شنشراح (خربة حاس) موقع أثري يعود إلى الحياة مجدداً: ويختزل المأساة السورية – جمعية حماية الآثار السورية

شنشراح (خربة حاس) موقع أثري يعود إلى الحياة مجدداً

ويختزل المأساة السورية

إعداد: جمعية حماية الآثار السورية

د.شيخموس علي – رئيس الجمعية – فرنسا

محمد السلوم – مشرف – إدلب

مروان حميد – مصور – إدلب

علي الناصر – مصور – إدلب

تشكل قرى الكتلة الكلسية -أو المدن المنسية- في شمال سورية، ثمانية تجمعات رئيسية، وتتكون من نحو 800 قرية وموقعاً أثرياً، وتُعتبر هذه المواقع التي بُنيت في الفترة ما بين القرنين الأول والسابع للميلاد، ذات قيمة عالمية استثنائية لأنها تظهر تطوّر المجتمع وتفاعله مع الوسط الطبيعي، كما شهدت هذه المنطقة ازدهاراً في مجال العمارة أيضاً، وقد شهدت هذه القرى تغييراً جذرياً في بنية المجتمع السوري في تلك الحقبة سيما أنها شهدت ترك الوثنية خلال الفترة الرومانية المتأخرة والتحول للمسيحية، فأصبحت بعض المواقع الرئيسية منها مثل دير سمعان والبارة وسرجيلا وكنيسة قلب لوزة مراكز إشعاع للديانة المسيحية في سوريا.IMG_0140

قرية شنشراح –أو خربة حاس– تعتبر إحدى هذه المواقع الأثرية التي تعود للعهد الروماني البيزنطي، ولا تزال معظم أبنيتها قائمة اليوم ما عدا الأسقف. وهي قرية كبيرة نسبياً إذا ما قورنت بغيرها من القرى في منطقة المدن المنسية، حيث كان يقدر عدد بيوتها بـ 150 بيتاً وتحيط بها أراضٍ مزروعة بأشجار الزيتون والكرمة. وقد تعرّضت هذه المدينة للتدمير عام 1099 ميلادية على يد الفرنجة، فضلاً عن الزلازل المرعبة التي تعرضت لها هذه المدينة. وقد استخدم الفرنجة هذه المدينة كحصن لهم إلى أن حررها (نور الدين محمود الزنكي) مع غيرها من المدن المجاورة وذلك عام(1151) . تضم هذه القرية ست كنائس، أهمها بقايا معبد روماني تم تحويله فيما بعد إلى كنيسة خلال القرن السادس الميلادي.

كما تتميز شنشراح باحتوائها على عدد من البيوت, التي تتألف في أغلب الأحيان من طابقين، ومعصرة زيتون مؤرخة عام (372م) بالإضافة إلى عدد كبير من المدافن الأرضية. ومن الأبنية المهمة والمميزة: برج مؤلف من ثلاثة طوابق، يقع منفرداً إلى الجنوب الشرقي من المدينة بحدود500 م، تم استخدامه كبرج متقدم للمراقبة. بالإضافة إلى صهاريج مياه أرضية كانت بالأصل مقالع حجرية تم استغلالها كصهاريج لتخزين المياه. كما يتوسط هذه المدينة مسجد (3,5×4م) يرقى إلى العهد الأيوبي، ويشكل دليلاً على استمرار الحياة في هذه المدينة حتى العصور الوسطى.

مع اشتداد عمليات القصف من قبل قوات النظام شكّلت هذه الأبنية ملجأ آمناً للسكان الذين هربوا من بيوتهم المدمرة؛ حيث قاموا بإعادة تأهيل الأبنية والمدافن الأرضية الأثرية على عجل، وبشكل بدائي للاحتماء من عمليات القصف ومن برد الشتاء وحرارة الصيف. وبالتالي أصبحت معظم هذه القرى الأثرية تعج بالحياة من جديد, لكنها تعاني من سوء الوضع المعاشي والصحي والخدمي، بالإضافة إلى تعرّض الموقع والمباني الأثرية لعدد من التعديات تختزل المعاناة التي يعيشها الشعب السوري منذ سنتين ونصف.IMG_0139

أظهرت المعاينة الميدانية أن السكن في الموقع بدأ عام 2012 بحوالي 350 عائلة، هربت معظمها من بلدة كفروما المجاورة. ولجأ عدد من هذه العائلات التي اصطحب بعضها مواشيهم وأبقارهم إلى المدافن التحت أرضية وذلك بعد القيام بتنظيفها وتعزيلها من الردم، بينما سكنت عائلات أخرى في البيوت والكنائس ذات الجدران المكتملة نوعاً ما بعد تزويدها بأغطية بلاستيكية “جادر” تغطيها بطبقة من التراب لتشكل سقفاً يحميها من المطر وحرارة الصيف بواقع بناء واحد لكل عائلة، كما قامت بعض العائلات ببناء غرف جديدة، تستند إلى جدران بعض البيوت القديمة، مستخدمة في ذلك الطوب الحديث –البلوك– والطين.

ترتب على لاجئي خربة حاس، الذين قاموا بإعادة تأهيل سريعة للموقع، إيجاد حل للنفايات التي بدأت تتزايد مع مرور الوقت؛ لذلك قاموا بتخصيص مساحة في الجهة الشمالية الشرقية من الموقع الأثري كمجمّع للقمامة والنفايات.

وأمام ظروف الفقر والبطالة التي تعيشها البلاد قام ثلاثة أشخاص بتحطيم حجارة الخربة الضخمة ليصنعوا منها حجارة أصغر للبناء، بحيث يقومون بتبييض وجوهها ليتم بيعها لاحقاً بأسعار بخسة تقدر بحوالي 25 ليرة سورية للحجر الواحد. ولم تتوقف التعديات في هذا الموقع عند هذا الحد، بل شهد ما هو أسوأ, حيث قام لصوص الآثار بحفريات غير شرعية، إذ أظهر الكشف الميداني من قبل فريق جمعية حماية الآثار السورية؛ قيام لصوص الأثار بحفر ثماني حفر ذات أعماق مختلفة في عدة أماكن في شنشراح، على أمل العثور على لقى أثرية ليتم تهريبها إلى الخارج.

IMG_0147

وسرعان ما أصبحت هذه القرية المنسية بدورها هدفاً للقصف بمدافع الفوزليكا والهاون، حيث تعرضت جدران بعض البيوت الأثرية فيها للهدم الجزئي نتيجة استهدافها بشكل مباشر بالقذائف.

ومع مرور الوقت تناقص عدد قاطني شنشراح تدريجياً نتيجة عمليات القصف التي تتعرض لها القرية، وبسبب سوء الوضع المعاشي والصحي والخدمي، فلم يتبقَ من الـ350 عائلة التي سكنتها خلال العام 2012 سوى 50 عائلة، حيث لجأت أغلب العائلات إلى تركيا ومنهم العمال الثلاثة الذين كانوا يعملون بتكسير الأحجار وكذلك الأشخاص الذين قاموا بالتنقيب غير الشرعي عن الآثار لأنهم وبحسب شهادات العائلات التي ما زالت تعيش في الموقع الأثري لم يعثروا على أية قطع أثرية.

أمام هذه الصعوبات، هل سيتم إيجاد صيغة تساهم في التنسيق مع الائتلاف السوري الذي عليه أن يقوم بدوره في التواصل مع مجالس إدارة المدن والمحافظات المحررة لصيانة ورعاية المواقع التي تقع تحت سيطرته بالتعاون مع الكتائب الأمنية والمجالس المحلية في المنطقة، وتقديم مساعدات إنسانية للمهجّرين هناك تكفل لهم حياة كريمة في مخيمات تتوافر فيها أدنى شروط الإنسانية؟

التعليقات متوقفه