كورونا يكشف هشاشة القطاع الطبي في سوريا

الكاتب: فريق التحرير

0

تغيب منظمة الصحة العالمية عن مشهد انتشار فايروس كورونا في الشمال السوري، سوى بدعم جزئي دون تنفيذ للوعود التي أصدرتها والتي بقيت حبراً على ورق. في الوقت الذي أظهرت فيه مديريات الصحة حالة من التخبط في التعامل مع الفايروس وتنفيذ المخططات والاستجابة الطارئة للحد من انتشاره.

إجراءات خجولة

بدأت أولى عمليات الحجر على الكادر الصحي والمرضى والمراجعين داخل مشفى باب الهوى مع تسجيل أول إصابة لأحد الطواقم الطبية في التاسع من تموز الماضي، رافقها حالة من التخبط والرعب بين السكان لعدم معرفتهم بأسماء المصابين، خاصة وأن المشفى يخدم شريحة كبيرة من سكان المنطقة المكتظة بالمخيمات.

واقتصر تأمين الفحوصات للمصابين والمشتبه بهم عبر مخبر واحد يديره مختبر ترصد الأوبئة المبكر في إدلب والمدعوم من قبل وحدة تنسيق الدعم، بينما اكتفت مديريات الصحة في حكومتي الإنقاذ والمؤقتة على عمليات التوعية عبر الانترنيت وتدريب كوادرها على التعامل مع هذه الجائحة.

ويصف الصحفي المتابع للقطاع الصحي في الشمال السوري عمر حاج أحمد عمل المؤسسات والهيئات الطبية في الشمال السوري متمثلة بوزارة الصحة التابعة للحكومة المؤقتة ومديرياتها وكافة المنظمات والهيئات الطبية ومديرية صحة حكومة الانقاذ، بأنه “لم يرقَ للحرفية ولم يلبي المأمول منه، رغم كثرة عددها ووفرة مشاريعها. إذ يوجد نحو 15 مؤسسة حكومية وهيئة طبية وأكثر من 40 فريقاً تطوعياً تحدثوا عن مشاريع توعوية وصحية حول وباء كورونا”.

وقدر حاج أحمد نسبة الاستجابة بنحو ١٠٪ مما تم التخطيط له، إذ “بدت العشوائية سمة للإجراءات المتبعة، بداية من طريقة الحجر وصولاً لعدم المبالاة من الكوادر والهيئات ذاتها، وحتى المؤسسات الرسمية التي تأخذ قراراته دون تنفيذ وكأن الوباء يُحارب بالبيانات والقرارات فقط، وهذا ما جعل عناقيد الفيروس تكثر وتنتشر على أكثر من بقعة مجتمعية”.

 

نقيب الأطباء.. نعمل ما بوسعنا والصحة العالمية لم تفِ بوعودها

يقول الدكتور وليد التامر نقيب الأطباء في إدلب إن المنطقة التي يسكنها ما يزيد عن أربعة ملايين شخص تفتقر لأدنى المقومات الطبية قبل وجود الفايروس، وإن مواجهته تحتاج إلى مشافٍ مجهزة وأدوات ولوجستيات. دول عالمية بقطاع صحي متطور لم تستطع السيطرة على هذا الوباء.

ويؤكد التامر أنه ومنذ تسجيل الإصابة الأولى قامت وزارة الصحة والمديريات ونقابة الأطباء بالتحدث للأهالي عبر مواقع التواصل الاجتماعي وإصدار البيانات لنشر التوعية والوصول للأهالي وتشكيل خلية طوارئ بين وزارة الصحة بالحكومة المؤقتة ومديرية الصحة للاستجابة لهذا الموضوع ووضع خطة للتعامل مع انتشار الفايروس شمال سوريا.

وتم الحديث عن منحة مقدمة من منظمة الصحة العالمية WHO بدأت بـ ٦.٦ ووصلت إلى ٣٥ مليون دولار. لكن هذه المنحة إلى الآن “حبر على ورق”.

يقول التامر إنه ومع الإصابة الأولى سيطرت حالة من القلق والخوف على المعنيين بالقطاع الصحي “وكأنه لم يكن هناك خطط للاستجابة والتنسيق المسبق لإمكانيات وصول الوباء إلى المنطقة”. ولم تستطع الإدارات المعنية إيجاد فريق طبي قادر على قيادة القطاعات الطبية بشكل صحيح. ويأسف التامر “لعدم وجود إدارة واحدة للوقوف أمام هذه الجائحة”.

غياب التخطيط حال دون تنفيذ المشاريع التي كان يجب تقديمها لمنظمة الصحة العالمية، يقول التامر “لم تكن المشاريع المقدمة تتوخى الدقة والمعايير وكانت تعاني من قصور وإهمال لقصص كثيرة” ويضرب مثالاً عن ذلك “المشاريع الطبية في المخيمات المكتظة بالسكان والتي تعاني من فقر في المنشآت الطبية أو غياب لها، وكان من الممكن تنفيذها من خلال المنحة”.

معابر غير شرعية ومحجورون دون مساعدات

المعابر غير الشرعية التي تربط مناطق النظام السوري مع مناطق المعارضة كان له دور كبير في انتشار الفايروس أيضاً. إذ سجلت مدينة سرمين الحالة صفر من العنقود الذي بدأ ينتشر به الوباء في إدلب. وكانت السيدة المصابة قد خالطت عدداً كبيراً من أهالي المدينة وتبين بعد إجراء المسحة الطبية لها إصابتها بكورونا لتفرض حومة الإنقاذ حجراً كاملاً على المدينة.

شكل هذا الإجراء دليلاً إضافياً على غياب التنسيق وخطة الطوارئ الواجب اتباعها، إذ فرض الحجر على المدينة دون تقديم المساعدات الإنسانية والطبية لسكانها. حتى المنظمات الإنسانية التي كانت تعمل على التوعية والاستجابة الطارئة لم تدخل مدينة سرمين إلا بعد خمسة أيام من ظهور أول إصابة واقتصر الموضوع على عمليات تطوعية فردية من الأهالي.

يروي الناشط الإعلامي مطيع جلال من أهالي مدينة سرمين إن “الحجر فرض بشكل طارئ على السكان دون تأمين الاحتياجات اللازمة لهم، ولم تصل اي استجابة من قبل المنظمات إلا بعد مناشدات إعلامية ومدنية لمدة ٥ ايام حتى بدأت فرق الاستجابة تقوم بتوفير الدعم القليل للأهالي المدنيين. ولم تقدم مديريات الصحة سوى التصريحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، باستثناء المختبر الذي يعمل على إجراء الفحوصات الطبية في إدلب لاكتشاف الإصابات بفايروس كورنا”.

نظرة على الواقع الصحي

يحمل مسؤولون في مديرية الصحة منظمة الصحة العالمية مسؤولية ضعف القطاع الصحي في الشمال السوري، خاصة مع الدمار الكبير الذي لحق بالمنشآت الطبية نتيجة استهدافها من قبل قوات النظام وروسيا على مدى سنوات. وأيضاً التأخر بالاستجابة لانتشار وباء كورونا في المنطقة حتى شهر حزيران الماضي ما أثر بشكل كبير على القدرة والاستجابة لمواجهة الوباء.

يقول أولئك “إن مسؤولية مضاعفة تقع على عاتق منظمة الصحة فيما يتعلق بتحسين أدائها والاستجابة للازمات الإنسانية وخاصة في المناطق التي تعاني من شبه شلل في القطاع الطبي كالشمال السوري”.

وعن الجاهزية الطبية والقدرات المتوفرة لجائحة كورونا يقول الدكتور محمد العيسى من فريق عمل استجابة كورونا التابع لقطاع الصحة “يتوفر حالياً ثلاثة مشافٍ تختص باستقبال الإصابات لمرضى كوفيد ١٩في ريف حلب، وفي إدلب هناك خمسة مشاف، ويتم تجهيز ثلاثة مشاف ضمن الخطة التي نعمل عليها”.

أما بالنسبة لمراكز العزل “فهناك تسعة مراكز من أصل ثلاثين مركزاً موزعاً بين محافظة إدلب وريف حلب وسيتم تفعيل باقي المراكز الثلاثين حسب الخطة الموضوعة”.

كما يقوم نحو ألف وخمسمائة شخص عاملين ضمن فرق الصحة والتوعية بـ “الدور الإرشادي وطرق الوقاية من انتشار الوباء وتم وضع خطة لشراء تسعين منفسة جديدة جزء منها وصل والآخر سيصل تباعاً”.

ويضيف العيسى أن هناك ثلاثة مخابر تعمل على إجراء الفحص للفايروس في إدلب وعفرين وجرابلس، ويصدر مخبر الترصد الوبائي التابع لبرنامج شبكة الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة EWARN في وحدة تنسيق الدعم نشرة يومية في تمام الساعة العاشر والنصف لتحديد الإصابات الجديدة والمرضى المتعافين والتوزع الجغرافي للإصابات.

الدكتور حسن قدور رئيس دائرة الرعاية الثانوية والثالثية بمديرية صحة إدلب يقول إن المديرية تمتلك ٥٠ سرير عناية مشددة و ١٤٣ سرير عزل متوزعة في مراكز العزل في إدلب وكفرتخاريم وفي تل الكرامة ومدينة اريحا، وسيتم افتتاح خلال أيام عدة مراكز أخرى وهناك خطة للوصول إلى ١٠٠ سرير للعناية وإلى ١٥٠٠ سرير عزل، ولدينا أربعة خطوط ساخنة يقوم عليها موظفون من الكادر الطبي  متوفرة للأهالي للاتصال المباشر من أجل الاجابة والاستفسار عن مرض كورونا، وتوجيه المريض بالطريقة الصحيحة وإعطائه التعليمات والتوجيهات الطبية اللازمة.

محمد الأحمد أحد العاملين في المشفى الوطني بمنطقة إعزاز يقول ان المشفى الوطني هو الوحيد حالياً في المنطقة الذي عمل على تخصيص قسم خاص من المشفى لاستقبال مرضى فايروس كورونا، وتم تخصيص قسم يحتوي على ٢٠ غرفة في كل منها ٣ أسرة للمرضى. وتم اعتماد وجود خيام تكون موجود امام كل مركز صحي أو مشفى وظيفتها أخذ قياس الحرارة للمراجعين، واي مريض يكون هناك شك بإصابته يتم نقله إلى خيمة العزل الثانية ويتم إبلاغ سيارة الإسعاف لنقله إلى المشفى المختص باستقبال إصابات كوفيد ١٩.

ويقول الدكتور أنس السيد الدغيم رئيس دائرة الرعاية الصحية الأولية في مديرية الصحة بادلب لدينا مخبر وحيد في إدلب المدينة  فقط يتبع لمنظمة ACU نظام الانذار المبكر، ولدينا ٨٣ مركز رعاية صحية أولية و٥١ مشفى تحتوي على ٢٠٠ منفسة موزعة على منافس أطفال وحديثي الولادة وبالغين، وتم تخصيص مشفى الزراعة في مدينة إدلب ومشفى كفرتخاريم ومشفى في تل الكرامة للمصابين بفايروس كورونا، إضافة إلى أن وحدات العزل ومشافي الداخلية والعامة كلها ستكون مخصصة لمعالجة كورونا عند الحاجة.

وتم تزويد المشافي بخيم فرز ومراقبة، كل مركز مزود بخيمتين للفرز والمراقبة للتعامل مع المراجعين والمستفيدين وفق بروتوكلات الصحة العالمية منها بروتوكل الفرز والترياج للمرضى وضبط العدوى  في المراكز.

كذلك تم توجيه التعليمات من قبل مديرية صحة إدلب إلى جميع المراكز والمشافي عن كيفية التعامل مع مرضى الكورونا وفق آليات محددة واستمارات تملأ من المرضى على مدخل كل منشأة حسب الصحة العالمية.

الدفاع المدني وحملات توعية وتعقيم

عملت منظومة الدفاع المدني السوري شمالي سوريا على المشاركة بحملات التوعية وحملات التعقيم الأماكن العامة والمدارس والمنشآت الطبية والمخيمات في محاولة الحد من انتشار كورونا، واستمر عملها حتى من خلال عمليات دعم القطاع الصحي عبر إطلاق معمل لإنتاج الحمامات الطبية التي وزّعتها فرقها على المدنيين وطلاب المدارس والقطاعات الصحية وعملها ضمن فريق التنسيق وغرف الطوارئ للاستجابة العاجلة مع مديرية الصحة ووزارة الصحة في الحكومة المؤقتة.

يقول رائد الصالح مدير الدفاع المدني السوري، بدأت فرق الدفاع المدني مع انتشار الجائحة في العالم ودول الجوار، بعمليات تطهير وتوعية من فيروس كورونا في الشمال السوري وذلك قبل تسجيل أية إصابة، بالتزامن مع إطلاق حملات توعية، شارك 80 فريقاً من الدفاع المدني، يتألف وسطيا كل فريق من خمسة متطوعين.

كما أنشأ الدفاع المدني بحسب الصالح خطاً لإنتاج الكمامات في الشمال السوري والمعمل قادر على إنتاج ستة آلاف كمامة ثلاثية الطبقات في الساعة وبمواصفات قياسية ومن المخطط أن ينتج المعمل تسعة ملايين كمامة في تسعة أشهر بهدف تأمين احتياجات القطاع الطبي، وفي 10 نيسان الماضي أطلق الدفاع المدني السوري ومديرية صحة إدلب، وبالتعاون مع عدد من المنظمات الإنسانية المحلية، مبادرة تطوعية تحت اسم “متطوعون ضد كورونا” لتوفير الاستجابة على عدة مراحل ومستويات في حال انتشار الفيروس.

ولفت إلى أن ما زاد الطين بلة قيام النظام وحليفه الروسي بتدمير المشافي بهدف حرمان السكان من الخدمات الطبية، واستهداف الكوادر الطبية أيضاً، إضافة إلى حدوث ازدحام سكاني سبّبته حملات التهجير التي طاولت ملايين، فلدينا نحو ١٢٧٧ مخيماً تؤوي أكثر من مليون مدني يعانون من تردي أوضاعهم الاقتصادية وفقدان الخدمات الأساسية وهذا يجعلها بؤرة حقيقية للمرض.

 

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق