الرئيسية / تحقيقات / العنف يغرس جذوره عميقاً في قلوب الأطفال السوريين – حسام الجبلاوي
العنف يغرس جذوره عميقاً في قلوب الأطفال السوريين  – حسام الجبلاوي

العنف يغرس جذوره عميقاً في قلوب الأطفال السوريين – حسام الجبلاوي

لم يكن شيئاً غريباً أن تتحولَ حدائقُ الأطفال وملاعبهم في سوريا إلى ساحاتٍ حربية، يُمسك كلُ منهم بسلاحه ويناور باحترافية لقتل عدوه المفترض. ليست هذه تمثيلياتٍ عادية يمارسها الأطفال لهواً، لقد تجذّرت الحربُ في نفوسهم، وتحولت أحلامهم ليصبحوا قادةً يشنون الحروب. و حتى رسومُ البنات الرومانسية التي كانت تتزين بفساتين الأميرات، وقلوب الحب أصبحت مليئةً بصورالطائرات والدبابات، وتمثيل مشاهد المعارك وضحاياها من الأطفال.
ظاهرةُ انتشار العنف بين الأطفال السوريين أصبحت بحسب قول معلّمة المرحلة الابتدائية فاديا شاهين واقعاً ملموساً، بدأت نتائجهُ تظهر في جيل كبر مع صوت الطائرات ومشاهد الدم والقتل، وما عايشوه معها من خوفٍ في أعين أهاليهم التي مرت عليها مشاهد لا تحصى من الدمار والقتل والنزوح.
مشاهد للعنف استوقفت شاهين ترويها لـ”الغربال” عن أطفالٍ في مراحل عمريةٍ صغيرة “باتت أحاديثهم أكبر بكثير من أعمارهم كالثوار حرروا، النظام تقدم إلى هذه المنطقة، سمعنا بالأمس طلقات دوشكا، هذا كافر وليس مسلم، وغيرها من الألفاظ العنيفة التي طغت على أحاديث طفولتهم”.
وتكمل المعلمة المتطوعة في إحدى مدارس خان شيخون بإدلب حديثها بالإشارة إلى استراحة الأطفال في المدرسة التي باتت وفق رأيها مليئةً بمشاكل العنف كالضرب واستخدام الألفاظ القاسية، والحركة الغير طبيعية للأطفال التي تجسد الفوضى ” أذكر مرةً أننا انتشلنا أطفالاً أثناء الانصراف داس بعضهم على الآخر، وكادوا يقتلون أنفسهم في الزحام، لم يخرج المشهد من ذاكرتي وأنا أفكر يومياً مالذي دفع الأطفال ليدوسوا بعضهم دونَ اكتراث ورحمة”.
ليس العنفُ حكراً على الأطفال السوريين في الداخل فحسب، ففي تقرير صدر مؤخرا من منظمة “Save the Children” بعنوان “طفولة في ظل الحرب” خلص التقرير الذي استند إلى شهادات ما يفوق 150 طفلاً سورياً لاجئاً دون سن 18 عاماً إلى عدم إستقرار صحة الأطفال النفسية في بلدان اللجوء، لأسباب عديدة أبرزها التشرّد والفقر والزواج المبكر، والتوترات بين اللاجئين والمجتمعات المُضيفة.
ويشير التقرير إلى أن 51% من الأطفال اللاجئين شهدوا بمعظمهم القتال بأعينهم، كما فقد الكثير منهم أحد الوالدين. هذا بالإضافة إلى أنّ الحرب لحقت ببعضهم إلى المناطق المضيفة، كما في طرابلس التي شهدت صراعاً وخلافات مع تدفق اللاجئين إليها.
وتخلص الدراسة الأكبر من نوعها منذ عام 2011، إلى أنّ 89% من الأطفال السوريين يعانون جراحًا نفسية يصعب دملها .
مستويات العنف
مظاهر عديدة للعدوان باتت تحكم سلوك الأطفال السوريين يبرزها الأخصائي النفسي قصي الخطيب في ثلاثة مستويات: وهي العدوان نحو الذات، ويتمثل بقيام الطفل بإلحاق الأذى بنفسه كضرب رأسه، أو شدّ شعره، أو توجيه عبارات مسيئة لذاته مثل (لا أحد يحبني، أنا لا أصلح لهذا).
وثانيها الأكثر ظهورا في فئة الأطفال حالياً وهو استخدام العنف الذي يراه في مجتمعه وعبر التلفاز على أصدقاءه، باستخدام اليدين أو الآلات الحادة، وتوجيه الألفاظ المسيئة، وعبارات التهديد التي قد يرافقها حركات معينة بهدف استفزازه واخافته.
أما ثالث أشكال العنف وأخطرها كما يقول الخطيب فهو “مشاركة الأطفال في سوريا بالحرب بشكل مباشر، وجعلهم مسؤولين عن سجون التعذيب، ورؤية ضحاياهم بشكل مباشر، وهو ما يغرس في نفوسهم آثاراً سلبية لا يمكن محوها اطلاقاً”.
ويؤكدّ الأخصائي النفسي أنّ نسبةً كبيرةً من الأطفالِ السوريين لاسيما ممن هم فوق 15 عاماً شاركوا في الحرب الدائرة في بلدهم خلال السنوات الماضية، سواء بشكل مباشر أو من خلال استعمالهم في الخطوط الخلفية للقتال، يدفعهم لذلك الانتقام والظروف المعيشية السيئية والاهمال وحب إثبات الذات.
ويضيف الخطيب: “من لم تؤثر به الحرب فقد عانى من رحلات النزوح، وشقاء العمل، والاستغلال، والتعنيف، والضغط النفسي الناتج عن مضايقات مجتمعات اللجوء، وهي جميعها عوامل أساسية لخلق نفسية غير متوازنة معرضة دائما لتقبل العنف”.
هل وصل عنف الأطفال في سوريا لمراحل خطيرة لا يمكن علاجها؟ سؤال تجيب عليه الأخصائية الاجتماعية يارا الأشتر بالقول ” الخطورة ليست في المراحل التي وصل إليه شدة العنف، بل في طول فترة تعرض الأطفال له، فاستمرار الحرب لأكثر من ست سنوات مع غياب أي فترة سلام وآمان لم يتح للأطفال السوريين أي فرصة لمشاهدة السلوك الطبيعي البعيد عن العنف، وهو ما يشكل عامل الخطورة الأكبر”.
وتؤكد الأشتر أنّ العنف هو “سلوك اجتماعي ومكتسب، ومن الطبيعي أن يتأثر الأطفال به ما دام موجوداً في مجتمعهم، ويصبح هو بالتالي الأسلوب الأول في تعبيرهم عن غضبهم وانفعالاتهم، وكذلك في سلوك اللعب الخاص بهم”.
هل من حلول
وبما أن العنف سلوك اجتماعي مكتسب ترى الأخصائية الاجتماعية أنّ هناك جملة من التوصيات التي يجب التعامل معها للتخفيف من الآثار السلبية للحرب، ومنها “أن يكون الوالدان قدوةً ونموذجاً ايجابياً لأبناءهم، وأن يبتعدوا قدر الامكان عن الصراخ والضرب والأساليب العنيفة في عقابهم”.
وتنصح الأشتر بضرورة تعليم الأطفال في سن مبكرة الأساليب المناسبة للتعبير عن انفعالاتهم ومشاعرهم كالرسم والتحدث بهدوء، وخلق قنوات دائمة للتواصل مع الطفل، ونقاشه حول مساوئ السلوك العنيف وأخطاءه، وتأثيره على علاقاته وصحته.
وتحتاج فترة علاج الطفل وإعادة تأهيله وفق الأشتر إلى فترة تتراح من أسابيع لعدة أشهر، تتظافر خلالها جهود الأسرة والمعالج النفسي والكادر التدريسي، فيما تحتاج بعض أنواع الاضطرابات النفسية لوقت أطول، تصل لمدة العام أحيانا.
من جهته يرى أستاذ الارشاد النفسي أحمد الظاهر أنّ معالجة العنف يجب أن تتخطى أيضاً دور الأسرة، لتكون مسؤولية المجتمع ككل. ويوضح الظاهرأنّ “ثقافة المجتمع ونظرته تجاه الاقوى تشجع أيضاً على العنف، ومن مسؤولية المدارس تغيير هذه الصورة النمطية التي يختبأ فيها الأولاد من زميلهم القوي ويلجأون إليه وقت الحاجة”.
و ويؤكد الظاهر أنّ فطرة التقليد عند الأطفال قد تكون إحدى سبل إصابتهم بالعنف، وذلك في حال قلدوا سلوكيات الأكبر منهم، تحت تأثير عبارات “إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب”.
وينبه خبير الارشاد النفسي ختاماً إلى ضرورة عزل الأطفال عن الاحداث الجارية على الأرض قدر الإمكان، ودمجهم ببيئة تعليمية، وعدم تعريضهم لصور العنف والذبح والمصارعة وغيرها من تلك التي باتت تنتشر بكثرة في مواقع التواصل الاجتماعي، أو على التلفازلأنها تؤدي إلى تشرّب الأطفال بشكل لاشعوري لهذه الثقافة.
يشار أخيراً إلى أن الظروف السيئة التي يعيشها الأطفال السوريين والتي وصلت بحسب تقييم منظمة رعاية الطفولة “اليونسيف” إلى مستويات غير مسبوقة في القتل والتشريد، والاتجار والتجنيد، والاستغلال تعتبر أهم أسباب خلق العنف للجيل السوري القادم.

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى