راديو “فرش” تمسك بيدك وتوجه البوصلة

أدر شعيرة الراديو، حاول أن تضبط التردد على 90.00 أو 92.05 ستسمع عبارة واحدة دوماً “قواكن الله” مع راديو فرش.

صباح يوم السادس من كانون الأول انتصر طيار مروحية على مبنى الراديو الذي تحوَل إلى ركام، صوت البرميل الذي هوى من السماء قطع أنفاس من تبقى في المدينة المنكوبة والتي استهدفت كل معالم الحياة فيها خلال الأشهر الماضية، ونزح معظم سكانها، غيمة من الغبار والركام غطت المكان، على السطح كان تردد الراديو يرفع “إصبعاً وسطى” في وجه المروحية، ما زال الصوت مسموعاً والراديو بخير بعد دمار مبناها الأم.

ليست راديو فرش جدراناً، هكذا يقول كل من عمل فيها، هي حلم لعشرات الشبان الذين عبروا ممراتها وغرفها، خلية من العمل المتواصل بإمكانات متواضعة وخبرات بسيطة والكثير من الإرادة والدماء.

“فرش” وليدة العفوية والبساطة، صوتها يجوب شوارع المدينة وأزقتها. يوم خلقت راديو فرش كانت أشبه برادار ينبه السكان من موت قادم في السماء، أو قذائف تستهدف المنازل، لم يخطر في بال صاحب الفكرة وشهيدها (رائد الفارس) وقتها أنها ستتحول إلى منبر للحرية، وصوت السكان للتعبير عن آمالهم وآلامهم، قتل صاحب الراديو قبل أن يقتل مبناها، وإن اختلفت يد الفاعل في الحالتين إلَا آن الهدف واحد، كل الطغاة يخافون “صوت الحقيقة”.

بمجموعة بسيطة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة أطلقت فرش أولى صيحاتها، قُسم العمل نظرياً، إلَا من عاش “فرش” يدرك أنها نتاج الجميع وغياب “الأنا” إلى الدرجة التي ينسى فيها أحياناً ذكر أسماء الفريق، ما الضير يقولون طالما أن العمل لـ “فرش”.

المتتبع لعمل فرش في بداياته يجد “مجموعة من الهواة” دون أي خبرة بالعمل الإذاعي والإعلامي، ولا بدَ أن يشاهد أيضاً روحاً جماعية أخفت الكثير من العيوب التقنية، ودون شك سيجد الإنسان والثورة قضية واحدة ارتكز عليها العمل منذ البداية وحتى تحقيق الهدف.

كنت واحداً من هؤلاء العشرات الذين عاصروا فرش وكان لي شرف الانضمام لفريقها، كمحرر في قسم الأخبار بادئ الأمر، لكني سرعان ما انتقلت للعمل في المجال الذي أحبه وهو البرامج الحوارية المباشرة. حيث أدخلنا الشق الخدمي والبرامج الخدمية إلى مجموعة منوعة من البرامج التي كانت تبث كالسياسي والديني والاجتماعي والثقافي والترفيهي وبرامج الطفل.

مع كم من البرامج برزت فرش كإذاعة متفردة عن غيرها بحملها طابع المكان ولهجة أبنائه، اللهجة الكفرنبالية التي وسمت مسلسلاتها وبرامجها، حتى شارات البدء التي تصدرتها عبارة “قواكن الله”، وهذه الروح في العمل كانت انعكاساً لما خلف جدران فرش، الجميع أسرة واحدة يعملون معاً ويسهرون ويمرحون، وحتى أن البعض منهم كانت فرش بمثابة بيت له ينام فيه حتى الصباح، إن تطلب عمله سهراً طويلاً.

لم يتأطر العمل في قوالب جامدة ولا سياق مصطنع وابتعد عن التقليد ليلامس الواقع ويقترب من الناس ما استطاع، ربما بسبب هذا كله عنت راديو فرش للكثيرين رمزية فاقت حدود إذاعة محلية تبث برامج لمستمعين، فكنت ترى شباباً كالشهيد حمود الجنيد أو علي الدندوش وغيرهم يسارعون الى أماكن القصف مخاطرين بحياتهم، ليس بهدف تحقيق السبق الصحفي، بل ليوثقوا الاستهداف ويوصلوا الأخبار بمصداقية أكبر، ما أكسب الراديو ثقة لدى متابعيها وزاد من إقبالهم على سماع الأخبار من خلالها والاستماع إلى برامجها، بعد أن عزف كثيرون عن سماع الإذاعات، وهجروا الراديو نحو أمور أكثر انتشاراً، كالهاتف الجوال ووسائل الانترنت.

في “فرش” للجميع وجهة نظر مسموعة، ومساحة للرأي في البرامج كافة، لا استئثار بالقرار، ولا نجاح لفرد على زملائه، الراديو الهاربة من ماضٍ لتجد لنفسها حضوراً في زمن نسي فيه الجميع كيف يديرون بوصلة التردد، أمسكت “فرش” الجميع من أيديهم وعلمتهم كيف يصلون إلى ترددها.

اقتربت “فرش” من حياة الناس، جالستهم مع فطور الصباح وجلسات “المنقلة” وسهرات المساء وليل الثوار والمرابطين، منذ تأسيسها في العام ٢٠١٣ وحتى اليوم، وأصرت كوادرها على الاستمرار رغم ما تعرضت له من ضغوطات جمة شملت المضايقات والتهديدات من فصائل متنفذة بالداخل إلى الاستهداف المباشر بالاعتقال والإغلاق لمرات عديدة، حتى توقف الدعم المالي من الجهات المانحة، كل ذلك لم يثن الفريق عن العمل بل ظل على عطائه المعهود، وبهمة أكبر من ذي قبل وإيمان بالفكرة والهدف لا يلين.

لن تصمت “فرش” يقول أبناؤها، فلا أحد بإمكانه إخراس صوت الحقيقة، هي اليوم في قلب كل من عاصرها وعمل بها أو لامست هماً ووجعاً في داخله، صحيح أن بيتها لم يعد على خارطة المكان إلا أن ترددها باقٍ، يكفي أن تدير البوصلة لتسمع “قواكن الله” من جديد.

المصدر: فوكس حلب

التعليقات متوقفه