لا وطن للغجر يعودون إليه

البشرة السمراء والقامة الرشيقة والشعر الأسود القاتم أكثر السمات الشكلية في مجتمع الغجر المغلق على عاداته ومهنه، والتي ارتبطت به لسنوات طويلة في سوريا وغيرها من دول العالم، يتوارثونها مع الزمن، وتختلف بحسب العمر والجنس، فللأطفال مهنتهم التي غلب عليها في سوريا قبل الحرب “التسول وبيع ورق اليانصيب ومسح الأحذية”، أما الشباب فيتنقلون بين مهن عديدة أهمها “تركيب الأسنان وصناعة الغرابيل وتبييض الأواني المنزلية وصناعة السكاكين الحادة وجمع الخردوات والبلاستيك وقرع الطبول في المناسبات..”، وللنساء في المجتمع الغجري حضور طاغ يصفه الدكتور علي الجباوي في كتابه “عشائر النور في بلاد الشام” بـ “القوامة” و “عمود البيت” ويعمل قسم منهن بـ “البصارة وقراءة الكف والفنجان والتسول والغناء والرقص”، كما تعمل بعضهن كـ “وناسة”.

والغجر مجموعات بشرية تنحدر من شبه القارة الهندية تعيش في مختلف بقاع العالم، وتنقسم إلى جماعات مهنية متعددة أهمها “القرباط” وتعود تسميتهم بهذا الاسم نسبة إلى قدومهم من جبل “الكاربات في أوروبا”، إضافة لعشائر أخرى يطلق عليها تسمية “النور” مثل “الطبالة والرياس والطنجرلية والسعّادين ومروضي القردة والدببة والسعادين والبهلوانيين والحدادين والصباغ وتجار الخيول والحمير الهزيلة، ونور تلبيس الأسنان بالذهب والمبيضين وأصحاب القدور «الحجيات» والشعّار أو القواصيد”، بحسب كتاب الجباوي.

الغجر في سوريا

يتواجد في سوريا أربعة مجموعات من الغجر هي “النور و الغربتي و الزُط والبراكي” يجيدون اللغة العربية إضافة للغتهم الأم “لغة العصفورة أو لغة الضوم واري”، وتعد سوريا أوسع بلدان الشرق الأوسط التي يسكنها الغجر الذين يقدر عددهم فيه بـ “خمسة ملايين” معظمهم لا يملكون هوية أو قومية بل يعيشون على شكل جماعات وفقاً لـكمال فورال تارلان، مصوّر ومخرج متخصّص في الأفلام الوثائقية.

ويرجع بعضهم نسبه إلى جساس بن مرة الذي قتل “كليباً” أحد ملوك العرب والذي تسبب بحرب البسوس، ومنهم من يعيد نسبه إلى الهند أو بلاد فارس، إلّا أن سوريا كانت ملاذاً لأعداد كبيرة من النور الذي استوطنوا المحافظات السورية كافة، خاصة في حلب ودمشق وأجزاء من حمص، ولهم أحياء وحارات كاملة فيها كما في إدلب وحماه وطريق الرقة ودير الزور. وغالباً ما كانوا من الأشخاص الذين لا يملكون أي أوراق رسمية بل يعيشون حياة من التنقل وعدم والاستقرار، ويتصفون بأصواتهم العالية وميلهم نحو السلم وعدم الاعتداء أو الاشتباك وقدرتهم على تحمل الآخرين، إضافة لجمال النساء يقول مدرس التاريخ أحمد المحمود من مدينة حلب.

وبحسب المحمود فإن أساطير كثيرة حيكت حول حياة الغجر وعاداتهم يصفها بـ “المتخيلة وغير الصحيحة”، ويعزو ذلك لانغلاق مجتمع النور، وتجنبهم الحديث مع الآخرين فيما يخص عاداتهم وحياتهم، كذلك امتناعهم عن الزواج من غير الغجر، إذ غالباً ما يتزاوجون فيما بينهم ويمتازون بأنهم شعب “ولود ومزواج”، إذ من النادر أن يكتفي الغجري بزوجة واحدة.

الغجر -إنترنيت
الغجر -إنترنيت

ويرى المحمود إن السمات العامة التي وسم بها الغجر أتت من الملاحظة السلوكية، خاصة وأن الكتب والدراسات حولهم قليلة، ولا يوجد لهم إحصائية لعدم اهتمام الدولة بتسجيلهم وإحصائهم أو إعطائهم أوراقاً ثبوتية، ومع ذلك تراهم يتنقلون بين المحافظات السورية أو الدول المجاورة، ويتصفون بـ “التنظيم وإطاعة أوامر الكبار من أبناء جنسهم”، ولهم “قوانينهم الاجتماعية والقضائية” الخاصة، في ممارسة حياتهم، ويؤكد المحمود من خلال بعض من التقاهم سابقاً “أن معظم النور في سوريا ديانتهم الإسلام”، إلّا أنهم لا يمارسون التعاليم الدينية بشكل ظاهر ولا يرتادون المساجد”.

الغجر مظلومون اجتماعياً

لا يعتبر النوري “أبو عاصم” كما أفصح لنا عن كنيته رافضاً ذكر اسمه عدم وجوده في السجلات المدنية الحكومية ظلماً، يقول إنه وأبناء عشيرته لا يريدون ذلك أيضاً، يعيشون حياتهم بعيداً عن القيود والأوراق و”الخدمة الإلزامية” التي وصفها بأكثر الأشياء التي يخافونها.

ما يؤرق النور بحسب أبي عاصم هو النظرة الدونية التي يقابلهم بها الآخرون، غالباً ما نستخدم في كلامهم وأمثالهم كدليل على “التحقير والهمجية”، يخبرنا الرجل إنه وخلال سكنه في حي الشيخ خضر بحلب كان يسمع الكثير من الأمثال والأقوال لأمهات وآباء يصفون أبناءهم بـ “القرباطي أو النوري” لتقريعه أو إهانته، كما تعرض لعشرات المواقف المحرجة من شبان الحي، وتتعرض نساؤهم للتحرش من قبل الآخرين، إلّا أنه كان يرد عليهم في كل مرة، وتتعلم النساء كيفية الدفاع عن أنفسهن، ليخلص إلى القول “لنا عاداتنا ونحن مسالمون إلّا أنه لا يجرؤ أحد على المساس بشرفنا ونسائنا، حينها لن نكون كذلك”.

الغجر -إنترنيت
الغجر -إنترنيت

لا يقتصر الظلم الواقع على النور في الطرقات، يقول أبو عاصم، بل يتعدّى ذلك إلى المسلسلات التلفزيونية وبعض من وصفهم بـ “المتعلمين” أيضاً، وغالباً ما كنا نسمع أو نشاهد مثل هذا التقريع على قنوات التلفزيون دون أن يكون لنا الحق بالردّ، ولا يعرف السبب وراء ذلك، يضيف “نحن نور ولا نخجل من ذلك، تلك طبيعتنا وحياتنا، ولا نشبه ما يتخيله الآخرون عنا”.

النور في الحرب السورية

يميل النور إلى “التطير” والتشاؤم من الأمكنة التي تشكل لهم حادثة مؤلمة، وهو ما يدفعهم لمغادرة تلك الأمكنة سريعاً، يقول أبو عاصم الذي غادر حلب منذ منتصف عام 2013 إلى تركيا ويعمل في مهنة تركيب الأسنان، إن بعض النور في المحافظات السورية توجهوا إلى مدينة دمشق، أو إلى الدول المجاورة، يختصر حديثه عن هذا الأمر بأنهم لا يستطيعون الحياة في ظل الحرب، خاصة وأن مهنهم بدأت بالانقراض، كذلك انعدام الأمن في المنطقة، وجهلهم بطبيعة الحياة الجديدة التي فرضتها “داعش” والفصائل الأخرى في بعض المناطق، ناهيك عن المضايقات الكثيرة من قبل “الشبيحة”.

مصطفى (شاب من النور في الثلاثين من عمره يعيش في لبنان) قال إن المضايقات وصلت حداً لا يطاق، هو لا يملك هوية شخصية ولا يستطيع المرور من الحواجز ما جعله يسافر إلى لبنان، وأضاف إن بعض إخوته يعيشون الآن في البادية السورية، آخرون من عائلته يعيشون في الكويت، وغالباً ما يقطعون الحدود عن طريق التهريب، يبتسم وهو يخبرنا عن أصدقاء له حصلوا على جنسيات أوروبية.

يقول المحامي سعيد عبد الله (عمل سابقاً في دائرة نفوس حلب) إنه لا توجد إحصائيات لعدد النور في سوريا إلّا أن أعدادهم تزيد عن نصف مليون شخص قبل الثورة، وتضم حلب وحمص وحماه ودمشق الأعداد الأكبر منهم، وهم يعيشون بجانب المدن الكبيرة لتأدية أعمالهم التي تحتاج لكثافة سكانية، خاصة وأنهم لا يلتزمون بأعمال ثابتة بل مهن متوارثة ويجنون قوت يومهم من السكان.

الغجر -إنترنيت
الغجر -إنترنيت

ويكمل سعيد إن أكثر من 60% منهم غادروا سوريا منذ سنوات الحرب الأولى، بعد التزامهم الحياد، فهم يعيشون حياة مهمشة في كل المناطق التي يسكنونها سواء في مناطق المعارضة أو النظام، ويقدر أن أكثر من نصف هذه النسبة توجهت إلى الأراضي التركية، بعضهم حصل على “الكيملك” البطاقة المؤقتة إلّا أن النسبة الكبيرة ما زالت تعيش دون بطاقات كما اعتادت سابقاً، وتتوزع في مناطق حدودية كأورفه وعينتاب، بينما توجه قسم منهم إلى لبنان والأردن ومصر (سابقاً كان هناك وجود لأعداد كبيرة من النور في هذه البلدان) لوجود أقارب لهم فيها، كما توجه قسم منهم إلى أوروبا.

يقول مصطفى “إن ممتلكاتهم في حلب تعرضت للنهب والقصف، بعضهم أيضاً قتل نتيجة الغارات ما جعلهم يغادرون حلب، ويقدر عدد المتبقين في المدينة بعشرات العائلة بعد أن كانت تضم نحو أربعة آلاف عائلة”، بينما تضاعفت أعدادهم في مدينة دمشق.

مهن الغجريات انقرضت بفعل الحرب

تمتهن النساء الغجريات في سوريا الرقص والغناء ويعرفن بـ “الحجيات”، خاصة في الطريق الذي يصل بين حلب والرقة، وفي مناطق واسعة من غوطة دمشق وبعض أحياء دمشق نفسها، وغالباً ما كانت تقام سهرات الغناء والرقص في خيام خاصة يقول المحمود “إن غالب الزبائن الذين كانوا يقصدون خيام الغجريات من السياح في دول الخليج وسائقي الشاحنات والسيارات”، وتقول مريم (اسم مستعار) إن هذه المهنة انقرضت بشكل كامل، خاصة مع سيطرة تنظيم الدولة على طريق حلب الرقة منذ العام 2013، وتغير الجوّ العام في سوريا، كما أسهم غياب السياحة بشكل كامل في انتهاء هذه المهنة التي كانت تدرّ دخلاً جيداً لعدد ليس بقليل من العائلات، تقدم النساء فيها الأطعمة والمشاريب والرقص والسمر لمرتاديها “دون التفريط بشرفهن”، تؤكد مريم.

يصف سائق الشاحنة أبو خليل السهر في خيام الغجريات بـ “الصوت الجميل والأجسام الرشيقة والمشروبات اللذيذة”، يمضي السائقون ورواد الخيام فترة من الراحة للطعام والمرح قبل أن يكملوا طريقهم، ويؤكد أن ذلك لم يعد موجوداً منذ ثماني سنوات.

كما غاب حضور “الحجيات” عن الأعراس للرقص والغناء بسبب طبيعة الحياة المفروضة الجديدة في الحرب، تقول مريم إن الخوف من العقاب منعهن من ممارسة المهنة في مناطق المعارضة، أما في مناطق النظام فوجود الشبيحة والتحرش وغياب الحماية دفع معظم الغجريات العاملات في هذه المهنة للتخلي عنها لصالح مهن جديدة أو مغادرة البلاد.

الغجر -فوكس حلب -تصوير جلال مامو
الغجر -فوكس حلب -تصوير جلال مامو

“الوناسة” مهنة أخرى انقرضت لدى الغجريات، وهي مهنة كانت تواظب عليها فتيات بأعمار تتراوح بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين يرافقن سائقي الشاحنات المسافرين من مدينة لأخرى، يقصصن الحكايا ويغنين لتسلية السائق كيلا ينام أثناء القيادة، وعند آخر محطة ينزلن من الحافلة ويركبن أخرى تعيدهن إلى أماكن سكنهن مقابل مبلغ مالي، وتحمل “الوناسة” سكيناً أو ما أطلقت عليه مريم “موس كباس” للدفاع عن أنفسهن وقت الحاجة، إلّا أن هذه المهنة غابت بشكل كلي أيضاً بسبب الحواجز والطرقات والقوى المسيطرة.

ولجأت الغجريات إلى مهن أخرى، كانت موجودة سابقاً، إلّا أنها ازدادت في الآونة الأخيرة كقراءة الفأل والتبصير بالفنجان، تقول مريم إن هذه المهنة ازدادت لكن أجرها المادي قلّ مع الزمن، سابقاً كان السياح يدفعون بسخاء، أما السكان الحاليون فنادراً ما يدفعون ثمن التبصير، وأحياناً يتعرضون للغجريات بالكلام الفاحش أو التحرش والمطالبة بأمور جسدية، وهو ما يرفضنه نهائياً، ويستخدمن الصراخ لحماية أنفسهن.
وانتشرت الغجريات المتسولات في شوارع المدن الرئيسية، لتغدو المهنة الأكثر حظاً لدى النساء والأطفال في المجتمع الغجري، بعائدات قليلة، إذ تعتمد العائلات على ما يقدم لها من أطعمة وبعض النقود للاستمرار في الحياة.

الرجال أيضاً دون عمل

يعمل بعض رجال الغجر بصناعة الغرابيل والسكاكين وتبييض الأواني المنزلية، وغالباً ما تتركز هذه المهن في القرى والأرياف، وتكون مقابل النقود أو المقايضة بالمواسم، كالقمح والزيت، إلّا أن خوف الغجر من الظروف الأمنية حالت دون وصولهم إلى الأماكن التي اعتادوا زيارتها ونصب خيامهم فيها في كل موسم، ساهم أيضاً الاعتماد على الأواني البلورية والأدوات الحادة المستوردة في تراجع مهنتهم.

كذلك غابت مهن قرع الطبول وتقديم الخدمة في الأعراس أيضاً، يقول “أبو هاني” والذي كان يقدم الخدمة في الأعراس وبيوت العزاء إن الأمر لم يعد مجدياً، فمنذ سنوات لم يتم استدعاؤه إلى حفلة “لم أرى عرساً منذ زمن أو بيت عزاء منصوب”، كذلك تراجع الحالة الاقتصادية والمعيشية للسكان، ما دفعه وعائلته لجمع الخردة وبقايا البلاستيك في ريف حلب وبيعها لتأمين لقمة عيشه.

أما بيع اليانصيب ومسح الأحذية فقد تراجعت هذه المهن، “الناس ما معا تاكل” يقول أبو هاني بلغة عربية مكسرة، إضافة إلى أن المناطق الخاضعة للمعارضة ليس فيها أي مجال لليانصيب، وتعرض صاحبها للعقوبة التي يجهلها على حد قوله، بحسب الفئة المسيطرة.

مهنة تركيب الأسنان تزدهر في الحرب

معظم “أطباء الأسنان”، كما يحلو للبعض تسميتهم أو “أطباء الشنطة” أو “تركيب أسنان العضم والذهب”، وكلها تسميات شائعة لبعض الغجر العاملين في هذه المهنة المتوارثة، غادروا البلاد إلى مناطق جديدة، يقول “أبو مصطفى” أحد العاملين بهذه المهنة إن الغجر لهم “صيت حسن” بهذه المهنة، ويلجأ إليهم أعداد كبيرة من السكان خاصة في القرى والأحياء الفقيرة.

يخبرنا أبو مصطفى إن هذه المهنة تطورت، وكان ممتهنيها سابقاً يمشون بين الحارات والقرى وينادون بأصوات عالية للتعريف بأنفسهم “تركيب سنان، سنان دهب سنان عضم”، وغيرها من العبارات، ثم أصبح لبعضهم أماكن ثابته كبيوت أو خيام يستقبلون المرضى أو يستدعون إلى المنازل، ويمتهنون وضع أسنان من الخزف وتركيب الجسور و “التركيبة” أو كما يطلق عليها الأهالي “البدلة”، إلّا أنهم لا يتدخلون بعمل الأطباء أو إجراء الجراحات أو معالجة اللثة وحفر الأضراس، ويؤكد أبو مصطفى إن عدداً من أطباء الأسنان كانوا يتعاونون معهم للحصول على التركيبات والجسور، نظراً لانخفاض أسعارها مقارنة بمخابر الأسنان، مؤكداً على جودتها وسلامتها والتقنية الكبيرة في صنعها، كما كانت تصدر بعض “التلبيسات =غطاء الأسنان” إلى خارج البلاد من أماكن صنعها التي كانت تتركز أهمها في ريف حلب.

 

معدات الأسنان التي يستخدمها الغجر-إنترنيت
معدات الأسنان التي يستخدمها الغجر-إنترنيت

يحمل ممتهن طب الأسنان حقيبة جلدية سوداء غالباً، يضع فيها عدته، ويرتدي عكس غيره من رجال الغجر ثياباً نظيفة وأنيقة، يزور البيوت التي زاد اعتمادها عليهم بسبب التكاليف الباهظة لأطباء الأسنان، يقول أبو خليل (ستون عاماً من ريف حماه الغربي) إنه لجأ إلى القرباطي لمعالجة أسنانه التي لم يعد يحتمل ألمها، بعد أن حالت ظروفه المادية من الذهاب إلى عيادة طبيب الأسنان.

يحكي أبو خليل تجربته بأن الرجل بعد أن افترش الأرض ووضع عدته قام بتعقيمها بالنار، يقول إنه طمأنه بقوله “بقلعلك ضرسك وعشر تيام برجع بركبلك واحد بدالو أحسن منو” وبالفعل ما هي إلا دقيقتين وإذا بضرسي أمام عيني يلتقطه بـ “بانس” يحمله بيده يتابع أبو خليل. بعد عشرة أيام عاد من تلقاء نفسه ليكمل ما بدأ به وفحص مكان الضرس المقلوع وبدأ بوضع الضرس الذي جهزه مسبقاً، قبل أن يأتي وما هي إلا دقائق قليلة حتى انتهى من عمله ووضع قطعة من القطن على الضرس الجديد وقال لي: “عض عليها بقوة حتى تتأكد” وبالفعل عاد ضرسي كما كان وإلى الآن وبعد مرور أكثر من سنة على تركيبه لم يزل قوياً سليماً ولا أعاني أي أوجاع”.

“أبو محمود” رجل في النصف الثاني من العقد الثالث من العمر يظهر عليه أنه في العشرينات وسيم المظهر يركب دراجة آلية يضع خلفه حقيبته السوداء ويتجول بين الأحياء والحارات يبحث عن أشخاص يريدون تركيب أو تلبيس أسنانهم، يقول إنه تعلم مهنة تلبيس الأسنان التي ورثها عن والده عن جده. سابقاً كان عمل والد “أبي محمود” يقتصر على تلبيس الأسنان بالذهب أو الفضة لتزيينها فقط ولكن وبعد أن انعدمت هذه الظاهرة نتيجة تطور الحياة، توجه ممتهنو هذه المهنة إلى تلبيس الأسنان المعالجة عند طبيب الأسنان بالخزف لبعض الأشخاص الذين لا يستطيعون أن يُلبِّسوها عند الطبيب نظرا لغلائها، فطبيب الأسنان يأخذ أضعاف ما نأخذ نحن رغم أن المواد التي يستخدمها هي نفسها التي نستخدمها نحن أيضا، حسب تعبيره.

أسنان يقوم بتركيبها الغجر -إنترنيت
أسنان يقوم بتركيبها الغجر -إنترنيت

ينفى طبيب الأسنان “سليمان الجاسم من ريف حماه الغربي” تعاون أطباء الأسنان مع الغجر، ويؤكد أن لجوء الأهالي لهذا النوع من الأسنان فيه خطورة كبيرة، إذ يعتمد الغجري على استخدام مادة “الإكريل المحمى = مادة تلصق على السن”، دون تحضير أو مراعاة للحالة التشريحية للثة أو العلاجية للسن الذي توضع فوقه التلبيسة، ما يمكن أن يؤدي إلى عفونة السن أو خلل إطباقي بالفك، أو تهتك بالأنسجة اللثوية حول السن المحضر، أحياناً تصل لتآكل بالعظم بالإضافة للآلام الشديدة التي تلحق بالمريض نتيجة هذه الأخطاء.

كما يرفض الجاسم التعقيم بالحرارة ويصفه بـ “غير المجدي” كونه لا يقتل جميع الميكروبات، بالإضافة لتأكسد الأدوات بسبب غاز ثاني أكسد الكربون الذي يتشكل بفعل الاحتراق، وهو ما يؤدي لنقل العديد من الأمراض التي تنتقل عن طريق الفم واللعاب كالتهاب الكبد الوبائي والسل وغيرها.

لا يبدي السكان اهتماماً كبيراً بالصحة الوقائية، فالفارق الكبير في التكاليف يدفعهم لتفضيل المعالجة عند الغجري، أياً كانت الأضرار القادمة. ويشيع هذه الأمر في كافة الدول التي يسكنها الغجر الذين يمارسون مهنتهم هذه دون ترخيص أو عقوبة.

لا وطن للغجر يعودون إليه، ولا طائفة أو قومية تجمعه بالمناطق التي يسكنونها، مجتمعهم المغلق وحياتهم الخاصة تدفعهم إلى الأماكن التي يجدون فيها رزقهم، دون إثارة انتباه الحكومات والمؤسسات الحكومية، فهم أكثر الفئات المهمشة عالمياً، يعيشون بين أسطرة حياتهم وغرابتها يتجولون بين البلدان يعزفون ويغنون ويرقصون في عرباتهم وخيامهم التي ينصبونها أينما تسعفهم الحياة، بثياب متسخة وأقدام أطفالهم الحافية للبحث عن معجزة البقاء.

مصطفى أبو شمس -محمد أبو سيف فوكس حلب

التعليقات متوقفه