آلاف الوحدات السكنية العشوائية خارج المخطط التنظيمي في إدلب.. حل إسعافي وتهديد للمساحات الزراعية

تمددت المخيمات شمالي إدلب بعد حملات النزوح المتكررة، والتي تسببت بها الهجمات العسكرية على أرياف إدلب وحلب الجنوبية والغربية وريف حماه الشمالي، والتي استمرت حتى آذار من عام 2020، وزاد عدد النازحين عن مليونين ونصف مليون نازح، إضافة للمهجرين قسرياً من حلب وريف دمشق ودرعا وحمص ودير الزور، إضافة للاجئين الفلسطينيين والعراقيين.

سكن النازحون في بيوت مستأجرة، لكن النسبة الأكبر منهم لجأت إلى المخيمات والتي بلغ عددها، بحسب منسقو الاستجابة، ألفاً وثلاثمائة وأربع مخيمات، منها أربعمائة مخيم عشوائي، يسكنها أزيد من مليون شخص، كما سكن آخرون في الأراضي الزراعية التي استأجروها من أصحابها.

مجمع مخيمات ضمن أملاك عامة في ريف إدلب

أمام تضاعف عدد السكان الذي زاد لأربعة أضعاف ونقص المساحة الجغرافية (عدد سكان إدلب في العام 2011 يقدر بسبعمائة ألف نسمة وفي العام 2021، يقدر بثلاثة ملايين ونصف المليون)، وخسارة مساحات كبيرة من المدن والبلدات التي سيطرت عليها قوات النظام، وانعدام الأمان في كثير من المناطق الأخرى، ترك السكان والنازحون هذه المناطق ولجؤوا إلى الشريط الحدودي، شمالي إدلب، باحثين عن سكن، ما أدى إلى اكتظاظ المنطقة وزيادة المساحة العمرانية وانتشار المخيمات، رافق ذلك بالتوازي نقص في المساحات الزراعية وتجيير قسم كبير منها للسكن والبناء، عشوائياً ودون مخططات تنظيمية للمباني والبنى التحتية المرافقة لها.

ساهمت الظروف المناخية القاسية لسكان هذه المخيمات أيضاً في زيادة التوجه نحو تغيير بنيتها، من خيام قماشية إلى بيوت طينية بداية، ثم إلى أبنية من القرميد، ومنذ بداية العام 2020، توجهت عدد من المنظمات الإنسانية لإنشاء مخيمات مصنوعة من القرميد، كذلك مبانٍ طابقية، إضافة للجمعيات السكنية الخاصة التي شرعت ببناء ضواحٍ سكنية بنظام التعاون والتكافل، ناهيك عن أصحاب المشاريع العقارية الذين نشطت أعمالهم في السنتين الأخيرتين لارتفاع إيجار المنازل (يبلغ متوسط إيجار المنزل شمالي إدلب نحو خمسين دولاراً ويصل إلى مئتي دولار في بعض المناطق).

معظم هذه المشاريع وجدت في مناطق زراعية أو أراض مشاع حراجية كالغابات، وأخرى كانت تستخدم كمراعٍ، وتم تخصيصها من قبل المجالس المحلية أو وزارة التنمية ووزارة الإدارة المحلية والخدمات الفنية في حكومة الإنقاذ بإدلب.

الحق في المأوى 

في شهر كانون الثاني من العام 2021، سجل اثنان وعشرون حريقاً في المخيمات راح ضحيتها مدنيان وأصيب سبعة آخرون. كما تضررت بفعل الهطولات المطرية في الشهر ذاته (503 خيمة)، وتهدمت (2358 خيمة)، وتضررت جزئياً (6554 خيمة)، يسكن هذه الخيام نحو (123502 شخص)، وسجلت حالة وفاة لطفل وإصابة أربعة آخرين، بحسب تقارير “منسقو الاستجابة”. 

غرق أحد المخيمات في منطقة أطمة
غرق أحد المخيمات في منطقة أطمة

يتكرر المشهد في كل عام، يقول من تحدثنا معهم في مخيمات متفرقة، إذ تزيد الظروف المناخية حياة سكان المخيمات سوء، ففي الشتاء تتعرض هذه المخيمات للغرق والتهدم بفعل الرياح والهطولات المطرية، وتمتلئ الطرقات بالطين الذي يحول دون وصول السيارات إليهم، ويعزلهم عن محيطهم، ناهيك عن درجات الحرارة المنخفضة في هذه المنطقة.. أما في الصيف فإن ارتفاع درجات الحرارة يزيد من حالات الإصابة بـ “ضربة الشمس”، كذلك تؤدي إلى انتشار العقارب والأفاعي.

يقول رائد المحمد (مهندس يعيش في أحد مخيمات أطمة بإدلب) إن “هذه المعاناة سنوية، ولا يمكن حلها إلا بإيجاد سكن بديل عن الخيام”، ويكمل “لا تصلح الخيام لسكن دائم، معظم الخيام مهترئة، هي لا تحمينا من برد أو حرارة، هي فقط تستر السكان عن الأعين”.


ويقول أبو الطيب مدير مخيم قرطبة 2 شمالي إدلب، والذي يضم نحو 1250 خيمة أقيمت على أحد عشر دونماً مستأجرة من أرض زراعية “إن الحياة في هذه الخيام قاسية، خاصة في الشتاء، تربة الأرض زراعية والطين يعيق حركة السكان، لا توجد هنا مدارس أو بنية تحتية، ويشترك الجميع في خمس كتل من الحمامات”.

يدفع سكان المخيم نحو ألف دولار كبدل إيجار لسكنهم، يقول أبو الطيب، إن صاحب الأرض ضاعف المبلغ منذ نزحنا إليه في العام 2016، إذ كان يتقاضى (127 ألف ليرة سورية فقط سنوياً). 

مخيم قرطبة
مخيم قرطبة

يسكن مصطفى السعيد (من ريف دمشق هجر قسرياً إلى إدلب في العام 2018) في أحد البيوت التي سلمتها الجمعيات السكنية منذ تسعة أشهر في منطقة حزرة بريف إدلب، المنزل بمساحة لا تزيد عن 30 متراً، مقسمة إلى غرفة وصالة، إضافة لمطبخ وحمام ومرحاض، يعيش في هذه المساحة رفقة زوجته وأطفاله الأربعة.

يقول السعيد إنه لم يشعر بالراحة إلا في هذه الأشهر الأخيرة، يثمّن جهد من قام ببناء المخيمات (المجمعات السكنية) ويفاضل بين بيته الحالي والخيمة التي يسكنها، فالفارق كبير جداً، “هنا نسند ظهرنا على جدار يحمينا، كنا نخاف المطر وندعو الله أن يجنبنا هطوله في خيامنا، ليس هناك خصوصية أيضاً، الحمامات يسترك فيها أكثر من شخص، الخجل يسكن نساءنا، حياة الخيام مستحيلة”.

محمد قبازو أحد سكان مخيم عطاء المبني من القرميد، مهجر من مدينة حمص يقول إن مساحة نزله لا تتجاوز 36 متراً، لكنه يعتقد أن ما حصل عليه أمنية لكثير من سكان المخيمات، فالمجمع مبني بجدران قرميدية وسقف من الإسمنت، والشوارع مزفتة، يوجد في المخيم خدمات عامة كالمدرسة والمسجد والسوق التجارية، والأهم من ذلك في كل قطاع من القطاعات الأربع التي ينقسم لها، توجد حديقة صغيرة فيها ألعاب للأطفال.

آلاف الطلبات المسجلة في إدارة المخيمات للحصول على شقة في واحدة من هذه المجمعات، والتي لم نتمكن من إحصاء عددها، إلا أن ما استطعنا جمعه يزيد عن خمسين ألف شقة، منها مكتملة وبعضها في طور البناء، جميعها تعود لمشاريع تنفذها منظمات إنسانية بهدف مساعدة السكان على الحياة في بيئة مناسبة، قدر المستطاع.

بناء عشوائي على أراضي المشاع والأملاك العامة 

لا توجد مخططات تنظيمية يمكن العودة إليها لإثبات وجود هذه التجمعات السكنية خارجها، إلا أن طبيعة هذه الأراضي تدل على بعدها عن المخطط التنظيمي للمدن، فمعظمها بنيت على أراضي المشاع والأملاك العامة أو على سفوح الجبال التي كانت سابقاً غابات حراجية أو أراضي زراعية.

على مساحة (330 ألف متر مربع) في منطقة حارم بريف إدلب أقام الهلال الأحمر القطري خمس مخيمات على شكل أبنية من الطين، أساساتها من الحجر، تربة أربع مخيمات منها من الطين، ومخيم واحد يمتلك تربة صخرية، جميعها كانت مزروعة بالأشجار الحراجية.

قرية طينية في حارم
قرية طينية في حارم

يقول أحد المشرفين على مراكز الإيواء في الهلال الأحمر القطري (رفض إضافة اسمه) إن التعاقد على بناء هذه المخيمات تم من خلال مذكرة تفاهم مع المجلس المحلي الذي قدم لنا أراض زراعية إلا أن إدارة المنظمة رفضت ذلك.

ويضيف المشرف أن الخيار كان التوجه نحو الجبال، وأن أشجار الأحراش التي بنيت عليها المخيمات كانت مقطوعة قبل أن تبدأ المنظمة بالعمل، وجرى تصويرها وتوثيقها قبل بناء أي منزل، وكانت المنظمة تتفادى قطع أي شجرة من المكان.

ويخبرنا المشرف إنهم اتجهوا إلى بناء مخيمات وصفها بـ (صديقة البيئة)، كونها بنيت من الطين وكان سقفها من الخشب الذي تم استيراده، وهو ما زاد في كلفة البناء، وإنهم بنوا نحو 1200 شقة سكنية في كل من مدينتي حارم وسرمدا.

وفي مرحلة لاحقة توجهت المنظمة للأبنية الشاقولية، وإن نوعية البناء يحددها الداعم (بعضهم يقتنع بالبناء الطيني وآخرون بالطابقي)، مؤكداً أن الأبنية الطابقية أفضل، لما توفره من مساحة واستدامة، وكذلك خصوصية للمستفيدين.

ويكمل المشرف إن ملكية هذه الأراضي عامة، حيث حصلت المنظمة على وثائق من إدارة السجل العقاري بكل منطقة، وتم بناء المخيمات في مناطق الأحراش، وتسليمها للمستفيدين وفق عقد لمدة سنتين، دون إيجار، وإن هذه البيوت لا يمكن تمليكها للسكان، إذ تعود بعد انقضاء المدة أو ترك المستفيد لبيته إلى المجالس المحلية الذين “يتصرفون بها”.

 

التمدد العمراني يهدد الزراعة والثروة الحيوانية

تختلف مساحة الشقق في التجمعات السكنية، إلا أن أصغرها يبلغ نحو ثلاثين متراً مربعاً، ويصل بعضها لنحو خمسة وسبعين متراً، ناهيك عن المساحة المتروكة بين هذه المنازل، كالطرقات والوجائب، وبحساب بسيط أجراه المهندس المدني فواز عبد الحميد، بأن متوسط المساحة التي يمكن أن تضم ما تم الحديث عن بنائه من وحدات سكنية، بحسب وزير الداخلية التركي، والتي جرى تنفيذ نسبة كبيرة منها، بدعم تركي، وهي أزيد من 52 ألف شقة، يزيد عن مليوني متر مربع في حال البناء الأفقي، وهو ما يعادل نحو ثلث مساحة محافظة إدلب.

يخبرنا المهندس إنه وبهذه المقاييس لا نكون أيضاً راعينا المخطط الهندسي والمساحات التي يجب أن تترك للتهوية والمساحات الخضراء كالحدائق والمرافق العامة الأخرى.

التمدد العمراني على الأراضي الزراعية عى طريق سرمدا -حزانو
التمدد العمراني على الأراضي الزراعية عى طريق سرمدا -حزانو

بحسب الخارطة الاستثمارية في محافظة إدلب، والصادرة عن وزارة الزراعة في حكومة النظام، فإن مساحة المحافظة تبلغ (609.7) ألف هكتاراً. قبل العام 2011 كانت نسبة الأراضي الزراعية المستثمرة (58.34٪) وغير المستثمرة (0.26٪)، الأبنية والمرافق العامة (7.37٪)، الأنهار والبحيرات (0.43٪)، أراضي صخرية ورملية (13.43٪)، مروج ومراعي (7.1٪)، أراضي حراجية (13.01٪).

يوضح تقرير نشرته قناة BBC استخدمت فيه تقنية الأقمار الصناعية حجم التعدي على الأراضي الزراعية في مخيمين اثنين شمالي إدلب، وتبين الصور تطور المخيمات وتحولها إلى مبان سكنية قاضمة المساحة الزراعية لآلاف الأمتار المربعة، مؤكداً أن النمو السكاني نما بشكل وصفته بـ “الحاد” خلال السنوات الأخيرة.

يقول المهندس خالد الشرع “إن التربة الزراعية في سوريا تنحسر يوماً بعد يوم أمام الزحف العمراني الهائل”، ويقدر تحقيق استقصائي حول الغابات الحراجية في إدلب احتراق وتحطيب نحو 35 ألف هكتاراً من الغابات الحراجية، من أصل 45 ألف هكتاراً. وهو ما يؤثر على البيئة والثروة الحيوانية في المنطقة. وتعتبر هذه الغابات ملكية عامة ولا يجوز استغلالها أو استئجارها حتى وإن تعرضت للقطع أو الحرق. 

وكانت محافظة إدلب تضم 70 موقعاً حراجياً وتضم أكثر من 100نوع من الأشجار والشجيرات الحراجية، وفيها 50 صنفاً من الحيوانات والطيور البرية، كذلك المراعي والتي تقدر مساحتها في سوريا بنحو (8265) هكتاراً، وتشمل المروج والأراضي البور والراحة والأراضي غير القابلة للزراعة وحواش المزارع والقرى والمدن. 

يتم بناء التجمعات السكنية، في الغالب، ضمن هذه المساحات، وهو ما سيحول دون إعادة تشجيرها من جديد من جهة، وضياع المراعي التي كانت مصدر رزق لأصحاب الماشية الذين فقدوا المناطق التي كانوا يمارسون فيها الرعي ما اضطرهم لبيعها أو ذبحها، إذ تقدر إحصائيات تراجع الثروة الحيوانية في المنطقة بنحو 40٪ خلال العام الماضي. كذلك فقدان عدد من الحيوانات والطيور النادرة والتي كانت تعيش في المنطقة، كالماعز السوري وطيور الشاهين وملك العقبان والرهو.

مديرية الزراعة التابعة للخدمات الفنية في مدينة الدانا بريف إدلب، و(المسؤولة عن قطاع ريف حلب الغربي بالإضافة للدانا وسرمدا وحزانو باتجاه أطمة والحدود التركية وباب الهوى) وهي المنطقة الأكثر كثافة بالمخيمات والتجمعات السكنية، قالت إن المنطقة تشهد نهضة عمرانية لقربها من الحدود التركية، وبوصفها المكان الذي يحتوي العدد الأكبر من النازحين والمهجرين قسرياً، منذ العام 2016، وحتى الآن.

وأضافت أن الازدهار التجاري والاقتصادي في المنطقة حولها إلى مكان يقصده أصحاب رؤوس الأموال الذين اتجهت أنظارهم إلى الأراضي الزراعية، خارج المدن، لبناء المحال التجارية والمستودعات والتجمعات السكنية وكراجات السيارات والمطاعم، خاصة وأن المدن الرئيسية داخل المخططات التنظيمية لا يمكن أن تستوعب الأعداد الكبيرة من النازحين إليها.

من مخيمات ريف إدلب
من مخيمات ريف إدلب

وأكدت مديرية الزراعة أن التطور العمراني يمتد على السهول الزراعية وفي محيط السلاسل الجبلية التي يحتوي قسم منها على شجيرات رعوية، ويضم قسمها الآخر أشجاراً مثمرة كالزيتون.

وتفصّل مديرية الزراعة إن الأراضي الزراعية التي أطلقت عليها صفة “المفقودة” كانت أشجاراً حراجية وأشجار زيتون في المناطق الجبلية المرتفعة من مدينة الدانا، أما في قاح وأطمه ودير حسان فكانت أغلبها من شجر الزيتون. أما مناطق أحراش كفر كرمين وحربنوش ومناطق كفر دريان وما حولها، فكان التوسع العمراني على حساب مناطق الأشجار الحراجية والزيتون وبعض الأشجار المثمرة كالتين.

المناطق السهلية حول الدانا وسرمدا والتي تمتد إلى حزانو والمناطق المحيطة، والتي كانت تزرع بالمحاصيل الشتوية البعلية كالقمح والشعير والبقوليات، تحولت إلى مبان أو تم تأجيرها من قبل ملاكها للمنظمات الإنسانية لبناء المخيمات، إذ تباع بأسعار مرتفعة أو تؤجر بمبالغ تزيد عما كان يحصل عليه المزارع من مواسمه.

الأراضي الزراعية البعيدة على الشوارع الرئيسية، كالخط الزراعي الدانا – سرمدا، تل الكرامة -سرمدا، سرمدا -الحلزون معظمها تم بيعها، فيما أجرت الأراضي الخلفية منها للمنظمات، إذ يؤجر الدونم الواحد بنحو (50 إلى 80) دولاراً سنوياً، تجدد في كل عام.

تضيف مديرية الزراعة إن هذه الأراضي كانت تنتج أنواعاً مختلفة من الخضراوات والنباتات العطرية كالحبة السوداء والكزبرة وأخيراً دخلت إليها زراعة العصفر التي جاءت مع نازحي ريف حماه الشمالي.

إلى الآن لم يسيطر العمران على كامل المساحات الخضراء والأراضي الزراعية، ما تزال هناك مساحات “جيدة” بين الأبنية المقامة، أما بالنسبة للمناطق الجبلية فأغلبها تحول إلى مخيمات ليست متلاصقة بالشكل الكامل كمخيمات أطمة وقاح. 

 أما بالنسبة للأمن الغذائي، فتقول مديرية الزراعة، إن اعتماد المنطقة اليوم يقتصر على سهل الروج ومناطق إبين ومعرة مصرين. ولا يوجد خطط مستقبلية بهذا الخصوص، فالحكومة حالياً غير قادرة على ضبط هذا الأمر، خاصة وأن المنطقة تعيش حالة حرب. 

لا شك أن للتمدد العمراني أخطار عديدة، منها ما تتعلق بالتلوث البيئي الذي يؤثر سلباً على المساحات المزروعة، إذ أن المناطق التي تحولت إلى مخيمات لم تعد تربتها صالحة للزراعة، ولا بد من تجديدها في حال استصلاحها من جديد، خاصة مع تراكم النفايات وتوجيه الصرف الصحي إلى الأراضي الزراعية. وفي المناطق الجبلية التي فقدت فيها الأحراج فهي تعاني من انجراف التربة والتعرية وتحتاج إلى إعادة تشجير وإقامة مشاتل خاصة لتعويض النقص في الثروة الحراجية.

الزراعة لا سلطة لها لحماية أراضيها 

تقول مديرية الزراعة إنها لا تملك سلطة كإدارة محلية أو مديرية على صاحب الأرض، فيما إن أراد بيع أو تأجير أرضه لصالح الأبنية السكنية أو المخيمات.

وتضيف أن أمن الأشخاص وسلامتهم وحمايتهم من مخاطر البرد والحر والتشرد، بسبب ظروف الحرب، أولوية في هذه الفترة، وأن هذه المخيمات والعشوائيات بنيت في فترات متلاحقة مع موجات النزوح، خاصة وأنه في السابق لم يكن هناك وجود لإدارات محلية أو مكاتب خدمية.

هناك تراخيص وتنظيم هندسي للأبنية التجارية والسكنية من قبل الإدارة المحلية التي تضع عدداً من الشروط، أما فيما يخص المخيمات فلا يوجد أي مخطط تنظيمي، ويتم الأمر بين المنظمة صاحبة المشروع وإدارة المهجرين، وتراسل مديرية الزراعية لبيان إمكانية البناء على المساح المخصصة، وترد بالشكل المناسب، بحسب مديرية الزراعة التي قالت إن معظم هذه الأراضي فقدت أشجارها الحراجية بفعل الاحتطاب الجائر، وعاب عنها التنظيم لسنوات، ومر عليها الكثير من الفصائل والإدارات والمنظمات.

وتضيف مديرية الزراعة أن هناك دراسة وتعاون بين الإدارة المدنية وإدارة الخدمات الفنية، بالإضافة لوزارة التنمية ومديريات الزراعة والجهات المعنية لإحداث مخططات تنظيمية للمدن، لأن معظم العمران خرج عن نطاق المخطط التنظيمي الأساسي. حالياً يتم ضبط الأمر رويدا رويدا ويتم الموضوع بالتنسيق بين الإدارة المحلية وإدارة المنظمات وإدارة المهجرين بما يخص المخيمات، أما فيما يخص المناطق العمرانية التجارية كمدن وجمعيات سكنية فيتم تنظيمها من قبل الإدارات المحلية والمجالس المحلية والبلديات الموجودة.

لا يشترط موافقة مديرية الزراعة على منح تراخيص البناء في الأراضي المملوكة لأشخاص، والإدارة المحلية تقوم بفرض الرسوم حسب ما تراه مناسبا من ناحية المخططات الهندسية والمرافق.

أما في الأراضي العامة فتتدخل مديرية الزراعة في منع إقامة المخيمات في الأحراش المشجرة، ويتم منح الموافقة للبناء في الأحراش التي احتطبت أشجارها من أجل توطين النازحين خاصة بالجمعيات والمنظمات، إضافة إلى منح الموافقات لأهالي مناطق محددة لمنحهم محضر أرض لبنائها بالتعاون مع المنظمات الإنسانية.

تخلص مديرية الزراعة إلى أن التمدد العمراني في المناطق الجبلية وبعض السهول قضم مساحات كبيرة من الأراضي صالحة للزراعة، وخصوصاً بعد توجيه الصرف الصحي العشوائي للمخيمات وقلة جريان الأنهار، وقطع الاشجار والشجيرات، وقلة المراعي الجبلية للماعز والمراعي السهلية للأغنام، إضافة الى تراجع بعض الزراعات، وخسارة رئة المنطقة، ولا يزال هناك مساحات “جيدة” قابلة للزراعة، ومساحات خضراء يمكن الاعتماد عليها.


الخدمات الفنية.. لا تراخيص خارج المخطط التنظيمي

يفرّق بين نوعين من رخص البناء، داخل المخطط التنظيمي ويحصر منحها بالمجلس المحلي، وتشمل الرخص السكنية كافة. أما الرخص الصناعية والاستثمارية فهي منوطة بالوزارة المختصة ومديرية الخدمات الفنية كمحطات الوقود والمخابز، بحسب المهندس مصطفى حاج لطوف مدير الخدمات الفنية في إدلب.

ويشترط لمنح الترخيص (طلب ترخيص مرفق ببيان قيد عقاري ومخطط مساحي، تتم دراسة الطلب من المكتب الفني بالمجلس المحلي ويتم قبوله في حال توافق العقار المراد ترخيصه مع نظام ضابطة البناء المعتمد، ويترتب على طالب الرخصة تأمين مخططات هندسية مصدقة من نقابة المهندسين للبناء قيد الرخصة، كما يتم تدقيق المخططات من قبل المكتب الفني للتحقق من مطابقتها لنظام الضابطة ويتم بعد ذلك إصدار الترخيص مباشرة، ويتعين على نقابة المهندسين الإشراف على تنفيذ المخططات الهندسية وتقوم الجهة الإدارية بمتابعة تنفيذ المخططات وعدم حدوث أي مخالفات فنية” 

مخيم كفرجالس
مخيم كفرجالس

والنوع الثاني للرخص خارج المخطط التنظيمي فيكون من اختصاص مديرية الخدمات الفنية، ويقتصر على الرخص الصناعية والاستثمارية والمنشآت التعليمية الخاصة، ولا تمنح تراخيص سكنية خارج المخططات التنظيمية.

 ويشترط لمنح الترخيص خارج المخطط التنظيمي عدة شروط “طلب رخصة يقدم للجهة العامة صاحبة العلاقة مرفقاً ببيان قيد عقاري أو عقد إيجار للأرض موقع الرخصة مع مخطط مساحي عليه شبكة الإحداثيات من مديرية المصالح العقارية، ثم يتم تحويل الطلب إلى مديرية الخدمات الفنية، وتقوم لجنة فنية من مديرية الخدمات الفنية بالكشف على الموقع ورسم مخطط موقع عام وتقديم تقرير فني يبين تطابق الموقع مع الشروط الفنية للرخصة المطلوبة ، كما يتم طلب مخططات هندسية من المستثمر للمنشأة المراد ترخيصها، إضافة لتقرير ميكانيك التربة مهمة الجهة الدراسة ويجب أن يكون أحد مكونات المذكرة الحسابية للدراسة الهندسية، وهو مرتبط بعدد الطوابق  وطبيعة التربة في الموقع، قبل تدقيق المخططات واعتمادها من قبل مديرية الخدمات الفنية لتتم الموافقة على الرخصة”.

وتراعي المديرية، بحسب المهندس حاج لطوف، عدد الطوابق وهيكل البناء من خلال تنفيذ المخططات التنظيمية والتقيد بنظام الضابطة، وفي حال حدوث مخالفات قائمة يتم دراستها من قبل اللجنة الفنية الإقليمية، واتخاذ القرار المناسب بشأنها بما ينسجم مع أسس التنظيم العمراني، حيث حدثت بعض المخالفات نتيجة التزايد السكاني الحاصل في بعض المناطق بسبب حملات التهجير التي قامت بها قوات النظام، كما يراعى في كل رخصة سكنية او استثمارية مؤقتة الأماكن المخصصة للمنشآت العامة والحدائق والملاعب والمدارس الملحوظة على المخطط التنظيمي، ولا تغير الصفة التنظيمية لهذه الشرائح إلا بعد تأمين بديل يلبي حاجة الأهالي وفق أسس التنظيم العمراني.

ونظراً للمساحة الصغيرة للمناطق المتبقية بيد المعارضة السورية، تمنح رخص استثمارية، بشكل محدود، في الأراضي الزراعية شريطة ارتباط الموقع بطريق رئيسي.

أما فيما يخص مشاريع المنظمات، فيربطها المهندس حاج لطوف بوزارة التنمية، وأن مديرية الخدمات تسعى جاهدة للمساهمة في تنظيمها وإعداد الشروط الفنية لإعادة ربطها بعمل وزارة الإدارة المحلية والخدمات من حيث الإسكان والبنية التحتية، ولكن مشاريع المنظمات والمخيمات مشاريع وتجمعات مؤقتة تم انشاؤها في ظروف صعبة أثناء تهجير السكان بسبب الحملات العسكرية.

الكثافة السكانية تزيد من صعوبة العمل على إيجاد مخططات تنظيمية جديدة تراعي التوسع العمراني، يضيف المهندس حاج لطوف، “إن هذا يحدث فعلاً ولكن الأمر يحتاج إلى جهد ووقت كبيرين، لدينا خطة طموحة وسيتم العمل قريباً في بعض المناطق”.

التمدد العمراني على طريق سرمدا -حزانو
التمدد العمراني على طريق سرمدا -حزانو

يقول من تحدثنا معهم، وتوضح الصور ومقاطع الفيديو التي التقطناها، وجود مئات الأبنية السكنية خارج المخطط التنظيمي للمدن، وأن الأمر يتعلق فقط بزيادة الرسوم، إذ تزيد رسوم التراخيص على الأراضي الزراعية عنها ضمن المخطط التنظيمي.

يقول أحد تجار البناء في الدانا أن رسوماً إضافية تفرض في حال كان طلب ترخيص البناء على أرض زراعية، هناك بلديات ترفض منح الرخصة، لكن أغلبها توافق على ذلك، ويوضح أن كل متر مربع تتقاضى عليه البلدية ثمانين سنتاً، يضاف عليها ثلاثين سنتاً لنقابة المهندسين في حال إشرافها على البناء.

المهندس غياث خضر نقيب المهندسين السوريين قال إنه يتم “مراعاة المساحات الخضراء والصرف الصحي قبل منح تراخيص البناء، وهي تكون ملحوظة ضمن المخطط التنظيمي حيث لكل نوع من أنواع السكن مساحة محددة ونظام عمراني خاص، من حيث الوجائب ونسبة البناء المسموحة، ويتم منح الرخصة بعد اكتمال الدراسة كاملة بالتنسيق بين المكتب الهندسي الدارس والمكتب الفني في البلدية”.

وأضاف المهندس خضر إنه “لا يتم منح التراخيص على الأراضي الزراعية إلا ضمن شروط وضوابط محددة بالنسبة للسكن الزراعي أو بعض المنشآت”.

أما فيما يخص المخيمات والتجمعات المؤقتة فتراعى بعض الاشتراطات الخاصة نظراً لظروف التهجير والنزوح، ويضيف أن النقابة تسعى بالتعاون مع وزارة الإدارة المحلية والخدمات لاستيعاب التزايد السكاني الحاصل في بعض المناطق وفق الدراسات الهندسية للتنظيم العمراني.

;

ويكمل نقيب المهندسين إنه لا توجد إحصائيات دقيقة للتراخيص الممنوحة، لأن مجالس المدن والبلديات تمنح الرخص داخل المخططات التنظيمية، أما فيما يخص الأراضي الزراعية فهناك شروط خاصة يعمل الجميع على المحافظة عليها وعدم استنزافها، وما حصل من تجاوزات كان بسبب حملات التهجير والنزوح، فعدد السكان أكبر من قدرة استيعاب المخططات التنظيمية.

 

نقابة المقاولين تثمّن عمل المنظمات ولكن 

يثمّن بكري البكور رئيس نقابة المقاولين في إدلب توجه المنظمات الإنسانية لبناء وحدات سكنية بديلة عن الخيام بمساحات تقل عن خمسين متراً، لكنه يرى في الأبنية الطابقية حلاً أفضل، إذ توفر هذه الأبنية مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي والأحراش الجبلية، وتؤدي الغرض من وجودها بإيجاد سكن للنازحين، وبكلفة أقل.

ويرى أن “النهضة العمرانية” تتم حالياً بشكل عشوائي ومخالف للمخططات التنظيمية للمدن والقرى، خاصة فيما يتعلق بالحدائق والطرقات، إضافة لتجاوزات كثيرة يعزوها نقيب المقاولين إلى “عدم وجود سلطة تنفيذية على الأرض”.

ويضيف البكور سبباً آخر يتعلق بأشخاص وصفهم بـ “غير الكفؤ” تم الاعتماد عليهم لتنفيذ عمليات البناء، وأساؤوا للأبنية والبنى التحتية. ما يؤثر على جودة البناء وتصميمه، وسلامة السكان.

كتلة حمامات في مخيم قرطبة
كتلة حمامات في مخيم قرطبة

 

المجالس المحلية تمنح الأملاك العامة لبناء التجمعات السكنية.. هل هو حق لها؟

تؤكد بيانات المخيمات الخمس في حارم، والمبنية من قبل الهلال الأحمر القطري على أن الموقع يعتبر ملكية عامة، وإن حالة الإشغال (إعادة الممتلكات إلى إدارة المجلس المحلي)، وكان قد بين سابقاً أحد المشرفين على المشروع أن الأرض تم الحصول عليها عبر مذكرة تفاهم مع المجلس المحلي لمدينة حارم.

ويقول يقظان شيشكلي من منظمة مرام أن المجلس المحلي قدم لهم أرضاً من الأملاك العامة، ويكون للمستفيدين حق الانتفاع بهذه الشقق لا ملكيتها.

كذلك يقول أبو محيو (مدير مكتب المخيمات في وقف الديانة التركي) إن الأراضي التي تبنى عليها المخيمات السكنية تقدم من قبل المجالس المحلية، ويتم تخصيصها من قبلهم بالتوافق مع وزارة التنمية ومسؤول المخيمات، كما أن مشاريع أخرى أسماها (استبدال) يتم فيها الاستعاضة عن الخيام للمستفيدين أنفسهم بشقق سكنية. 

ويقول أبو محيو أن العائق الأكبر اليوم في وجه المنظمات تأمين الأراضي لبناء التجمعات السكنية، ويرى أن الحل الأمثل يكمن في الأبنية الطابقية.

ويمنح المستفيد عقد إعارة، يحق له بموجبه الاستفادة من السكن وفق شروط يتم التوقيع عليها، وتتعلق بعدم بيع العقار أو تغيير معالمه، ويعلم فيه أن هذا العقار ليس ملكاً شخصياً.

يؤكد ذلك سامر قربي أحد المستفيدين ويسكن في قرية أبواب الرحمة وفق عقد إعارة، وكذلك أحمد القاسم ويسكن في مشروع إسكان (عريبا قرب مدينة حارم)، وإنه تم التوقيع على العقد الذي يتضمن بنوداَ وتعهدات تمنع البيع والإهداء وتغيير الشكل، أو مغادرة المخيم دون إخطار إدارة المخيم، وتسلم الشقة خلال مدة أسبوع واحد تجنباً لضياع حق المستفيد إن تأخر عن المدة المحددة.

عقود الإعارة أو الاستفادة، ليست فقط في الأراضي الممنوحة من قبل المجالس المحلية، بل كذلك في الأراضي التي تم شراؤها من قبل المنظمات الإنسانية، يقول المهندس براء بابولي (مدير قسم المأوى في فريق ملهم التطوعي) الذي يفرق بين ثلاثة أنواع من العقارات، أولها: تلك المشترات من قبل الأهالي وساعد فريق ملهم ببنائها، كمخيم نازحي كفرنبل في باريشا وطورلاها، في هذه الحالة يكون المستفيد مالكاً للعقار، أما الأراضي الخاصة بفريق ملهم والتي تجاور أرضاً  مُشتراة من قبل الأهالي بغرض التوسعة، فيكون العقد مع المستفيد “عقد منفعة”، وأخيراً ما يكون وقفاً كاملاً لفريق ملهم فتوقع مع المستفيد “عقد منفعة” بشروط أهمها أن يكون نازحاً وأن يكون من الشريحة الأضعف، يضاف إليها عدة شروط مثل الالتزام الأخلاقي وعدم استغلال السكن لأغراض غير المأوى، وفي حال عودة قراهم وقدرتهم على العودة إليها فيتركون شققهم لنازحين آخرين، ويمنع فيها أيضاً البيع والشراء والإيجار.

 

يضاف إلى هذه الأنواع نوع آخر تقوم به الجمعيات السكنية بمبدأ التعاون والتكافل، يقول المحامي عارف شريفة رئيس مجلس إدارة ضاحية أبناء حلب، إنه وبعد تعذر حصولهم على أرض مجانية من الأملاك العامة لترخيص بناء لمهجرين حلب، لجؤوا إلى شراء أرض بمواصفات معينة (مستوية – صخرية – ليست زراعية).

ضاحية حلب الشهباء
ضاحية حلب الشهباء

وبسبب عدم وجود قانون لترخيص الجمعيات في المنطقة، تم تقديم الأوراق لإدارة الخدمات في المنطقة التي تتبع لها الأرض، سجلت في الديوان ومنحت رقماً وتاريخاً.

وتسعى الجمعية التي تستمر في عملها إلى منح شقق سكنية للأهالي بسعر التكلفة، يقول رئيس الجمعية، إن الغرض الرئيسي من بناء الضاحية توفير بيوت للمهجرين من مدينة حلب واستعادة روح المدينة التي غابت ريثما تعود، والحفاظ على العادات والتقاليد في المدينة.

كذلك قام أهال من حمص ببناء ضاحية سكنية، وبنيت قرى أيضاَ محاكاة لقرى هجر أهلها، كرتيان وعندان وغيرها…

في الخامس عشر من كانون الثاني الماضي قامت بلدية النظام في حلب بإزالة 36 منزلاً قالت إنها أبنية مخالفة، وبحسب رئيس مجلس البلدة التي سيطرت عليها قوات النظام في بداية العام 2019، إن إزالة مخالفات البناء تمت استناداً لأحكام المرسوم (40) لعام 2012، بحجة تشييدها على الأملاك العامة، وبعضها على أملاك الغير.

يوضح مشروع القانون الزراعي رقم 25/207 في الفصل السابع المادة 19 أن “حراج الدولة ثروة وطنية لا يجوز التصرف بها أو تقليص رقعتها من قبل أي جهة كانت، ويمنع بوجه خاص تمليك أو تأجير أراضي حراج الدولة المحروقة أو التي تتعرض للحريق لأي شخص أو جهة عامة أو خاصة، أياً كانت أسباب الحريق، وسواء أكانت هذه الأراضي مسجلة باسم الدولة أم غير مسجلة”.

وتوضح المادة 86 أن العقارات الأميرية وهي التي تكون رقبتها للدولة، والعقارات المتروكة المرفقة وهي التي تخص الدولة ويكون لجماعة ما حق استعمالها، والعقارات المتروكة المحمية وهي التي تخص الدولة أو المحافظات والبلديات وتكون جزء من الأملاك العامة، والعقارات الخالية المباحة أو الأراضي الموات إضافة لعقارات الملك، هي أنواع العقارات السورية.

وإنه وبموجب المادة 3 من المرسوم التشريعي 95، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وغرامة من مئتي ألف إلى مليون ليرة، كل من يثبت مسؤوليته سواء أكان مالكاً أو حائزاَ أو شاغلاً أو متعهداَ أو مشرفاً أو دارساً لبناء، عندما يكون البناء مخالفاً وواقعاَ ضمن الأملاك العامة أو أملاك الدولة الخاصة ضمن الحدود الإدارية أو متجاوزاً عليها.

يقول المحامي رامي العلي، إنه وبموجب هذه القوانين تتم معاقبة الشخص المخالف، وإن المجالس المحلية لا يحق لها التصرف بالممتلكات العامة إلا وفقاً للخدمة العامة، والتي يشترك بها أبناء القرية ذاتها.

ويضيف العلي إن مناطق المعارض لا تعمل بقانون حكومة النظام، لكن المستقبل سيحمل الكثير من الدعاوى القضائية بما يحق الحقوق والملكيات، سنكون أمام سنوات طويلة من التقاضي، نظراً لأن حجم المخالفات يفوق التصور، كذلك سيتوجب إيجاد قوانين جديدة تتماشى مع الواقع الراهن، إذ تنص القوانين في حكومة النظام، وهي معمول بها منذ خمسينيات القرن الماضي، على أن حق المخالفين على الأملاك العامة يقتصر فقط على أخذ أنقاض أبنيتهم.

ويخبرنا قسم ممن تحدثنا معهم أنه لم تتم مشاورتهم قبل التصرف أو تخصيص الأراضي العامة، علماً أنها تخص كل بلدية، وأنهم لم يكونوا ليمانعوا منحها لإخوتهم من النازحين والمهجرين، ولكن على المجالس المحلية إخطارنا بذلك.

 

مخاطر مستقبلية

يحدد المهندس الزراعي محمد موسى مخاطر التمدد العمراني داخل الأراضي الزراعية، خاصة مع عدم مراعاة الشروط، باستنزاف الأراضي الزراعية ونقص الموارد، وتلويث التربة بالصرف الصحي، كذلك تأثر المياه الجوفية والقضاء على النسج الزراعية، والتلوث البصري والمساعدة باستمرار الفوضى العمرانية بشكل عشوائي وبنى تحتية غير كفؤة، وأن تكون بادرة مستقبلية للتوسع العمراني غير المناسب لطبيعة المنطقة.

ويرى أن الأراضي الزراعية، سواء تلك التي بني عليها خيام مؤقتة أو وحدات سكنية، فقدت تربتها القدرة على الإنتاج من جديد، وتحتاج لإعادة استصلاحها، وذلك لأسباب عديدة أهمها، الكتل الاسمنتية والأرضيات التي وضعت تحت الخيام، فرش الطرقات في المخيمات بالبحص، تربيص التربة وعدم حراثتها وزراعتها، القمامة المتحللة في التربة، والأهم من ذلك الصرف الصحي الذي يدار في الأراضي الزراعية أو قنوات هطول الأمطار.

وتحتوي مياه الصرف الصحي على ميكروبات عديدة مثل الكوليرا والتيفود.. وفيروسات مسببة للأمراض، وقد يكون لها آثار سامة على الإنسان والحيوان والنبات.

كذلك تترك مياه الصرف الصحي تراكيز عالية من المعادن الثقيلة في التربة وتغير خواص التربة، خاصة الأملاح والأس الهيدروجيني، وتسبب إغلاق مسام التربة بواسطة المواد الناعمة التي تحتويها وتوقف عمليات التحلل الهوائي.

 

التغيير الديموغرافي في إدلب 

سجلت إحصائية الربع الأخير من عام 2020، وجود أزيد من مليوني نازح في المناطق التي بقيت تحت سيطرة المعارضة في إدلب، من النازحين داخلياً والمهجرين قسرياً خلال الحملات العسكرية المتلاحقة من قبل قوات النظام والميليشيات التابعة له، والتي كان آخرها بداية العام 2020، ونحو سبعة آلاف لاجئ (فلسطيني وعراقي).

يقول المحامي محمد عمار شريفة إن فكرة إقامة الجمعيات السكنية أتت نتيجة “طول المدة وغياب أفق الحل” ما دفع مهجري حلب للبحث عن حلول وبدائل، منها المجمعات السكنية التي تضمن “تكتلات سكنية يسكنها أبناء المنطقة الواحدة”، يحاكون فيها مدنهم التي هجروا منها، ويستعيدون فيها عاداتهم وتقاليدهم ويحيون ورشهم وصناعاتهم.

ويروي علي مروح (أمين سر لجنة ضاحية أبناء حلب) إن “التشتت وعدم الاستقرار” ولّدا فكرة إعادة “إحياء المجتمع الحلبي” والمحافظة على الصبغة الحلبية على مستوى (العائلات -طريقة التعامل -الأطعمة -المصالح والأعمال)، ويقول مروح “إن التهجير ساهم في ضياع شخصية مدينة حلب وأهلها بين المجتمعات المضيفة، واجتمعنا على الرغبة بإعادة الصبغة الحلبية في المناطق التي نسكنها”.

صور جوية لوحدات سكنية جديدة في ريف إدلب
صور جوية لوحدات سكنية جديدة في ريف إدلب

وكانت إدلب، في أعوام سابقة، قد شهدت إقامة قرى ومخيمات لسكان قرية أو مدينة بحد ذاتها، يكون ذلك بالاتفاق بين أبناء قرية معينة على شراء أرض وتخصيصها للعائلات النازحة من القرية ذاتها، مثل ما حدث خلال بناء قرية رتيان الجديدة، مخيم الخطيب، مخيم كفرنبل، ونحو 232 مخيماً يحمل الصبغة ذاتها على الشريط الحدودي بين إدلب وتركيا.

إن التفاف أبناء المناطق السورية حول بعضهم البعض، لإنشاء هذه المجمعات أتى كضرورة تحكمها أمور كثيرة، أهما البحث عن الأمان والمساعدة فيما بينهم، والحفاظ على الهوية، مثل المجمعات التي بناها مهجرو حمص وحلب، ونازحو إدلب، وأن هذه المجمعات ستكون خطوة قادمة ستعمم على مختلف أطياف السكان في إدلب، بحسب المحامي رامي العلي.

ويضيف المحامي أن هذه التجمعات تحمل معنيين، أولهما إيجابي، بحيث تحولت إدلب إلى سوريا مصغرة، وثانيهما سلبي ويتمثل في الاكتظاظ السكاني وعدم قدرة محافظة إدلب وبنيتها التحتية والمساحة التي ما تزال تحت سيطرت المعارضة، على تحمل هذه الزيادة، خاصة مع معدلات الولادة المرتفعة والتي بلغت (21.19/1000). 

ويرى العلي أن “الانصهار في المجتمع المحلي أمر بالغ الصعوبة، وسيكون هناك، وقد بدأ بالفعل، تنافس بين المجتمعات المضيفة والنازحين، وأن انصهار هذه المجتمعات معاً لا يمكن أن يتم، نظراً لإمكانيات إدلب المحدودة وضيق المساحة من جهة، واختلاف العادات والحياة العامة من جهة ثانية”.

أنجز هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي ومنظمة Free Press Unlimited، لكنه لا يعكس موقف الاتحاد الأوربي، ويتحمل “الغربال” المسؤولية عما جاء فيه.

 

التعليقات متوقفه