عود على الحرية – عبد العزيز الموسى

عود على الحرية

075852_2008_08_21_13_51_31

عبد العزيز الموسى

الحرية مهنة ثرثرةٍ دارجةٍ في قاموس اللغط العربي، يكتبها القاصي والداني في أي مكان بحروف حمراء على وهم أنها تحضّر المجتمع  للانتقال, حتى لو لم يكن صحيحاً, من مناخ الشرعية الثورية التقليدية إلى الشرعية الدستورية القانونية! أي أنها ترسم بذلك منعطفاً هاماً في حياة الأمة! إنها ترسم رؤية وترصد منهجاً.

من هنا لن نفاجأ وقت نرى على الدرب قامات سابقة، لبشر سبقونا، ومن المفترض أنها قامات سامقة في الذاكرة؛ لكنها ما زالت واقفة وراء السياج, باردة متلجلجة, متردّدة في أفضل أحوالها، متفرجة, مندهشة وخائفة, خائفة من نفسها ومن مجريات الوقائع باعتبارها سليلة خوف وقمع عريق.

أغلبهم يتفرّج على المهرجانات الدموية التي تجري بهيئة باردة محايدة, شهداء زور لمرحلة كان يُفترض أنهم صنّاعها! يصفّقون وقت تسقط الرمية في الدائرة، ويتشفّون وقت تخيب الضربة اللاحقة. مرعوبون من نفوسهم ومن غيرهم، يخافون أكثر ما يخافون من فقدهم امتيازات تملكها الحشرات اعتبروها ممنوحة لهم بالذات! تماهوا مع النذالة، معزّزين ذاكرتهم بما يتناقلونه عن قمع صارم وسجون وزنازين تمتّ لعالم الذاكرة الحمراء المتخيلة والماثلة مواجهتهم.

طبّالوا النظام؛ أعني الذين يتفرجون على مسرحية فنائنا، يغالطهم وهمٌ مريض خيالي على غير الحالة التي يسمعونها، كي لا ترتب عليهم ضمائرهم المريضة أي حدّ من استحقاق المسؤولية الأخلاقية والمادية لاحقاً. بعضهم يتفانى في السفالة، وينافح عنها ليبرر انغماسه بالمجرور حتى العنق! يغطّون عيونهم ومصالحهم حتى لا يروا، ويغطّون غباءهم المتفق مع مصالح نظام دموي حاقد على أي شخص سئم من ممارسة مهنة الكلب! أغلبهم ليسوا طائفيين؛ مع أنهم قرّروا النبش والحفر عن سواتر طائفية بأمل استعادة توازن كاذب! سواتر غابرة وسواتر حاضرة، سلطانية وأمنية ودينية إن لزم الأمر, وكلها معمّمة ومنقّطة بالدم وبالزيف والغباء.

هل هي سموت فطرية أولية في النفس المرعوبة، أم أنها مجرد حسابات لمصالح وموازين كبرى وصغرى؟ أنّى كان المنشأ؛ فلا عذر لأحد بالمواربة وطمس البصر, لا عذر لأحد في النأي بالنفس.

كان على الجميع أن يصبّوا كما الأنهار والسواقي في البحر، وكان على الجميع أيضاً أن يلتقوا -أياً كان مكانهم- في الساحة التي تتوسّط القرية! أن يلتقوا على أوّليات الحق والفكر والضمير والعدالة والحرية، ووضع مسارات جديدة، تجسّد الطموحات العليا والسفلى, مسؤولون مهما كانت الضريبة؛ عن رسم حدود البدايات والمسارات وحراستها من البطش والدجل ولوائح الأبواط المدرّعة التي لن تفضي إلا لتهاويل مريعة وفناء كل من هب ودب لا محالة!

إذا لم يلتقوا في الساحة الآن؛ ولا أراهم سيلتقون! سنكرمهم كثيراً لو قلنا إنهم لم يتحرّروا من ولاء كلبي بهيمي يمسك بجبلّتهم حتى الآن.

التعليقات متوقفه