الرئيسية / تحقيقات / نساء ينهضن من تحت الركام – نور الدين الإسماعيل
نساء ينهضن من تحت الركام  – نور الدين الإسماعيل

نساء ينهضن من تحت الركام – نور الدين الإسماعيل

 

 

“المرأة نصف المجتمع”، “وراء كل رجل عظيم امرأة”، “الأم مدرسة”، والكثير من الشعارات كبيرة المعنى لكنها في حقيقة الأمر هي مجرد أقوال فارغة وجوفاء  نسمعها كثيراً ولكن دون أن نلمس لها تطبيقاً على أرض الواقع.

في لاوعي أفراد المجتمع الشرقي المتخم بالذكورة والفحولة لا مكان للمرأة، إلا ما أراد لها ذلك المجتمع من دور هامشي يتلخص بالزواج والإنجاب وتربية الأطفال بانتظار الموت، وقصص التراث المكرورة في ظاهرة واحدة تكاد تعتبر حالةً منسوخة في جميع القصص والحكايات، فأصبحت كل امرأة خارج هذه الظاهرة هي استثناء يذكره التاريخ كخولة بنت الأزور والخنساء.

جاءت الثورة السورية وكان من مطالبها التغيير السياسي والاجتماعي. لكنها لم تحقق للمرأة ما كانت تحلم به من تغيير بل في بعض الحالات زادت تلك الحال سوءاً، خصوصاً بعد تزايد العنف مما انعكس على المرأة كونها زوجة وأم وبنت، فاصطدمت بواقع مرير لا يمكن أن يخلع عنه العباءة الشرقية المحصّنة بآلاف الأسوار لمنع اختراقها.

 

نجاح سرحان /40عاماً/ من جبل الزاوية تحمل شهادة جامعية خريجة جامعة حلب، متزوجة وزوجها معتقل في سجون النظام السوري، هي امرأة فرضت عليها الظروف أن تكون في الواجهة بعد اعتقال زوجها، تعمل في أحد المراكز المختصة بدعم دور المرأة في المناطق المحررة تقول:” قبل انطلاق الثورة كنت أعمل في مجال التعليم مع زوجي في مدينة حلب، لكن بعد اعتقاله من قبل قوات النظام تركت مكان إقامتي وعدت إلى جبل الزاوية، واجهتني العديد من المصاعب في بادئ الأمر فقررت عدم الاستسلام للواقع، وانتسبت إلى أحد المراكز المختصة بتقديم الدعم للمرأة في المنطقة”.

وتتابع السرحان حديثها عن عملها في المركز:” أحببت عملي الجديد في مركز المرأة، لأنني أعتبر أنني أؤدي رسالة في توعية المرأة ومساعدتها لنهوض ومواجهة رياح المجتمع لتنال ثقتها بنفسها ولتصبح قادرة على المشاركة بإيجابية”.

وعن تجربتها في العمل السياسي تحدثت السرحان قائلةً: “تجربتي في العمل السياسي ليست جديدة، فقد شاركت مع زوجي في تأسيس حزب المساواة عام 2010، وعملت معه على تحقيق أهداف الحزب من عدل ومساواة واشراك جميع فئات وطبقات الشعب بالحكم، أما بعد انطلاق الثورة وتجميد حزب المساواة انتسبت إلى حركة نداء سورية، وهي حركة سياسية تدعو إلى العدالة والمساواة بين أفراد الشعب والعمل على خلق بيئة سياسية تقوم على العمل الديمقراطي الحقيقي، وهذا العمل منحني ثقة أكبر بالنفس ورؤية أفضل للواقع”.

 

أما السيدة غالية الرحال /43 عاماً/ مديرة أحد مراكز المرأة بريف إدلب الجنوبي، والتي يلقبها البعض بالمرأة الحديدية أو “تاتشر” الثورة، كانت مثالاً واضحاً عن قدرة المرأة على تحقيق ذاتها عبر الإرادة والتصميم، حيث برزت كظاهرة نادرة في المحافظة منذ بداية الثورة من خلال عملها كناشطة، ثم سعيها الدؤوب في مساعدة النساء عبر مركزها من خلال تعليمهن مهن يدوية أو دورات توعية أو تعليمية وغيرها.

تقول السيدة غالية رحال:” الثورة السورية هي ثورتان الأولى ثورة على نظام مستبد والثانية ثورة فكرية، فلقد حقق لي انطلاق الثورة الكثير حيث أصبحت قادرة على التعبير بشكل أكبر ومثلي الكثير من النساء، كما أنها أصبحت قادرة على تحديد أهدافها بشكل أفضل، وقد أثبتت الثورة أن المرأة السورية قادرة على أن تتلاءم مع جميع الظروف وأن تتجاوز جميع المصاعب والعقبات، وبرغم الحرب والدمار استطاعت أن تثبت وجودها وفاعليتها في الثورة التي لم تعد حكراً على الرجال”.

وكون السيدة غالية انخرطت في مجال منظمات المجتمع المدني المختصة بشأن المرأة كان لها رأيها في هذا الموضوع، حيث قالت: “كان لمنظمات المجتمع المدني أثراً جيداً بعد مضي عامين على انطلاق الثورة، من خلال تهيئة كوادر كبيرة من النساء في المجالات التعليمية والمهنية والاجتماعية، وأهم شيء هو المجال الإعلامي الذي كان للمرأة حيز مهم فيه أثبتت من خلاله مقدرتها وكفاءتها، ولكن رغم كل ذلك لازالت تلك المنظمات لا تقدم كل ما هو مطلوب للمرأة في جميع المجالات”.

ومن خلال سؤالنا للسيدة غالية عن مدى رضاها على واقع المرأة في المناطق المحررة اليوم قالت:” بالتأكيد جميعنا غير راضين عن الواقع بشكل عام وعن واقع المرأة بشكل خاص، ونتطلع إلى مزيد من الحريات والتقدم والتطور من خلال ثقتنا بالمرأة السورية وقدرتها على مواجهة العقبات والصعوبات، وأوجه عدة كلمات: الأولى إلى المرأة السورية عندما تعرفين قيمة نفسك فبكل تأكيد أنت قادرة على تحقيق موقع أقوى، والثانية إلى منظمات المجتمع المدني ليوجه المال لدعم موقع المرأة والطفل بشكل أفضل بحسب احتياجات الداخل وليس بحسب مقررات الخارج، أما الكلمة الأخيرة فهي إلى العالم الخارجي بأن المرأة السورية وبرغم كل الجراح وما قدمته عبر سبع سنوات من الثورة مستمرة في الثورة حتى نيل الحرية وإسقاط النظام”.

 

أم لين /35 عاماً/ التي فقدت زوجها في الحرب ترى أنها الآن أمام مسؤوليات لم تكن لتواجهها لولا الواقع الذي تعيشه اليوم، فتقول:” كنت سابقاً ربة منزل أهتم بطفلتي لين وزوجي ومتابعة برامج التلفزيون دون أن أفكر ولو للحظة واحدة بالعمل خارج المنزل، لكن شاءت الأقدار أن أفقد زوجي بقصف الطيران وقد كان هو المعيل لنا”.

تتابع أم لين حديثها قائلةً:” لم أستطع تقبل الواقع الذي يقضي بأن أعيش على الصدقة والإحسان وسلال الإغاثة, فبدأت أفكر بشكل جدي بضرورة العمل لتوفير المال الكافي لي ولابنتي الصغيرة مما يكفينا ذل السؤال، لكنني لا أجيد أي عمل ولست حاصلةً على شهادة تمكنني من التقدم إلى وظيفة، فخضعت إلى دورة خياطة في أحد المراكز التي تهتم بتدريب المرأة وتأهيلها، وأنهيت الدورة بدرجة ممتاز وتقدمت للعمل في أحد مشاغل الخياطة في المنطقة براتب جيد”.

أما عن شعورها قالت أم لين:” أنا اليوم سعيدة جداً لأنني لم أعد عالة على أحد، بل أصبحت منتجةً وقادرة على العمل والكسب بعد أن فقدت الأمل سابقاً بعد الصدمة مباشرةً، وأصبت بحالة من العجز والإرهاق والتعب النفسي”.

 

أثبتت الثورة السورية بأنها من أهم الثورات عبر التاريخ ليس فقط لأنها قدمت الكثير من التضحيات، وليس لكون الشعب فيها يقابل دولاً عظمى بأقوى أسلحتها، بل لأن المرأة وعت جيداً إلى دورها الحقيقي إلى جانب الرجل ليسيرا في خطين متوازيين للوصول إلى الهدف الأسمى مهما بلغت الصعوبات.

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى