الرئيسية / مقالات / رأي / هل نجحت ثورة المرأة السورية؟ – سلطانة محمد
هل نجحت ثورة المرأة السورية؟ – سلطانة محمد

هل نجحت ثورة المرأة السورية؟ – سلطانة محمد

 

 

لامست ثورة الحرية الأرض السورية، وتركت أثرها على الحجر قبل البشر، فلم يخلُ منزل من شهيد أو معتقل أو قصة نزوح، ولأن المرأة جزء من هذا المجتمع، وحالياً أصبحت نسبة الإناث تفوق نسبة الذكور بمعدل الضعفين تقريباً، بسبب عمل الرجال في مواضع خطرة كالجبهات ومراكز الدفاع المدني والأسواق والتي لطالما كانت هدفاً لطيران النظام، وعليه فإن بقاء المرأة متفرجةً لا أكثر يعني أن الثورة خسرت ثلثي المجتمع، بالإضافة إلى أن حقوقها مازالت مستلبة، فالحق يؤخذ بالقوة ولا يعطى هبة لمن لا يطلبه، ومن هنا برز دور المرأة وثورتها رديفاً لثورة الحرية والكرامة واستكمالاً لها، فليس من الممكن أن ننعم بالحرية وثلثي المجتمع مازال محبوساً داخل قوانين وتقاليد تزداد ضيقاً بمرور الوقت، فما هو دور المرأة في الثورة السورية وهل أثبتت نفسها ووجودها في المشاركة بها؟

 

لم تجد المرأة في بدايات الثورة نفسها مضطرة للانخراط في الثورة بسبب الخوف من الاعتقال، ولذلك كانت مشاركتها ضئيلة في المظاهرات وكانت محدودة بنساء فقدن أولادهن وأزواجهن في ثمانينيات القرن الماضي، ولكن وبمجرد تحرر الأرض تغير الوضع وتغيرت معه نظرة المرأة للثورة، ورغم عدم مشاركتها بحمل السلاح إلا أنها وجدت لنفسها مكاناً تستطيع من خلاله أن تكون منتجة وتساهم في بناء المجتمع، خاصة بعد ظهور مراكز تدعم المرأة وتساهم في بناء قدراتها، حيث توضح السيدة صبحية من كفرنبل كيف وجدت نفسها مضطرة للعمل بعد أن خسر زوجها كل ما يملك في التجارة، تقول صبحية: “لم أكمل دراستي ولم أعتقد أصلاً بضرورتها، فقد كان زوجي يعمل ويؤمن لنا معيشة جيدة، لكن مرضه وخسارته المالية جعلاني أفكر بمصدر دخل جديد للعائلة فالتحقت بمركز نسائي يقدم دورات تدريبية في الخياطة، في البداية كان الأمر صعباً بالنسبة لي، ولكن عند سماعي لقصص المشاركات في الدورة تغيرت نظرتي  لعملي وأصبحت أراه ضرورة حتى ولو كان زوجي قادراً على العمل”، وتخرجت صبحية من الدورة وأصبحت خياطة يقصدها القاصي والداني بعد أن دعمها أقاربها وجيرانها، وعادت إلى مركزها لتعمل على تدريب الفتيات على الخياطة وإفهامهن ضرورة حصول المرأة على عمل خاص بها بغض النظر عن وضع زوجها، تقول صبحية عن تجربتها: “ازداد احتكاكي بالناس ومعرفتي للواقع أكثر وأصبحت أناقش بشكل جيد وأصبح لي رأي خاص، وازدادت الموضوعات التي أهتم بها لتتعدى الطبخ وتربية الأولاد، وأعتقد أن الثورة فتحت أمامي آفاقاً كثيرة، إذ يكفي أنني أصبحت أشعر باستقلاليتي وبقدرتي على أن أكون بناءة ومنتجة”، وحال صبحية لا يختلف كثيراً عن فتيات المركز، اللواتي اضطرهن فقد معيل أسرهن أن يبحثن عن مصدر للدخل لإكمال تربية أطفالهن.

 

ورغم أن البعض اضطرته ظروفه المعيشية أن ينخرط في العمل، إلا أن بعض النساء اخترن اللحاق بركب الثورة منذ بداياتها ليعملن كناشطات في مجال حقوق الإنسان بهدف الدفاع عن المرأة والطفل، أو حتى العمل كصحفيات يرصدن الأخبار وينقلن الحقيقة جنباً إلى جنب مع الرجل على خطوط النار، فالناشطة رشا عبد الرحمن من حماة والتي تعمل كمعلمة في “خطوة أمل” وتقوم بتقديم الدعم النفسي للأطفال، عملت في بداياتها على توثيق حالات العنف ضد النساء، ثم استلمت إدارة مركز “مشورة للإرضاع الطبيعي” تحكي للغربال عن نشاط المرأة في الداخل، فتقول: “أعتقد أن المرأة شاركت في أغلب جوانب الثورة، فهي صحفية وإعلامية ومعلمة وممرضة وطبيبة في المشافي الميدانية ومع ذلك ماتزال هناك محاولات لتحجيم مشاركتها في بعض المجالات، ورغم ذلك فإن مشاركة المرأة كانت كافية لمن أرادت المشاركة، وضيقة لمن انزوت على نفسها”.

 

وبالطبع فالعمل في الداخل يختلف كلياً عن العمل في الخارج، فالداخل له قوانينه والتي تكون سبباً في قلة إقبال النساء على المشاركة في الفعاليات وورشات التدريب أحياناً، تقول السيدة رشا: “الإقبال مقبول نوعاً ما، ويبدو ذلك جلياً من خلال ورشات التدريب والتوعية للنساء، وذلك برغم بعض المضايقات، ولتفادي هذه المضايقات تضطر المرأة للعمل بما يتناسب مع البيئة التي تعيش فيها”، وتختتم السيدة رشا حديثها برأيها في ثورة المرأة:  “قامت المرأة بثورة ناجحة، استطاعت تغيير نفسها، واستطاعت أن ترفع من شأنها، وأن تثبت جدارتها بنيل حقوقها”.

ومما لا شك فيه أن الاتجاه الإسلامي في الداخل المحرر كان له بالغ الأثر في توجهات مشاركة المرأة، حيث أصبحت بعض الأعمال يحظر على المرأة امتهانها، وأصبحت مقيدة بالأماكن التي لا يمكن للرجل أن يشغلها، مثل تدريس الطالبات والمشافي النسائية، وتحكي السيدة صفاء وهي خريجة شريعة عن عملها في تدريس الطالبات في الجوامع، فتقول: “اخترت عملاً يتناسب مع دراستي ورسالتي بغض النظر عن الوضع حولي، رغم أنني امتلكت خيارات أخرى أكثر راحة كالتدريس في مدارس الائتلاف، أو العمل في المعاهد الدعوية، فأنا برأيي أننا نستطيع بناء المجتمع كل من جانبه، فالمجتمع بحاجة للداعية الإسلامية كحاجته للطبيبة والمعلمة، واستطعت من خلال عملي إفهام الفتيات حقوقهن التي نص الشرع عليها، والتي لم تتعارض قط مع حقوق الإنسان في الدول المتقدمة، فالإسلام كرَّم المرأة ورفع من قدرها”، وترى السيدة صفاء أن إقبال النساء على ما تقدمه كان جيداً، وأنها استطاعت أن تترك أثراً طيباً في طالباتها أشعرها بالرضا عن نفسها، وختمت السيدة صفاء حديثها بقولها: “الحاجة إلى ما أقدمه هي التي دفعتني للتمسك بالعمل، فمن حق الجيل الجديد أن يفهم أن الإسلام ليس حجاب شرعي وأربع زوجات فقط، كما يحاول الرجال إفهامنا، بل هو نظام حياة كامل يأخذ فيه كل ذي حق حقه”.

 

ورغم كل المبادرات النسائية التي حاولت احتواء المرأة وزيادة قدراتها، إلا أن البعض يرى أن هذه المبادرات محدودة وأن المجتمع يحد من مشاركة المرأة كما تفعل المنظمات الداعمة في الخارج، فالسيدة لينا وهي معلمة لغة عربية حاولت الحصول على دعم مشروع إقامة مدرسة رديفة للمدارس الحكومية في الوقت الذي كان الذهاب إلى المدرسة أشبه بالوقوف على خط الجبهة، ولكن جميع من قصدتهم تذرعوا بأن مدارس الائتلاف كافية علماً أنها هي نفس المدارس الحكومية التي لم يعد أحد يجرؤ على زيارتها، وتطورت نظرتها للتعليم حيث شعرت بعدم جدوى تدريس نفس المناهج الحكومية، فالمجتمع بحاجة لمبدعين في المستقبل وليس لمجرد متعلمين، وعدلت مشروعها ليشمل تعليم مناهج عالمية، بالإضافة لروضة للأطفال ما قبل سن التعليم، واقترحت تقديم الإمكانيات التي تحافظ على سلامة الأطفال حيث اختارت قبواً تحت الأرض بالإضافة لسيارات تقوم بنقل الأطفال من المدرسة وإليها، ورغم ذلك لم يلق صوتها صدىً لدى أحد، تقول لينا: “كأنهم يخبروني أنني إذا أردت أن أمارس مهنتي فيجب أن أصبح أنسة لدى الائتلاف لا أكثر، لقد حاربوا طموحي ورؤيتي، ومع ذلك ما زلت أسمع أن مشاركة النساء في الثورة قليلة ومحدودة، ولكن بعد معاناتي أيقنت أن الجميع يحارب المرأة وعملها في الداخل والخارج، وهو ما زاد إصراري أكثر على تنفيذ مشروعي حتى لو اضطرني ذلك لإنجازه على نفقتي الخاصة”.

وتضيف السيدة لينا: “لم أرَ إقبالاً على البناء والتوعية، فالجميع يسعى للتسليح والقتل، وللأسف أصبح أطفالنا وقوداً للحرب، وهو  ما يجب رفضه وبقوة، فهم المستقبل الذي لا أمل لنا بدونه”.

وتبقى المرأة جزءاً لا يمكن إنكار وجوده أو دوره في الثورة السورية، ونجاح بعض النساء في المشاركة الفعالة فيها هو أكبر دليل على كفاءتها وجدارتها في نيل حقوقها رغم كل الصعوبات التي تعترضها.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى