مجلس القضاء الشرعي في إدلب: وسطية علماء الشام في خدمة الحقّ وردّ المظالم – تحقيق وتصوير: فريق الغربال

مجلس القضاء الشرعي في إدلب

وسطية علماء الشام في خدمة الحقّ وردّ المظالم

تحقيق وتصوير: فريق الغربال

في ظل غياب النظام والمؤسسات الحكومية في المناطق المحررة، وامتلاك البعض لأسباب القوة، ولأن الظلم لا يتوقف، كان من الضروري إيجاد هيئة تنظم أحوال الناس وتردّ حقوقهم، ولهذا تم إنشاء مجلس القضاء الشرعي في محافظة إدلب بتاريخ 8/1/2013 بمبادرة محلية من قبل علماء المحافظة، وبرئاسة السيد عبد الرحمن الأحمد.

IMG_3207

المجلس يضم حالياً عشرين محكمة إحداها للاستئناف، ويتألف من اللجنة العلمية للقضاء والافتاء، ولجنة العلاقات العامة، واللجنة المالية، ولجنة الإشراف على الخدمات العامة، ولجنة الصلح، ومقره بلجانه وهيئته العامة في ريف سراقب مؤقتاً، ويعمل “على مسافة واحدة من كافة التجمعات والألوية والكتائب العاملة على الأرض”، كما ورد على صفحته الرسمية على الفيس بوك.

قمنا بزيارة محكمة ريف سراقب، في محاولة للتعرف على آلية عمل المجلس الميدانية، والتقينا بالقاضي محمد كرمو رئيس المحكمة، التي تمت إعادة تشكيلها منذ ثلاثة أشهر، والذي وضّح وظيفة المحكمة بالقول: (تقوم المحكمة بفضّ النزاعات بين المدنيين في كافة قرى سراقب، حيث يأتي الخصوم ويتم الفصل بينهم وفقاً لكتاب الله وسنة نبيه محمد عليه السلام، وعندنا قضاة أكفاء من أمثال الشيخ سفر ومحمد الشيخ وياسر العبد الله وكثيرون، ويعمل معنا عدد من المحامين الذين ارتضوا تحكيم كتاب الله وسنة نبيه، أما كادر المحكمة فيتألف من ثلاثة قضاة ومساعد قاضي وكاتب وديوان، بالإضافة إلى قسم خاص بالإعلام).

كل محكمة من محاكم المجلس الشرعي تتألف من غرفة مدنية وغرفة جزائية وغرفة شرعية للأحوال الشخصية، وقاضي التنفيذ لمتابعة تنفيذ الأحكام، إلى جانب الشرطة القضائية التي تنحصر مهمتها في إحضار من يتخلف عن الحضور ومن لا يستجيب لقرارات المحكمة، ويظن نفسه فوق القانون، وتتألف بالعادة دوريات المحكمة من عناصر لا ينتمون إلى القرية أو البلدة التي ستنفذ فيها المهمة القضائية رغبة في تحقيق أقصى درجات الحيادية!

وعن شعبية المحاكم ومدى الالتزام بأحكامها والإقبال عليها يقول السيد كرمو: (هناك استجابة واسعة للمحاكم من قبل الناس، ومعدل القبول بالأحكام هو قرابة 70-80%، وهي استجابة طوعية، بداية يعرض القاضي الصلح على المتخاصمين، فإن استجابوا يوفق بينهم، وإن لم يستجيبوا يصدر الحكم بالقضية).

وربما يخطر للبعض أن القضاة هم شيوخ محليون امتطوا الدين صنعة، ولكن الحقيقة أن كل غرفة قضائية تحوي ثلاثة قضاة أحدهم قانوني والاثنان الآخران من حملة شهادة الشريعة، وتتلخص الشروط الواجب توافرها في القاضي في أن يكون حائزاً على إجازة في الشريعة، وممارساً لهذا العمل، والقضاة الحاليون انتدبوا لحضور دورات قضائية، بإشراف المجلس العلمي للقضاء السوري الحر، ولا يوجد في صفوف القضاة حتى الآن قاضٍ منشق!

وككل الهيئات البديلة للنظام والتي تحاول الولادة من العدم، فإن المحكمة تحتاج دعماً مادياً يضمن لها الاستمرار، فمصروف المحكمة الواحدة يقا

1472990_326938360781363_1354510566_n (1)

رب شهرياً 250 ألف ليرة سورية، تصرف على الاحتياجات ورواتب للموظفين فيها وشرطتها القضائية، ويتم تحصيل الاحتياجات المالية بطريقتين: داخلية أساسية من الرسوم، فتقديم الشكوى يتطلب رسوماً قدرها 500 ل.س، وخارجية قليلة من هيئات متبرعة عن طريق إدارة مجلس القضاء الشرعي.

وللتأكد من عدم التشابه مع محاكم النظام التي ترقد فيها القضية حتى ينسى صاحب الحق حقه أو يضيع، سألنا عن عدد القضايا المقدمة التي تم إنهاؤها وإصدار الأحكام فيها في محكمة ريف سراقب بوصفها مثالاً، فأحضر مدير الديوان دفتره وبدأ يقلّب فيه محصياً الدعاوي، ورفع رأسه قائلاً: (كل شي مسجل وموثّق، ففي الشهر الأول من عمر المحكمة؛ عُرضت على المحكمة 40 قضية جزائية حسم منها 30 قضية، و60 قضية مدنية حسم منها 52، و30 قضية شرعية حسم منها 22).

تنظر المحاكم في أحوال المدنيين دون المسلحين، تفادياً للتصادم مع الثوريين، وهم مخيرون بالتحاكم فيها أو تحويلهم إلى محكمة ثانية مختصة بالقضاء العسكري تسمى الهيئة الشرعية ومقرها في بلدة إحسم، نتجت عن اتفاق الفصائل الكبرى المقاتلة في إدلب.

وقد أكد أعضاء المجلس الشرعي أن ثمة تنسيق بينهم وبين جميع المحاكم الأخرى في المحافظة ويجري الآن العمل على خطة لتوحيد الجميع.

وعن التعرّض للابتزاز من قبل التنظيمات المقاتلة في حال تقديم شكوى على أحد المنتسبين إليها، ينفي القاضي كرمو التعرّض لذلك، ويرجع السبب إلى أن القضاة أنفسهم هم من أوائل المنادين بالثورة ولهم قاعدة شعبية تحبهم وتثق بهم وبأحكامهم، كما أن بعض الفصائل تدعمهم، ويؤكد عند هذه الجملة على أن: (القضاء مستقل وليس له أية تبعية لأي فصيل أو تشكيل عسكري، ويستمد قوته من قوة صاحب الحق دون الاهتمام بدينه أو طائفته، وسواء أكان علمانياً أو مسلماً متشدداً)، وفي هذا الصدد حدثنا القاضي عن شكوى تقدمت بها “أخت مسيحية” من حلب، وكانت صاحبة حق، إذ قام أحد الأشخاص من قرية التح بسرقة سيارتها، وتمت إعادة السيارة من السارق ومعاقبته.

DSC_0023

أثناء وجودنا تقدّم أحد المواطنين بشكوى على قريب له، وبدأ يكيل التهم الاعتيادية لقريبه من قبيل: مؤيّد مخبر…، محاولاً كسب تعاطف القاضي وربما إثارة حنقه على الخصم، إلا أن رد القاضي كان واضحاً: (رجاءً يا أخي لا يهمنا وضعه، إن كان لك حقاً لديه ستناله)!

ولأن المحكمة شرعية، كان من البدهي السؤال عن تطبيق الحدود وموقف المجلس منه، يقول السيد عبد الرحمن الأحمد رئيس المجلس في هذا الصدد: (أعلنا اكثر من مرة بأننا لا نطبّق الحدود كالقتل أو الجلد أو الرجم في هذه الأيام؛ لأننا في ثورة ولا يوجد الحاكم المسلم الذي تطبق الحدود الشرعية بوجوده، كما نعلن أن ما يُعرض أحيانا على بعض القنوات من جلد أو ذبح أو قتل، ليس من فعل المحاكم الشرعية من قريب أو بعيد)! وفي هذه الحال تقوم المحكمة بإعادة الحق لصاحبه، ومعاقبة المعتدي بالسجن.

وعن سوريا المستقبل يقول القاضي محمد كرمو: (أتمنى أن يحكم سوريا الإسلام الذي يريده الإسلام، لا الذي يريده الأشخاص كلّ على مزاجه، أي الإسلام الوسطي الذي يحبه الجميع، حتى الطوائف الأخرى تحبه).

وفي ختام جولتنا على المحكمة تمنّى القاضي أن تتوافر جهات داعمة حقيقة تدعم المجلس الشرعي مادياً ومعنوياً، فترك القضاء –كما يرى- جريمة وفتنة، لأنه يسبب التقاتل بين الناس، وكما أن محاربة بشار الأسد فريضة؛ فالقضاء أيضاً فريضة، وهو أحد أنواع الجهاد…

التعليقات متوقفه