الرئيسية / مقالات / ماذا فعلت الحرب بأطفال وشباب سوريا؟ – زهير حنيضل
ماذا فعلت الحرب بأطفال وشباب سوريا؟ – زهير حنيضل

ماذا فعلت الحرب بأطفال وشباب سوريا؟ – زهير حنيضل

 

 

حين تترامى إلى مسمعنا كلمة حرب فإن أول ما يجنح إليه الفكر هو الموت، ومشاهد بيوت مدمرة بات ساكنوها ما بين ضحية تحت أنقاضها ومشردون بعيداً عنها.

حيث لا يمكن أن تنشب حربٌ دون أن تخلف وراءها تهجيراً للناس، وتختلف طبيعة الحرب باختلاف مسبباتها، لكنها كانت في سوريا حرب إبادة مفتوحة النطاق، لا هوادة فيها، ولا يستطيع أي أحد أن يكبح جماح آلة القتل والتدمير والتهجير.

وتشير الإحصاءات التقريبية الصادرة عن الأمم المتحدة إلى وجود ما يقارب 5 ملايين مهجر سوري في دول الجوار، بالإضافة إلى ما لا يقل عن 7 ملايين مهجر داخل سوريا، ما يجعل أكثر من 50% من سكان سوريا في حالة تهجير قسري بين الداخل والخارج.

 

ولا يخلو بيت في أحياء وشوارع سوريا المدمرة من قصص مؤلمة، يرويها أصحابها بمرارةٍ تنزف من أعينهم دمعاً يجبرك على الصمت، وكعادة الحروب، فضحاياها الأحياء هم الأطفال والشباب، أولئك الذين كانوا قبل الحرب يملؤون الطرقات حياةً، والمدارس حيويةً، والبيوت مشاريع مستقبلية يرسمون ملامحها بأحلامهم وآمالهم التي يسعون لتحقيقها.

 

وحول الآثار النفسية على الأطفال والشباب جراء الحروب والتهجير تقول أم حمزة للغربال “نحن من حلب، مثلنا كمثل كتير من الناس، لم نغادر بيوتنا بغرض السياحة، بل غادرناها مجبرين، استشهد زوجي مع اثنين من أولادي جراء القصف وبقيت مع أولادي الثلاثة بمفردنا، حمزة 10 أعوام، وروان 8 أعوام، أما أيمن 21 عاما”.

تتابع أم حمزة “غادرنا بيوتنا، لم نكن نملك خياراً آخرا! سمعت جيراننا يتحدثون عن نيتهم اللجوء إلى تركيا، فبادرت للاتفاق معهم على المغادرة، وبالفعل غادرنا سوية ووصلنا إلى تركيا معا، ونسكن في هذا القبو”.
وتشير السيدة إلى أن أطفالها أضاعوا سنيناً دون أن يتلقوا أدنى تعليم، حيث حين كانوا في حلب كانت المدارس شبه غائبة، لأنها تحولت إما لمقرات عسكرية للكتائب والفصائل، أو لأماكن إيواء للنازحين الذين فقدوا بيوتهم، أما في تركيا فتؤكد أنها مجبرة على إرسالهم للعمل ليؤمنوا قوت يومهم، مدركةً أنهم بحاجة للتعليم.

أيمن الكبير يعمل في ورشة للحدادة، ويتقاضى أجراً أسبوعياً لا يتجاوز 150 ليرة تركية، بينما يقف حمزة و روان كل يوم صباحاً عند مطعم قريب منهم، يبيعان المناديل الورقية و الماء، في الوقت الذي يرون فيه أقرانهم يذهبون يوميا للمدرسة.

 

في سياق آخر، خلفت الحرب في سوريا وما زالت تخلف حتى اللحظة أطفالاً وشباباً بإعاقات جسدية دائمة، منهم من فقد أطرافه، وأسعفه الحظ بالحصول على أطراف صناعية، ومنهم ينتظر.

وتحدث الغربال مع نزار ذو الـ 15 عاما، يقول نزار” فقدت ساقي جراء شظية لصاروخ سقط على منزلنا، كنت شعلة من النشاط، أساعد والدي في زراعة الأرض التي نملكها، أقضي أوقاتي بين الزراعة وبين صحبة من هم في عمري، نلعب ونلهو، حتى جاءت تلك الشظية الملعونة فحرمتني من ساقي و جعلتني معاقاً ينظر الناس إليّ بشفقة و رحمة، لا أحتمل نظراتهم، فأنا لا أريد شفقة من أحد، لذا تراني منزوياً قليل الاختلاط بالناس”.

ويردف نزار بالقول “ما زلت في الخامسة عشرة من عمري، لكني بلا ساق، أي حياة تنتظرني، كيف سأكسب قوت يومي، وهل سترضى بي فتاة حين أكبر فتتزوجني وأنا معاقٌ فاقد لساقه، لقد دمروا حياتي، مهما حاولت أن أواسي نفسي فهذه هي الحقيقة”.

 

كذلك، تشكل الحروب فرصة ذهبية لشبكات الاتجار بالبشر، سواء باسترقاقهم أو الاتجار بأعضائهم، حيث تجني شبكات عالمية تديرها رؤوس أموال ضخمة أرباحاً خيالية.

وفي بيت ريفيّ أشبه بالكوخ يسكن عدنان برفقة اثنين من رفاقه، امتنع رفيقاه عن الحديث إلينا، بينما قبل عدنان بالحديث حول موضوع الاتجار بالبشر.

يقول عدنان ” كنا ننوي العبور إلى أوربا عبر التهريب، قام المهرب بتجميعنا في بيت ناءٍ قريب من الحدود التركية-البلغارية، كان عددنا يزيد عن 30 شخصاً، بيننا نساء وفتيات وأطفال، وكان الاتفاق أن نمكث في ذلك البيت لمدة يومين ريثما يؤمن لنا المهرب طريق العبور إلى بلغاريا، لكن انتظارنا طال إلى أسبوع”.

يتابع قصته، “كانت حجج المهرب كثيرة ومتعددة، وكنا مجبرين على الانتظار، ثم جاء المهرب وقال إنه حان وقت عبور الدفعة الأولى، كان في الدفعة الأولى عائلة من 8 أفراد، أب وأم وستة أولاد، بقينا ننتظر الدور حتى مر أسبوع كامل لنفاجأ بالشرطة التركية تقتحم البيت، شاء الله أن ينقذنا من براثن هذا المهرب”.

تبين لعدنان ورفاقه فيما بعد، أن المهرب عضو في شبكة للاتجار بالبشر، وأن احتجازهم في ذلك البيت كان لانتقاء الدفعة الثانية منهم كبضاعة يتم تصديرها للشبكة التي يعمل فيها ذلك المهرب.

وعلموا فيما بعد عبر وسائل الإعلام أن مصير تلك العائلة بقي مجهولا، مرجحا أن المهرب استطاع إيصالهم لبقية الشبكة، معتبرا أنه أمر مؤسف ويدمي القلب.

 

هذا ويعد اليتم من الآثار النفسية العميقة التي تخلفها الحروب، وتشير الإحصاءات في سنة 2017 إلى وجود ما يقارب مليون يتيم في سوريا، حيث كانت الإحصاءات التي قدمتها المنظمات الأهلية حتى منتصف عام 2015 تشير إلى وجود 800 ألف يتيم سوري، والمسجلون رسميًا منهم 475 ألف يتيم.

ولا يقتصر الأثر النفسي لليتم على فقدان أحد الأبوين بل يتعداه للتعرض لظلم زوجة الأب أو زوج الأم حيث انتشر في الصحافة قبل أشهر قليلة خبر يشير لاتهام امرأة سورية وهي زوجة أب في مدينة غازي عنتاب التركية بقتل طفل سوري، هو ابن زوجها لمجرد أنه ما يزال يتبول على نفسه نتيجة الخوف الذي زرع في داخله من الحرب ولم يستطع التخلص منه.

ويدفع اليتم الطفل لتحمل مسؤولية عائلة بأكملها في سن مبكر، فهناك حالات كثيرة بات فيها الأطفال دون سن العاشرة يضطرون للعمل من أجل كسب قوت اليوم في ظل ضعف التغطية الإنسانية الشاملة عبر القنوات المؤسساتية التابعة للأمم المتحدة وعدم قدرة هذه المؤسسات على الوصول إلى الكثير من الأماكن الخطرة الواقعة تحت الحصار المطبق والمصنفة كمناطق خطيرة جدا، ما يجعل الأطفال ضمن هذه المناطق في أسوء حالة يمكن تصورها.

 

وتصيب الأطفال بسبب الحروب، اضطرابات توتر ما بعد الصدمة وتسمى طبياً اضطراب الكرب التالي للرضح، وهو ما ينتج من صدمة جراء خطر حقيقي، قد تؤدي إلى حدوث هذا الاضطراب، مثل الحروب، ومن أعرضه مشاعر وعلامات ارتباك، قد تصل في بعض الحالات إلى انقطاع عن المحيط، قلق وفزع، حزن واكتئاب قد يؤدي في حالات متطورة لإصابة الطفل بالتوحد.

 

يعتبر الأطفال والشباب هم عماد أي مجتمع، و حين يصاب هذا الخزان البشري بضعف الثقة و تفاقم الأزمات النفسية بسبب الحروب، إلى جانب فقدان جزء من هذا الخزان نتيجة الموت، فالتساؤل الذي لابد منه، أين هي اتفاقيات حقوق الإنسان، وأين هي معاهدة جنيف الخاصة بالحروب، في الوقت الذي يجب فيه تحييد المدنيين وإبعادهم عن وجهة السلاح و نيران النزاعات السلطوية، حيث نجد أن الشريحة الأكبر من ضحايا الحروب هم المدنيون وخاصة الأطفال والشباب.

إذ لابد من تفعيل العمل بالاتفاقات الدولية الخاصة بحماية المدنيين بالتوازي مع العمل على تقديم الدعم للأطفال والشباب، نفسي، تعليمي، لرأب الصدع العميق الحاصل بين هذه الفئة االعمرية الأساسية لأي مجتمع والظروف الحياتية المريرة التي يعيشونها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى