الرئيسية / مجتمع / الغائب الأكبر في الثورة السورية: المثقف والفنان – أحمد الصباح
الغائب الأكبر في الثورة السورية: المثقف والفنان – أحمد الصباح

الغائب الأكبر في الثورة السورية: المثقف والفنان – أحمد الصباح

 

 

تحوّل العديد من الصحفيين والكتّاب والفنانين إلى النشاط الثوري، حيث شاركوا في المظاهرات السلمية منذ البدايات، ووصل الأمر بالبعض منهم إلى التفرّغ النهائي للنشاط الثوري, والبعض منهم اختار العمل السياسي، حيث نشط كل منهم في المجال الذي ينطبق مع أفكاره، وبذلك ربحت الثورة السورية وجوهاً إعلامية وفنية استطاعت حشد الكثيرين وحثهم على التظاهر والمطالبة في الحرية، ولا ننسى الهواة الذين سخروا مواهبهم الأدبية والفنية في تخطيط اللافتات الثورية، وأصحاب المواهب الأدبية الذين كتبوا شعارات صدحت بها الحناجر على مدار ست سنوات، حيث لم تخلُ مظاهرة على عموم الأراضي السورية من مطرب عرف لاحقاً باسم قاشوش القرية أو المدينة،

لكن في السنوات الأخيرة أغلق المثقف بابه على نفسه نائياً بها عما يدور تحت نافذته، الشاعر نور الدين الإسماعيل قال لـلغربال: “إن الثقافة هي الغذاء الروحي للمجتمعات، ونحن نعلم أن الجسم لا يعيش بدون غذاء والمجتمع أيضاً لا يعيش بدون ثقافة, وبدونها سينتشر الجهل والتخلف والقتل وهي أمراض المجتمع وقاتلته”.

أبو عبد الله قاشوش اللطامنة الذي عاد مع بداية الثورة إلى مدينته اللطامنة في ريف حماة الشمالي وبدأ مع ثلة من الشبان بالتظاهر والذين لم يتجاوزوا في البداية العشرة أشخاص ثم ما لبث أن بدأ العدد بالتزايد، وفي حديثه للغربال قال القاشوش: “إن الشعارات في بداية الثورة كانت ضعيفة وقليلة مثال “الشعب السوري ما بينذل” و”واحد واحد الشعب السوري واحد” ولكن بعد فترة تطورت الشعارات وأضحت أكثر تنظيماً وصارت تنظم بحسب اسم الجمعة واسم المناسبة التي دعت إلى التظاهر واسم المنطقة، وكنت أقوم مع بعض الأصدقاء بكتابة هذه الشعارات لحملها أثناء المظاهرة، ولكن دخول المال السياسي تسبب في عزوف الناس عن التظاهر وحمل السلاح وبدأ الترويج أن المعارك هي السبيل الوحيد لتحرير الأرض وهو ما حول مسار الثورة.

ومن جانبه أضاف نور الدين الإسماعيل أن “هناك عدة أسباب لتراجع دور الفنان والمثقف والسبب الأول تلاشي المظاهرات بشكل كامل، وإن وجدت فقد انحرفت عن المسار الأول الذي خرجت لأجله بسبب وجود الفصائل الذي أصبح يحدد الخلفية المدنية لكل مظاهرة, ناهيك عن تحريم الموسيقى من قبل بعض الفصائل العسكرية والذي ساهم بتلاشي الآلات الموسيقية التي رافقت الكثير من التظاهرات”.

ويرى عبد الحميد الشحنة أحد مثقفي مدينة حماة والذي هجرها مع دخول السنة الثانية للثورة في حديثه للغربال: “أن حضور الأغاني في بداية المرحلة السلمية ألهب المتظاهرين بالحماسة إضافة إلى الاهازيج الشعبية في الهتافات ومضامينها التي حملت أهداف الثورة ومطالب الشعب، إلا أن هذه الأغاني تراجعت في المرحلة العسكرية لتحل محلها الأناشيد الجهادية وتمجيد بعض الفصائل، وفي المقابل فإن الأغاني الثورية لم تخرج عن الطرح المباشر لقضية الثورة دون تناول عمقها الإنساني بشكل فني”.

ويستذكر الأديب أحمد الخطاب في حديث للغربال أغنية يا حيف: “التي كان لها دور كبير في استنهاض الهمم والحماس والتشجيع، فقد أصبحت أناشيد الثورة ترددها الأطفال، ولكن غابت هذه الأناشيد بسبب الظروف التي مرت على الثورة، والتي ظهرت مؤخراً ومنها فقدان الفن والذي لم تستطع بعض الفصائل استخدامه واستغلاله أو لم تعرف قيمته”.

 

استفادة الجانب الآخر من الفن لكسب جمهور أوسع على النطاق الخارجي.

ولعل تجربة النظام بالنسبة للقضايا الفنية أعمق من تجربة المعارضة, حيث أنه مازال مسيطراً على المدن والتي هي بشكل طبيعي مكان تمركز الفنون بكل أشكالها, في حين أن مناطق المعارضة هي مناطق ريفية.

يرى الإعلامي محمد السلوم أن من أهم اسباب استفادة النظام من الفن وتجييشه لصالحه أن العاصمة دمشق تخضع لسيطرته وتضم كل شركات الفن الكبرى والتي انحازت للنظام حفاظاً على مصالحها، ورغم حظوة الثورة بتأييد بعض الفنانين، إلا أنهم وكأفراد ليس بإمكانهم فعل الكثير, فنحن نفتقر لشركات الإنتاج التي تستطيع تجميع هؤلاء الأفراد وإسماع صوت الثورة للرأي العام عن طريق نتاجهم الفني”.

وبحسب عبد الحميد الشحنة فإن “النظام استفاد من الفن عموماً في طرح وجهة نظره وترويج روايته المضادة للثورة بشتى المجالات الفنية، فمن الأغاني التي تمجد جيش النظام وتحض على الالتحاق بصفوفه إلى المسلسلات التلفزيونية التي تقدم واقعاً يناسب رواية النظام عما يجري في سوريا لكسب الرأي العام السوري خصوصاً والعربي عموماً”.

 

الكتاب ومكانه في سلم أولويات الإنسان السوري, ومعوقات القراءة في المجتمع السوري.

ركزّ أدب الثورة في معظمه على الأسباب التي دفعت الشعب السوري إلى الانتفاض ضد النظام وعن المآسي التي عاشها الشعب السوري لسنوات، ثم انتقل بعدها إلى مرحلة جديدة، حيث نقل الأحداث التي رافقت الثورة من قصف للمدنيين، وتدمير مدن بأكملها، إلى مرارة اللجوء خارج سوريا، وأمل العودة إليها.

إلا أن عبد الحميد الشحنة يرى أن الكتاب الورقي خلال الثورة لم يكن بأحسن حالاً مما كان عليه قبلها، أما الكتاب الإلكتروني فقد شهد إقبالاً متزايداً خاصة في الموضوعات التي تتحدث عن مرحلة حكم الأسد والاستبداد، إضافة إلى صدور عدد من المذكرات والروايات التي تصنف ضمن أدب السجون والتي تحدثت عن المحظور في مرحلة ما قبل الثورة، إلا أن ذلك لم يجعل الكتاب على سلم أولويات الإنسان السوري نظراً لما يمر به من أحداث و ظروف معيشية صعبة تجعل الثقافة تأتي بترتيب متأخر جداً ضمن أولويات السوري الملاحق أو المهجر أو القابع تحت القصف اليومي.

ويتفق محمد السلوم برأيه مع الشحنة معتبراً أن الكتاب دائماً كان “هو نوع من الترف الفكري خاصة لإنسان يمضي يومه لتحصيل لقمة العيش, ورغم إقامة وزارة الثقافة معارض سنوية للكتاب حيث تعرض الكتب بأسعار زهيدة- 25 ليرة للكتاب- إلا أنها لم تستطع زرع الاهتمام بالقراءة خلال مراحل الدراسة، التي يتخرج منها السوري وهمه الوحيد الحصول على وظيفة براتب ثابت لا أكثر.

وعن أسباب معوقات القراءة أضاف السلوم أن “المعوقات كبيرة جداً أهمها أنه لا يوجد نوع من الراحة المادية لأحد أفراد الأسرة ليخصص مبلغاً لشراء كتاب أو مجلة, والآن في الوضع الحالي لا مكان نهائياً للكتاب, فهو الخاسر الأساسي في ظل التراجع التعليمي والتربوي الذي نشهده سواء في مناطق النظام أو المناطق المحررة”.

إلا أن الشحنة ذهب إلى أبعد من ذلك معتبراً أن المشكلة ليست خاصة بالمجتمع السوري بقدر ما هي مشكلة عامة في الوطن العربي في العقود الثلاثة الأخيرة والتي تعود أسبابها إلى ضعف العملية التعليمية عامة و تراجع دور الثقافة في الحياة العامة لتحل محلها ثقافة استهلاكية, بالمقابل فإن الأنظمة العربية و ممارساتها في الهيمنة على المنابر الثقافية أضعفت الإقبال لدى القارئ العربي على قراءة إنتاج هذه المنابر التي تدور في فلك السلطة”.

 

هجرة شريحة المثقفين أو إيثارها الحياد على الثورة.

ولعل أمواج الهجرة التي تجتاح المجتمع السوري بمختلف مسمياته جرفت في سيلها الكثير من الأدباء والفنانين والمثقفين الذين وجدوا أن المجتمع المضيف أفضل معيشياً وأمناً وأسرع للوصول نحو النجومية والعالمية.

وأكد الشاعر نور الدين الإسماعيل أن ابتعاد المثقفين عن الثورة كان له أثراً سلبياً، حيث ترك المجال لجهلة ليسوا أهلاً لهذا المكان، وباتوا يتحكمون في الواقع الثقافي أو المدني على الأرض وهذا الشيء أدى إلى كوارث ثقافية واجتماعية على الأرض وحتى كوارث علمية في المدارس.

وهاجر قسم كبير من المثقفين بسبب موقفهم، بحسب المسرحي أحمد الخطاب “فمنهم من كان صاحب موقف منذ البدايات وطورد من قبل بعض الفصائل حتى اضطر للهجرة خارج البلاد، فلم يبق أمامه حل سوى الهجرة، وحاولت بعض منظمات المجتمع المدني ترميم بعض المراكز الثقافية إلا أنه ما يزال هنالك هناك نقص من الجانب الثقافي”.

 

دور منظمات المجتمع المدني في تنشيط الجانب الثقافي وترميم دور المراكز الثقافية.

ولعل العبء الأكبر في استعادة مكانة الكتاب واحتضان المثقفين والكتّاب مرمي على عاتق منظمات المجتمع المدني التي تنشط وبكثرة على اختلاف المناطق السورية ويمكن أن يكون لها دورٌ محوري ومركزي في إعادة مركزة الكتاب إلى مكانه الحقيقي.

وعبّر محمد السلوم عن أسفه الكبير” لتحول منظمات المجتمع المدني لمنظمات إغاثية، متناسية تقديم الإغاثة الفكرية أو العقلية، لأنها تعتبرها كنظام البعث تماماً بأنها نوع من الترف الفكري الزائد, فللأسف انعدام الثقافة أو انعدام وجود الكتب او الحوار الفكري هو الذي جعلنا نقع في كثير من العثرات خلال مسيرة الثورة، وهو الذي جعلنا نتردى كثيراً بين تيارات مختلفة إلى أن ضعنا تماماً وفقدنا البوصلة”.

و لم يجد عبد الحميد الشحنة “دوراً حقيقياً لتلك المنظمات خاصة في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، إضافة إلى تسلط الفصائل على أوجه النشاط الثقافي عامة ومحاربتها للأفكار المختلفة عنها، ناهيك عن دور الجهات الخارجية الممولة لهذه المنظمات التي لا تولي الجانب الثقافي أي اهتمام ضمن برامجها في التمويل”.

 

العقبات أمام إحداث مكتبات عامة ومراكز ثقافية.

ولعل إحداث المكتبات العامة والمراكز الثقافية الحل الأفضل لمساعدة الشريحة الراغبة في الحصول على خدماتها من كتب وندوات ثقافية وأمسيات شعرية، إلا أن تلك المراكز والمكتبات غير موجودة ولأسباب متعلقة بالمضايقات الأمنية.

وأجمل محمد السلوم معظم العقبات التي تواجه إحداث تلك المراكز “بعدم وجود الأمان لإحداثها وعدم وجود موارد للحصول على الكتب, مشيراً إلى تجربة شخصية عايشها من خلال بيت مداد للثقافة والفنون في كفرنبل حيث كان تأمين مكتبة عامة هو أمر في غاية الصعوبة فلجأنا إلى نشر بعض الكتب للأصدقاء وهي قديمة, ناهيك عن أن الحدود البرية الوحيدة والمتاحة لنا هي تركيا غير الناطقة بالعربية, وساهم انتشار الفكر الإسلامي بمركزة القراءة حول نوع معين من الكتب والفكر الذي رعته جمعيات خيرية مهتمة في هذا الفكر، نمت هذا النوع من الفكر والمناهج بمئات آلاف الدولارات لصالح غياب كتب علمية أو فكرية تساهم في بتوعية جيل واكتسابه مزيداً من المعرفة”.

ويروي الشاعر نور الدين الإسماعيل أنه قرر منذ فترة العودة للقراءة وحمّل كتباً إلكترونية, إلا أنه وما إن بدأ حتى قصفت الطائرة مدينته مخلفة مجزرة بحق أطفال ومدنيين أبرياء فيقول: ” لم يعد لدي رغبة للقراءة, فأنا أشعر أنني لا اتصل بالواقع أو كمن لديه انفصام, فليس من الممكن أن أبحر بين الكلمات ثم تأتي الطائرة لتوقظني على فظاعة ما خلفت من موت ودمار بين أبناء مدينتي، فالقراءة من هذا المنطلق عند الإنسان السوري باتت شيئاً كمالياً لا أكثر”.

وختم عبد الحميد الشحنة إن “الوضع الذي تمر به الثقافة في سوريا هو وضع طبيعي لمجتمع يتغير ويكسر القوالب السياسية والاجتماعية والثقافية، لذلك سنشاهد الكثير من التخبط وتراجع دور الثقافة في الحياة العامة نتيجة تشظي الثقافة ذاتها، خاصة مع ضياع هوية ثقافية جامعة للأمة أو الدولة وتفتتها إلى هويات محلية وعرقية ودينية، الأمر الذي يجعل من الثقافة وسيلة يتخذها مثقفو أي هوية من هذه الهويات سلاحاً ضد ثقافة الهويات الأخرى لإثبات وجود هويته وإقصاء الهويات الأخرى فالحرب التي تشهدها سوريا بين أطراف عدة لا تقتصر على السلاح و الظواهر العسكرية بل تعتمد في مرجعيتها ومبرراتها على الثقافة الخاصة بكل هوية”.

ويبقى هدف الأديب المؤيد للثورة ليس الكتابة بحد ذاتها، بل استخراج المعاناة الصادقة الوجدانية التي يعانيها الشعب السوري، ومحاولة نقلها بصيغة فنية ترقى إلى مستوى الفاجعة والألم.

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى