الرئيسية / مجتمع / شباب / الهجرة وأثرها على الفرد والمجتمع – محمد الأسمر
الهجرة وأثرها على الفرد والمجتمع – محمد الأسمر

الهجرة وأثرها على الفرد والمجتمع – محمد الأسمر

 

ترك ملايين السوريين وطنهم وهاجروا نحو بلدان أخرى هرباً من شبح الموت, أو بحثاً عن فرصة بحياةٍ أفضل, حاملين معهم قطعة من الوطن في قلبهم, يعيشون كل يوم جملةً من المشاعرِ المتناقضةِ بينَ خوفٍ وقلقٍ على الوطن وعلى من تبقى بداخلهِ من جهة, وسعيٍ لحياةٍ أفضل قد تنسيهم بعض الخوف والموت الذي عاشوه أثناء وجودهم في ذاك الوطن من جهةٍ أخرى، وبين هذا وذاك تتباين مشاعر السوريين وتصرفاتهم وعلاقتهم بوطنهم.

ويظن كثير من السوريين أن نظام الأسد ومن قبله نظام والده هما السبب الأول في نشوء فكرة الهجرة لدى أغلب المهاجرين السوريين، يقول كريم سليمان وهو ناشط إعلامي مقيم في ألمانيا: ” إن النظام السوري يتحمل مسؤولية الهجرة التي تعرض لها أبناء الوطن من خلال ممارساته على مدى أكثر من أربعين عاماً، فحاجة الشاب السوري لتأمينِ مستقبله وكفاحه لتطوير ذاته دفعه للتفكير بالسفر خارج البلد في ظل افتقار الوطن لأي مقوم من مقومات النجاح في ظل حكم عائلة الأسد, وبعد اندلاع الثورة السورية أصبح موضوع الهجرة متاحاً بشكل أكبر وعلى هذا الأساس انطلق الكثير من السوريين إلى عدد من بلدان العالم”.

ويرى كريم: “أن الوطن ما يزال يعيش في قلب كل سوري ترك وطنه فمن المستحيل أن ينسلخ الإنسان من أصوله ويتناسى ذكرياته بمجرد رحيله عن أرضه , ويسعى الشاب المهاجر لتعزيز ارتباطه بالوطن من خلال المتابعة المستمرة لأخباره والتواصل الدائم مع الأصدقاء والأهل في الداخل، كما يسعى الكثير من الشباب المهاجرين لصنع أي شيء قد يغير بحالة المجتمع السوري في الداخل، سواء عن طريق تقديم مساعدات مادية أو عن طريق تنظيم وقفات تضامنية مستمرة تندد بالجرائم التي ترتكب بحق السوريين على أرض وطنهم، أو عن طريق إقامة نشاطات تقدم تعريفاً صحيحاً للوطن وللثورة التي انطلق بها الشعب السوري، وعلى الرغم من النجاحات التي حققها بعض الشباب المهاجر في غربته إلا أن الوطن ما يزال أولوية لدى الكثير منهم”.

بينما يرى بعض الشباب السوري أن الحرب كانت العامل الأبرز الذي حرك ملف الهجرة لدى السوريين لاسيما في المناطق المحررة التي تتعرض لقصف بمختلف أدوات الحرب.

يقول عبد الحميد الشحنة وهو ناشط إعلامي مقيم في ريف حماة: “كان للحرب دوراً رئيسياً في التهجير خصوصاً بعد سنة 2014, وربما كان اشتداد القصف على المناطق المحررة والذي انعكس بدوره على الحالة الاقتصادية هو العامل الأكبر الذي دفع الكثير من الشباب للهجرة بحثاً عن الأمان من جهة وتحسيناً لوضعهم الاقتصادي من جهة أخرى، بينما هاجر قسم بسيط من السوريين بهدف البحث عن فرصة أفضل بالتعليم في ظل تعطل الجامعات في المناطق المحررة”.
ويرى عبد الحميد أن الهجرة التي حصلت لبلدان أوروبا هي هجرة اضطرارية، وبالتالي كل إنسان لابد أن يحمل بعضاً من وطنه معه, لكنه يرى أن الانسلاخ قد يحمل صوراً أخرى فالمهاجر السوري ترك مجتمعاً يعيش عدة صراعات فكرية وانتقل لمجتمع جديد بعيد بشكل كامل عن مجتمعه، وبسبب سوء تفسير نظرية الاندماج تحول عدد من السوريين عن أفكارهم الدينية والعقائدية وقد يصل ذلك التحول في بعض الأحيان إلى الإلحاد”.
يتابع عبد الحميد: “أشعر أحياناً ببعض الخذلان من الشباب الذين هاجروا، خصوصاً ممن كانوا رفاقاً لنا في ثورتنا وحملنا هماً واحداً يوماً ما، فقد تركونا في منتصف المسافة ورحلوا ونحن بحاجة ماسة للخبرات والمفكرين ضمن سور الوطن, اليوم أشعر بأننا بمفردنا في هذا الوطن وكأن الوطن لنا وحدنا”.
ويضيف عبد الحميد: “من حق أي انسان أن يبحث عن مستقبل أفضل لكن من الضروري أن يبقى لديه بعض الوفاء لوطنه، فمن المعيب أن نرى وقفة تضامنية مع الشعب السوري ولا نرى فيها إلا قلة قليلة من السوريين، على الرغم من الوجود الكبير للمهاجرين السوريين في المدينة التي تمت فيها الوقفة”.
يتابع عبد الحميد: “لا ننكر أن بعض السوريين في بلاد المهجر يحاولون تقديم دعم مادي لذويهم وأصدقائهم رغم ضعف إمكانياتهم المادية, إضافة لوجود شباب سوريين يحملون القضية السورية في جوارحهم ويسعون قدر الإمكان لإيصال الصورة الصادقة عن المجتمع السوري والثورة السورية”.
ويرى عبد الحميد أنه في ظل غياب كيان لدولة في سورية ينبغي على الأفراد البحث عن سبل لتقوية روابط الشباب المهاجر بوطنه عن طريق إنشاء روابط ومنتديات خاصة بالسوريين في المهجر تساهم في تعزيز صلتهم بالوطن.

ويؤكد بعض السوريين في الخارج على أن ارتباطهم بالوطن الأم ارتباطاً قوياً ووجودهم في بلاد الهجرة هو عبارة عن حالة مؤقتة وستزول يوماً ما.

يقول قيس العلي وهو أحد المهاجرين السورين في ألمانيا: “أن الهجرة حالة طبيعية في حالة الكوارث والحروب وتتنوع أسباب الهجرة بتنوع ظروف الناس ووعيهم وانتمائهم لوطنهم ، فقد شاهدت الكثير من السوريين الموجودين في ألمانيا والذين يعتبرون أن وجودهم هناك بسبب فقدانهم الثقة بجميع الأطراف المتنازعة على الأرض السورية وأن الطرفين برأيهم بنفس السوء” المعارضة والنظام” وهذا التفكير يدل برأيي على سطحية في التعامل مع الثورة السورية كثورة خرجت ضد الظلم والاستبداد”.
يتابع قيس: “شاهدت عدداً من السوريين ممن ترك المناطق المحررة بسبب حالات النزاع التي شهدها بين الفصائل الثورية مما أفقده ثقته بثورته وترسخت لديه فكرة ثابتة بفشل الثورة وزوالها، مما دفعه للبحث عن مستقبل أفضل يكمل به ما تبقى من حياته.

يضيف قيس: “في دول اللجوء هناك السوري و العراقي والأفغاني والإيراني و الصومالي واللبناني, لكن من بينهم جميعاً, فقط السوري هو من يود العودة إلى بلده بعد انتهاء الحرب، وربما هذا السبب الرئيس في عزوف الكثير من السوريين عن تعلم لغات جديدة, لشعورهم بعدم الارتباط بالبلد الذي يعيشون فيه ولشعورهم أن عيشهم فيه هو فترة مؤقتة”.

ويرى قيس أن خطاب المودة و المحبة المتبادل بين السوريين في الداخل السوري والمهاجرين هو من أهم الوسائل التي تساهم في تقوية الروابط بين الطرفين. ومن المهم الابتعاد عن لغة التخوين والتشكيك بسورية أي إنسان لان هذا التشكيك سيؤدي لصناعة شرخ بين الداخل والخارج.

يعتقد بعض السوريين أن الخوف من المجهول وحالة عدم الاستقرار التي يعيشها المجتمع السوري قد ساهمت بدورها في دفع الشباب السوري إلى الهجرة، يقول عمار وهو شاب سوري في الداخل: “إن الخوف من المجهول وغياب المستقبل الواضح ساهما في تشجيع الشباب السوري على الهجرة، كما كان للحرب الدائرة في البلاد دور في ذلك فالهرب من القصف والقتل في المناطق المحررة من أبرز الأسباب التي شجعت على الهجرة في الشمال السوري، من جانب آخر قد يكون الهروب من الخدمة الإلزامية للشباب السوري من أهم أسباب الهجرة في مناطق سيطرة قوات الأسد”.
ويضيف عمار: “يعيش الشباب السوري في المهجر حياة مستقرة بعيدة عن أصوات الطائرات، حياة يسودها الهدوء الذي كان يحلم به , لكن بكل أسف هذه الحياة أفقدت البعض الكثير من الحس الثوري والوطني الذي كان يتمتع به, ولربما صار يهرب من متابعة أخبار بلاده حتى يتخلص من كل رواسب الحرب التي علقت بداخله, وبدأ يخطط لحياة جديدة في تلك البلاد ونادراً ما أسمع عن شاب سوري يتحدث عن حلمه بالعودة لوطنه بعد انتهاء الحرب.
من جهة أخرى يرى عمار أن ارتفاع نسبة التفجيرات في البلاد الأوربية جعلت الشباب السوري ينطوي على نفسه ويبتعد عن أي مشاريع أو مؤتمرات لها علاقة بالوطن الأم خوفاً من الاتهامات التي واجهت بعض المهاجرين بخصوص التفجيرات الأخيرة.
يضيف عمار: “تتفاوت ردات فعل السوريين في الداخل جراء الهجرة والشباب المهاجر. فالبعض يحترم قرارهم في الحصول على راحة نفسية وتأمين مستقبلهم والبعض الآخر يتهمهم بالجبن والخيانة بحجة ترك الأهل في وسط الطريق والانصراف بعيداً عنهم وعن أحلامهم وهذه النظرة أدت لقطيعة بين الشباب المهاجر والشباب السوري في الداخل”.

وخلاصة القول أن الجميع يتفق على أن سوريا لا تبنى إلا بيد السوريين أنفسهم وأن هذا الوطن بحاجة لكل سواعد أبنائه، وعليه فإن من واجب المؤسسات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني إقامة فعاليات ونشاطات من شأنها أن تعيد وصل الجسور بين الداخل والخارج بهدف تبادل المهارات وتعميق صلة المهاجر بوطنه ليعود إليه فور انتهاء الأسباب التي دفعته للهجرة.

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى