون ضيوفهم، لكن خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ظهر الإيوان، فجأة وقد توسط  إحدى واجهات المنزل الداخلية وشغل مساحة أكبر، ما أعاد له مكانته و وظيفته المعمارية كصلة وصل بين الغرف الملاصقة له على الجانبين، وهكذا سجل المعماريون الخطوة الأولى نحو تجاوز شرط الظروف المناخية في العمارة التقليدية داخل المدينة، التي حالت شدة الرياح فيها دون الاهتمام الكافي بهذا العنصر المعماري الهام. لم تمض فترة طويلة على هذا التغير حتى ظهرت نماذج أخرى من العمارة أكثر جرأة تمثلت بالمنازل الطابقية، هذه الأبنية الكبيرة والمرتفعة جسدت حاجة السكان لضرورة الاستخدام الأقصى لمساحة الأرض التي يملكونها، ورغبتهم الجامحة بإضافة عنصر الفخامة والرفعة إلى منازلهم الجديدة، ما أدى لبروز سمات ومميزات في العمارة لم يكن مسموح بها من قبل:

– بناء إيوان واسع يتوسط الدور الأرضي، وآخر في الدور العلوي منه، شغل مكان الشرفة في العمارة المعاصرة، يطل بواجهته على الفناء الداخلي للمنزل، ويشرف على الطرقات والأحياء المجاورة.

– ظهور نوافذ على الجدران الخارجية، أصبحت جزء من تصميم المنزل، وليس عملية تجديد مؤقتة، وأصبح باستطاعة القاطنين في المنزل الإطلالة على الحي المجاور والطرقات المحيطة من خلالها، الأمر الذي لم يكن مألوفا ولا مستساغا من قبل، لكن في تلك الفترة كانت النظرة الاجتماعية للمرأة بدأت تتغير مع افتتاح المدارس الخاصة بالإناث، والحماسة التي قابل بها المجتمع فكرة تعليم المرأة وعملها، وهكذا، لم تعد هناك غضاضة تذكر، في ظهور المرأة على الملأ أثناء حركتها اليومية في منزلها.

– الإفراط في التزيين، وابتكار أنماط جديدة من الزخرفة للدلالة على الانفتاح الثقافي والغنى الذي يتمتع بهما مالك المنزل.

لم يكن تطور المنزل التقليدي في حمص حالة مؤقتة، بل شهدت المدينة حركة تغيير معماري مستمرة، تجسدت بظهور نموذج جديد من العمارة أكثر انفتاحا من سابقه، حين أضيف إلى الطابق الأعلى من البناء شرفة واسعة ومكشوفة، وزينت واجهتها بأقواس مدببة متتالية تستند على أعمدة من الرخام المصقول تشرف على فناء المنزل، وتطل على الأحياء والطرقات المجاورة، ويلاحظ  في هذا النموذج غياب عنصر الإيوان من البناء، نتيجة غياب حاجة إليه بعد أن شغلت الشرفة مكانه، وأدت وظيفته المعمارية، من حيث ربط الغرف بعضها ببعض بطريقة أكثر فاعلية، ورغم أن هذا النموذج لم يشهد انتشارا واسعا في عمارة المدينة، مقارنة مع نموذج المنزل الطابقي المزود بالإيوان، لكن، يمكن اعتباره خطوة جريئة وضعت أسس المرحلة التالية.

لم يهدف هذا التطور المعماري لإحداث انقلاب مفاجئ يطيح بالتقاليد الاجتماعية، أو بمجمل الأعراف السائدة، بل حالة تعبير تعكس مستوى التطور الاقتصادي والفكري التي  بلغها المجتمع خلال تلك الفترة، وكان التأكيد جاريا للمحافظة على المخطط المعماري الثابت للمنزل التقليدي المفتوح على الفناء الداخلي، لارتباطه الوثيق بنمط الحياة الروحية التي يعيشها السكان في هذه البيوت، بمختلف أعراقهم ومذاهبهم، وعلاقة هذه المنازل بمجمل العادات اليومية السائدة، التي ارتبطت بمخطط المنزل وتوزع اجنحة السكن فيه، فالقاعدة الاجتماعية في المدينة آن ذاك، والخلفية الفكرية للمجتمع، كانت تملك الاستعداد الكافي لقبول الأفكار الجديدة، لكنها لم تكن مهيأة لإحداث تغيير جذري، أو انقلاب حاد يتم دفعة واحدة،  ويؤدي إلى تغير جوهري في نمط الحياة السائدة.

أيضا، انصب الاهتمام على مجمل عناصر الزخرفة المعمارية، التي لقيت عناية فائقة، وضاعف البناؤون الاهتمام بها سواء بالمحافظة على نمط وأسلوب هذه الزخارف، كعمارة الواجهات الداخلية بتناوب مداميك الحجارة البيضاء والسوداء- الأبلق-  وتزيين واجهات المنزل المطلة على الفناء بمختلف أصناف الزخارف المعروفة آنذاك، ومع توفر السيولة النقدية، شاعت ظاهرة الافراط في استخدام الزخارف والزينات سواء على الواجهات الداخلية – المطلة على فناء المنزل- التي يدخل الحجر الكلسي في زخرفة واجهاتها، أو بإضافة عناصر فنية جديدة لم تكن مستخدمة من قبل، مثل الحجر المنحوت على شكل أقواس لينة  في الأطر المحيطة بالنوافذ والأبواب، امعانا في ابراز عنصر التميز على المنزل. كما ظهر الإفراط في استخدام زخارف الكسوة الخشبية للنوافذ والأبواب والفراغات الداخلية ضمن الغرف “الخزائن” التي ابتعدت عن البساطة واتجهت اكثر نحو التعقيد، وتنوعت مواضيع الزينة فيها بين زخارف نباتية او هندسية، وأحيانا كان يتم المزج بين هذين العنصرين معا، ولم يتردد أصحاب المنازل بالإنفاق الجيد على استيراد مواد اكساء جديدة تبرز فخامة المنزل، كالمرايا الزجاجية التي استخدمت بأناقة بالغة كخلفية للزخارف الخشبية المفرغة التي تؤطر جداريات الغرف، ثم تثبيت قطعة فاخرة من الرخام المزخرف تسمى “المصب” على الجدار المجاور لباب الدخول في الغرفة الرئيسة.

أخذت عجلة التطور تدور في مدينة حمص بسرعة كبيرة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وصولا إلى الربع الأول من القرن العشرين، ظهر خلالها، وبشكل جلي، رفض المجتمع المحلي لحالة الجمود الفكري التي عانى منها فترة طويلة من الزمن ، دون أن يحدث خلالها تغير يذكر في بنيته الفكرية والاجتماعية والاقتصادية. لهذا، ما أن بدأت رياح التغير تهب  قادمة مع جملة من العوامل المؤثرة، حتى استجابت المدينة بكامل بنيتها الاجتماعية الهرمية لهذه لدعوة، وانعكس هذا عميقا على عمارتها السكنية التي أخذت شكلا مغايرا  لما  كان سائدا، ما أدى إلى احداث تغيير عميق في الشكل العام للمدينة التي بدأت تتجه نحو الحداثة، لتهيئ الأجواء، وتفسح المجال لتطور آخر أكثر عمقا وشمولية، بدا يفرض نفسه على الحركة المعمارية، انتقلت خلاله المدينة وبسرعة غير مسبوقة نحو عصر جديد، وأصبحت الساحة مهيأة تماما لتقبل نموذج جديد من العمارة وفد إليها لاحقا، يختلف بالشكل واسلوب البناء عما سبقه، وهو طراز العمارة الأوربية (الطراز الكولونيالي)، الأمر الذي أسس لحياة جديدة ومختلفة في الفكر والشكل عما كان سائدا من قبل، وقدم الدليل على أن العمارة مرآة حقيقية تعكس التطور الاقتصادي والفكري للمجتمعات الانسانية في كل مكان وزمان.

التعليقات متوقفه