هكذا تحدثت الرفيقة (بتلة الحمود) – فوزات رزق – خاص الغربال

هكذا تحدثت الرفيقة (بتلة الحمود)

540022_103526163119361_1770930543_n

فوزات رزق – خاص الغربال

كان ذلك عندما استدعوني من حصة “التربية القومية”: بتلة الحمود إلى مقر التنظيم.

الحقيقة أنا خفت، ارتجفت… “بسم الله الرحمن الرحيم، ماذا فعلتْ لكم بتلة الحمود على الصبح!”

خرجتُ وأنا أردّد تعويذة أمي التي كانت تردّدها كلما اضطرت لمقابلة مسؤول: “همدتك بهماد، ورشيتك برماد، خيرك ما بين عينيك، وشرّك ما بين رجليك، والخمسة والثلاثة يعينوني عليك”.

فاجأني أمين الوحدة: لماذا لم تقدمي طلب انتساب حتى الآن؟ كلهم انتسبوا لم يبقَ غيرك.

انتسبوا!

احترت بماذا أجيبه، لا أعرف عما يتكلم. لكنه أحرجني حينما قدّم لي طلباً مكتوباً لم يبقَ إلاّ توقيعي. ناولني القلم دون أن يطلب موافقتي: وقعي.

ووقعت، دون أن أقرأ ما هو مكتوب، قال لي بعدها: مبروك يا رفيقة بتلة!

خجلت، واحمرّ وجهي، يه! أنا رفيقة الأستاذ عماد مسؤول التنظيم!

لكنه شجعني قائلاً: من الآن فصاعداً أنت الرفيقة بتلة، وأنا الرفيق عماد، لا تناديني أستاذ عماد بعد الآن.

وعدت إلى البيت كأني أحمل رأس كُلَيب، ورحت أزف الخبر إلى أمي كأنما أحمل لها نبأ عودة أبي من القبر: أنا اليوم صرت رفيقة، هكذا قال لي الرفيق عماد مسؤول التنظيم.

وبدلاً من أن تهنّئني رسمت على وجهها تكشيرة، وقالت لي: “روحي من وجهي؛ تضربي إنتِ والرفيق عماد تبعك”. وضاعت فرحتي كأنك غطّستني في بركة ماء.

***

بعد أيام استدعاني الرفيق عماد إلى مقر الوحدة، وسحب من الدرج ورقة مطبوعة، وطلب مني أن أملأها بالمعلومات المطلوبة: الاسم، اسم الأب، اسم الأم، الأخوة والأخوات, الأعمام والعمات، الأخوال والخالات، الأقارب حتى الجد الخامس، أصدقائي, جيراني، أين نذهب، ماذا نقرأ، متى ننام. وكله في كفة والاتجاه السياسي لكل من سبق في كفة.

كتبت اسمي واسم أبي وأمي وأختي سليمة، ثم كتبت اسم عمي صالح وعمي محمود وعمتي أمينة، وخالي نوفل وخالتي نوفلية، وقلت يا بنت ضعي معهم جاركم أبا سمير؛ فهو بمقام والدكِ، دائماً يسأل عنكم. واحترت ماذا سأكتب في خانة الاتجاه السياسي. نظرت إلى الرفيق عماد مستفسرةً: ماذا سأكتب هنا؟

015

قال لي: يعني: بعثي… شيوعي… ناصري… إخوانجي… أي شيء.

ورحت أصنف العائلة العريقة على مسؤوليتي، وزعتهم بالتساوي على الاتجاهات السياسية؛ جعلت أمي بعثية وكذلك أختي سليمة. أمّا عمي صالح وعمي محمود فقد جعلتهما ناصريين، وخالي نوفل وخالتي نوفلية أخوان مسلمين!.. هكذا تم التصنيف دون مشقة. الوحيدة التي وقفت عثرة في طريقي هي عمتي أمينة؛ احترت أين سأضعها. قلت يا بنت عمتك أمينة معروفة أنها مصدر كل الشائعات التي تنتشر في الضيعة، لذلك ضعي أمامها: شيوعية والسلام!

وتركت الحقل أمام والدي فارغاً. وسلمت الاستمارة للرفيق عماد. وحين نظر إليها قال: ووالدكِ؟

قلت: والدي ميت.

قال :وقبل أن يموت ماذا كان اتجاهه السياسي؟

احترت بما أجيبه، أخرجني من صمتي قائلاً: يعني مع مين كان يجتمع؟ مين كان يزوره؟ إلى أين كان يذهب؟ متى كان يعود إلى البيت كل هذه الأمور؟

قلت: كان يجتمع معنا، وكان يزورنا جارنا أبو سمير، وكان يذهب صباحاً إلى المديرية ويعود مساء دائخاً من التعب.

أخيراً سألني: كيف مات والدك؟

قلت: مثلما يموت كل الناس، في السجن.

في السجن! قلب خلقته، ورمى القلم من يده وأخذ يرتجف. وصرفني بوجه ناشف.
ومن يومها عاد كل شيء كما كان سابقاً قبل استدعائي من حصة القومية. لم أعد الرفيقة بتلة، صرت “بتلة” حاف كما سماني المرحوم، وصار “الرفيق” عماد “الأستاذ” عماد، بكل وقار وهيبة.

 

التعليقات متوقفه