الرئيسية / ثقافة / عندما تحكي الجدران ثورة – مصطفى الخطيب
عندما تحكي الجدران ثورة – مصطفى الخطيب

عندما تحكي الجدران ثورة – مصطفى الخطيب

من البديهي أن يضمحل الفن وينزوي في زمن الحروب والنزاعات السياسية، ويتضاءل الإبداع الفكري والفني لصالح الموت والدمار، فتغدو البيوت المدمرة ومقابر الشهداء علامات فارقة للحديث عن الذاكرة، إلّا أن المثير للدهشة هو الخزان الثقافي والفني المكبوت الذي أطلقته الثورة السورية منذ بدايتها الأولى، لتنتج في مختلف الفنون والآداب ما يوثق أحداثها وينقله للعالم، كدليل على أحقية هذا الحراك، ومكمل للمبادئ والركائز التي اعتنقها الثائرون السوريون.
وعلى الرغم من تطور الصورة البصرية ووسائل التواصل الاجتماعي ونقلها للحدث، تبقى لغة الحرف وعاء يجسد الحالة الثورية ويشكل لغة تواصل وامتداد حضاري من خلال كلمات ولافتات ورسوم على الجدار، كانت السمة الأبرز لسنوات الثورة، لتقض مضجع النظام وتمثل سلاحاً أشد فتكاً في فضح ممارساته وتوثيقها على الجدران المهدمة، ورسم الأمل عليها لإحياء جذوة النضال في قلوب الثائرين وتعزيز حماستهم وتخليد شهدائهم.
يقول خطاط الثورة أبو نديم “هذا اللقب منحني إياه ثوار مدينتي حلب قبل التهجير، هو مصدر الفخر الذي أعيشه، والذي جعلني أتحمل الظروف القاسية في المدينة، وأحملها في ذاكرتي وروحي، لأجسدها على شكل لوحات فنية على القماش والجدران والورق”.
الكلمة أقوى من الرصاص، فهي وسيلة لاختصار ما يعتمل في الصدر على شكل جمل قصيرة، تعبر عن انفعالات الناس ومواقفهم تجاه قضية ما، فتسري على الألسنة بحالة فطرية وتنتشر في العالم أجمع، وتحتاج إلى لمسة فنية تجبر المتلقي على التوقف عندها، يرى خطاط الثورة “إن الخط العربي بجمال حروفه ومناخه وثقافته البصرية قد أدى هذا الدور، ليجبر العالم إلى الالتفات نحو الثورة، فكثر من الصحفيين في الخارج قد تواصلوا معه وسألوه إن كانت هذه اللافتات تعبر عن الواقع، أم أنها حالة أدبية متخيلة” ويمضي أبو نديم في كلامه عن دور الخط العربي وأثره في الثورة ” الخط سلاح قوي جداً في مواجهة الطغاة، هم يخافون الكتابة، فالثورة بدأت من كلمات على جدار”
لكل لافتة حكاية
يقول بيكاسو “إن أقصى ما وصلت إليه في فن الرسم، وجدت الخط العربي قد سبقني إليه منذ أمد بعيد”، هو كذلك، يقول أبو نديم الذي كتب أكثر من 500 لافتة في مدينة حلب زمن الثورة، فالإحساس بالظلم كان دافعاً ومحركاً لأصحاب الفن، فكتابة الخط العربي تحتاج إلى حالة من الروحانية والتأثر، شأنها في ذلك شأن معظم الفنون التي انتشرت زمن الثورة من أغان وهتافات وموسيقى وروايات وقصائد، فلكل عبارة قصة ولكل لافتة حكاية “كانت العبارات تأتيني من معظم الكتاب في المدينة ومن خارج المدينة، كانوا يريدون لعباراتهم الخلود من خلال تلك العلاقة الجدلية بين القصبة والريشة والمعنى”.
وإن كان كثير من شعوب العالم يعنون بلغتهم وكتابتها وأحرفها، ولكن من النادر الوقوع على لغة وكتابة أوليت ذلك الاهتمام والقداسة كاللغة العربية، من خلال جمالياتها وانفتاحها على فضاءات التجديد والاتقان وهواجس التآلف بين الحرف وذاته ومعناه، ويروي الخطاط أبو نديم إن أكثر اللافتات التي كتبها تأثيراً في نفسه، هي تلك التي حملت أبياتاً من الشعر “وطني كم يشرفني أن يصبح علمك كفني / وأرقد في جوفك وأطارد منتقمي” تلك اللافتة التي حملها الشبان في مظاهرة بستان القصر 2013، والتي استهدفها نظام الأسد بغارة جوية وذهب ضحيتها سبعة شهداء والكثير من الجرحى “تلك الذكرى بحلاوتها ومرارتها لهذه اللافتة، فهل كان الأسد يستهدف الشباب أم اللوحة، ما زلت حتى الآن أفكر في ذلك”.
ولا يغيب عن ذاكرة المدينة حملة “لما الحيطان تحكي ثورة”، كانت الذكرى الثالثة لانطلاق الثورة في 15/3/2014، الجدران وواجهات المحلات حملت علم الثورة، والزينة ملأت حيي بستان القصر والكلاسة، والرسوم على الجدران والكتابات عن الحرية والكرامة والشهداء وسوريا المستقبل وإسقاط النظام ومطالب الثورة، تستقبلك وأنت تمر في الشوارع المهرجانية، معبرة بالألوان وحرفية الخط عن الواقع المعاش، كل كلمة وزاوية كانت ثورة، صدرت للعالم أنا نعيش ذلك الحلم الحضاري الجميل، وأنا لسنا قتله، نحن ثوار وطلاب حياة.
ترك أبو نديم أقلام القصب والحبر والورق في مدينته حلب، لم يستطع إخراجها معه وقت التهجير القسري لأهل المدينة، كتب في اليوم الأخير له هناك عن عشقه للمدينة، كتب عن الحب والعودة والمكان، وثّق لوحاته من خلال تصويرها، حمل جماداته من الصور، ليخبر العالم بما حدث هناك، ولكنه لم يعد يقترف الخط العربي منذ خروجه ف “الخط هندسة روحانية” كما قال المستعصمي و”وهو أصيل في الروح وإن ظهر بحواس الجسد” على حد قول الفارابي إلا أن الرجل “ترك في مدينته عدة الخط، ويعيش حالة من اللاستقرار، فالتهجير يتبعه تهجير آخر، والكتابة بالقصبة عزف وفن يشعر كاتبه فيه بزقزقة القصبة ولون الحبر، ويحتاج لفعل ذلك إلى استقرار روحي غاب عنا جميعاً بعد سقوط حلب”.
الكلمة كانت البداية والكلمة حروف والحرف صوت، والصوت استطاع أبناؤه إيصاله إلينا جميعاً على شكل صرخة ألم، ونداء استغاثة، كتبوها على الجدران والورق والقماش والطرقات “حتماً سننتصر، وسنعود”

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى