الرئيسية / مقالات / رأي / اللاجئون السوريون في أوروبا سفراء بالإكراه – حسين العبدالله
اللاجئون السوريون في أوروبا سفراء بالإكراه – حسين العبدالله

اللاجئون السوريون في أوروبا سفراء بالإكراه – حسين العبدالله

مع بداية التظاهرات السلمية التي خرجت مطالبة بالحرية والكرامة عام2011، بدأ النظام باستخدام ذراعه الأمني في ملاحقة المتظاهرين واعتقالهم، ومع توسع رقعة الاحتجاجات لتشمل محافظات القطر كافة، وجه النظام قطع الجيش لتقتحم المدن والقرى بالدبابات والمدفعية، حيث بدأ الجيش باقتحام البيوت للتفتيش وإقامة الحواجز في المدن مما شل حركة الناس وأرهقهم، وهنا فكر البعض بالهجرة هرباً من الملاحقة الأمنية، ومع تطور النظام بعملية القمع الممنهج للمظاهرات واستخدامه الأسلحة الثقيلة والطيران لتأديب القرى والمدن التي احتضنتها، ازداد الوضع الإنساني سوءاً، ومعه زاد عدد المهاجرين الهاربين من آلة الإجرام والمحاولين النجاة بأرواحهم و بأرواح عائلاتهم، كما هاجر الكثير من الطلاب بغرض التسجيل في الجامعات العالمية، بعد أن فقدوا أمل الالتحاق بجامعات النظام نتيجة الملاحقة الأمنية والعسكرية للشباب.

ومما لا شك فيه أن الإنسان يحمل معه تربيته وأخلاقه أينما ذهب، وعليه فإن اللاجئ السوري هو رسول وطنه إلى البلد الذي هاجر إليه،  يعكس صورة بلده فإن كان على قدر من الوعي والأخلاق تقبله الطرف الآخر وآمن بعدالة قضيته وحقه، وإن كان على عكس ذلك فهذا يعني أنه شوه صورة وطنه بغير قصد وبدون وعي.

منير القلعه جي /22 عاماً/ شاب من قرية حاس بريف إدلب، حصل على شهادة التعليم الثانوي العلمي وكان يطمح لمتابعة دراسته في الجامعة، ولكن بسبب الظروف الأمنية فكر بالهجرة إلى ألمانيا لمتابعة دراسته الجامعية، يقول منير: “هاجرت إلى ألمانيا بغية متابعة دراستي الجامعية في الهندسة، وأنا أملك الإصرار الكامل والثقة بالنفس لأكمل طريقي أينما كنت، في بداية الأمر واجهتني بعض الصعوبات فيما يتعلق باللغة وتأمين السكن وغير ذلك، لكنني والحمد لله تجاوزت كل تلك المصاعب وحصلت على مسكن في إحدى قرى الريف الألماني”.

يكمل القلعه جي حديثه ليروي قصة حدثت معه في بلاد المهجر فقال: “بعد استقراري في بيتي الريفي كان علي الاندماج مع السكان في القرية، وهنا بالتحديد كنت أعرف ضرورة إظهار وجهنا الحضاري كشعب يتحلى بالأخلاق الحميدة، وفي إحدى الصباحات أخبرني جاري الألماني بأنه بحاجة إلى المساعدة في بناء جدار في منزله، لبّيت على الفور فقام الجار الألماني بإعطائي قفازات مطاطية حتى لا يؤذي الاسمنت كفيّ، وبعد أن ارتديت القفازات أحسست بشيء معدني داخل إحداها وخز إصبعي فتفحصته لأجد خاتماً ذهبياً مطعّماً بقطعة من الألماس كان عالقاً داخلها، فانطلقت على الفور إلى جاري الألماني لأسلمه إياه، كانت فرحتهم كبيرة ودهشتهم عظيمة عندما شاهدوا الخاتم الذي أضاعته زوجته منذ أسبوع”.

واختتم القلعه جي حديثه فقال:” أنا أثق تماماً أننا سفراء لوطننا خارج الوطن، وهذا العمل الذي قمت به كان كافياً ليعرف جيراني أننا شعب مظلوم نبحث عن الحياة الكريمة فقط”.

في عام 2014 اقتحمت حمى الهجرة الشباب السوري لينزف الوطن أبناءه ودماء حياته، كثيرون منهم قصدوا أوروبا وخصوصاً ألمانيا والسويد، وآخرون تابعوا طريقهم ليصلوا إلى كندا ولكل مهاجر منهم ظروفه الخاصة التي دفعته للهجرة إما منفرداً أو مع عائلته.

سمير  /35 عاماً / من ريف محافظة إدلب الشمالي كان موظفاً في الشرطة، وبعد قيام الثورة عمد كغيره من عناصر الشرطة ممن لم يرضوا التصفيق للباطل إلى الانشقاق، بقي عامين كاملين يبحث عن عمل في قريته الصغيرة دون أن يوفق في ذلك، فجأة قرر أن يبيع منزله ويهاجر بما سيتقاضاه من ثمن المنزل، يقول سمير: “أغلقت جميع الأبواب في وجهي داخل الوطن عدا القصف الجنوني الذي جعله النظام برنامج عقاب يومي يعاقب به المناطق التي تحررت من جيشه، فبعت منزلي وتوجهت بعائلتي إلى تركيا، ثم قدمت طلباً للجوء في السفارة الكندية وبقيت أعمل في تركيا فترة من الزمن حتى  حصلت على الموافقة من السفارة”.

يتابع  سمير حديثه الذي لا يخلو من شجن وشوق وألم:” لم نهاجر بإرادتنا وليس محبة بالهجرة، لأنني مهما تنقلت في بلاد العالم لن أجد مثل قريتي الوديعة الهادئة وجيراني الطيبين، لكن جنون النظام وإجرامه لم يترك أمامنا خياراً غير ذلك”.

وعن دور المهاجرين في بلاد المغترب قال السيد سمير: “أجد معظم أصدقائي وأصحابي ممن حصل على اللجوء هنا يحاول أن يبرز الوجه الجميل لشعبنا وقيمه ومبادئه وهذا ساعدنا كثيراً لكي يتقبلنا أهل البلد، وليسمعوا منا كشهود عيان عن إجرام جيش الأسد وقوات أمنه وليعرفوا أن الشعب السوري صاحب حقٍّ دفع ثمنه غالياً”.

تقول المؤرخة ماريتا كراوس  “يمكن التعلم من جميع الدول التي استقبلت أشخاصاً من خارج البلد، حيث يجب إتاحة الفرصة لهم سريعا للعمل”، كما تشير إلى أنه من المحتمل أن يساعد ذلك بالخصوص اللاجئين من سوريا وإفريقيا في يومنا هذا. وبينما قام اللاجئون المهجرون في جمهورية ألمانيا الاتحادية بدور محرك المعجزة الاقتصادية فيها، احتاجت جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشيوعية السابقة إلى هؤلاء كعمال في خدمة اقتصادها الموجه.

 

موسى العواد /30 عاماً/ من مدينة دير الزور الذي تركها مرغماً بعد سيطرة تنظيم الدولة عليها، دخل الأراضي التركية دون أن يكون لديه أية خطة مستقبلية للهجرة إلى أوروبا، حدثنا قائلاً:” عندما وصلت إلى الأراضي التركية كان الهدف الأكبر أمامي هو العمل وكسب الرزق، بقيت مدة عامين ونصف أعمل بالفحم وكان العمل مجهداً لكنني لم أكن أملك خياراً آخر، وعندما بدأت أسمع عن قوافل المهاجرين بطرق غير شرعية إلى أوروبا، قررت الالتحاق بإحداها، وكنت قد جمعت بعض المال الذي يكفيني لتلك الرحلة”.

قرر العواد أن يهاجر إلى السويد بطريقة غير شرعية –تهريب– لعدم امتلاكه جواز سفر، يتابع العواد: “تعذبت كثيراً حتى وصلت السويد، بقيت فترة من الزمن حتى حصلت على الإقامة وحينها بدأت بالتأقلم مع الواقع الجديد، وأصبحت أتواصل مع جيراني السويديين بعد أن تعلمت القليل من اللغة، ومن خلال جلسات التواصل والسهر والدعوات المتبادلة شرحت لهم أكثر عن إجرام النظام السوري الذي اضطرنا أن نترك بلدنا الذي نحب، وأن الثورة السورية ليست داعش وإنما هي ثورة الحرية والكرامة التي يحاول النظام منذ اليوم الأول لها وصمها بالإرهاب”.

وختم العواد كلامه بالقول:” سأعود بعد أن تتحرر مدينتي من تنظيم الدولة ومن النظام، نعم سأعود وكلي أمل بذلك ولا يمكن لهؤلاء الاستمرار في اغتصاب الأرض فهم والنظام إلى زوال، لكن عليّ في فترة بقائي هنا واجب أخلاقي ووطني في أن أوصل رسالتنا بالسلام للعالم وأحقية مطالبنا في الثورة السورية التي عمل النظام السوري وإيران على تشويهها بشتى الطرق والوسائل، تساعده على ذلك بعض الدول من خلال إضفاء صفة التنظيمات الإسلامية المسلحة على الثورة السورية”.

فكما للهجرة وجه قبيح ومؤلم فإن لها وجهاً آخر حسن، لأنها ساعدت في نقل معاناة الشعب السوري وكسبت تعاطف الشعوب الأخرى وخصوصاً عند المجازر التي يرتكبها النظام ضد المدنيين في المناطق المحررة.

بانتظار عودتهم إلى وطنٍ تشرق فيه شمس الحرية والكرامة يوماً ما سيبقى المهاجرون سفراء هذا الوطن وصوت شعبه المخنوق الذي اجتمعت قوى الأرض لتمنعه من الصراخ.

 

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى