الرئيسية / تحقيقات / حرب سورية الطويلة تترك آثاراً نفسية قاسيةً على أطفالها – أحمد عثمان
حرب سورية الطويلة تترك آثاراً نفسية قاسيةً على أطفالها – أحمد عثمان

حرب سورية الطويلة تترك آثاراً نفسية قاسيةً على أطفالها – أحمد عثمان

تأتي الحروب والنزاعات بآثار مدمرة على الأطفال فيتعرضون للقتل والسجن والضرب والتعذيب، وفي أحيان كثيرة يكون الأطفال ضحية للاعتداء الجنسي أو الاستغلال أو الاتجار بهم. حدث ذلك خلال الحرب العالمية الثانية وقبلها، حيث كانت النازية في ألمانيا تصنّف المجتمع إلى فئات، وكان الأطفال يُصنّفون في فئة “عديمي الفائدة”، وهي الفئة التي تضم الأطفال وكبار السن والعاجزين، هؤلاء من وجهة نظر النازية أشخاص يأكلون ولا ينتجون ولا يمكن  تشغيلهم في معسكرات العمل القسري، لذا كانوا أول من يُساق إلى معسكرات الإعدام. و إلى جانب هذه الآثار الجسديّة تترك الحرب آثاراً نفسية بالغة على الأطفال، وهذا هو حال أطفال سورية اليوم بعد ست سنوات من حرب شملت كل أنحاء البلاد.

اضطرابات نفسية شتّى أبرزها الخوف

في فترة من الزمن كان يسود اعتقاد مفاده أن الأطفال لا يتأثرون كثيراً بالصدمات، والظروف الصعبة إلا أنّه تبيّن مع تقدّم الأبحاث بطلان هذا الاعتقاد، وفي سورية قد يفقد الطفل في هذه الحرب أباً أو أمَّا أو أخاً أو حتى عائلة بأكملها ليعيش بعد ذلك مع مآسٍ لا تنتهي وجراح لا تندمل. كما يشاهد الكثير من الأطفال مشاهد قتل وجثثاً لموتى قد يكونوا أقرباء لهم، ويمكن أن يشاهدوا أناساً يتعرضون للتعذيب.

إن هذه الأحداث الدموية تترك آثاراً صعبة على الأطفال ينتج عنها أعراض نفسية تُعرف في علم النفس بـ “اضطرابات ما بعد الصدمة” إذ يعاني الأطفال من الكوابيس والاكتئاب والصعوبة في التركيز والشعور باليأس والخوف من المستقبل، حيث تقول “أريج الطبّاع” وهي مرشدة نفسية في مؤسسة “لأنك إنسان” متحدثةً لـ “الغربال” إن الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة يميلون لتكرار تمثيل المشهد الصادم من خلال اللعب، كأن يكرروا المشهد مع الألعاب، أن يكون هناك قصف في اللعب، أو يلعبون بحمل جنازة، أو حتى يختارون لعبة الحرب نفسها، وهذه طريقتهم في السيطرة.

أيضا يزداد تعلقهم بمقدمي الرعاية لهم، وبالعائلة وخاصة الوالدين يخشى أن يفقد أحدهما. ويشعرون بالأمان حينما يكون أهلهم أكثر استقرارا، والعكس لو أظهر الأهل الخوف أو القلق فينعكس سلبا عليهم، عندها قد يعانون من النكوص أي العودة لسلوكيات كانوا قد تجاوزوها سابقاً كالتبول بالفراش أو مصّ الاصبع أو غير ذلك.

 

هذه الاضطرابات والسلوكيات قد يقف الأهل أو حتى المعلمون عاجزين أمامها، وخصوصاً في المناطق شديدة التوتر. مثلما حدث مع “ليلى” وهي معلمة سورية تصف ردود أفعال بعض تلاميذها في ظل هذه الظروف التي وصفتها بالعصيبة وتحدثت لـ “الغربال” قائلةً، نعم لقد تغيّر الأمر كثيراً مما هو عليه قبل الثورة، أعترف بأنني صرت أجد صعوبة في التعامل مع تلاميذي، لقد أثّرت الحرب عليهم كثيراً. بين تلاميذي اليتيم، ومن في حكمه أقصد من غُيّب أبوه في السجون منذ أعوام. أيضاً هناك أطفال هُجروا من مناطق أخرى ويعيشون مع أهلهم في ظروف سيئة جداً. بصراحة أجد صعوبة في التعامل مع تلاميذي، لقد اختلفت طباعهم كثيراً، إنهم يخافون كثيراً وربما يفزعهم أي صوت كصوت إغلاق باب مثلاً فيظنونه قذيفة أو صاروخ. لكنّ الكارثة الحقيقية عندما يحدث قصف حقيقي أو يغير طيران النظام على المنطقة فيصاب التلاميذ بحالة هلع ولا يكون حالنا بأفضل منهم. لا نفكر بفعل شيء بل يتوقف تفكيرنا كلياً وندعو الله أن ينجينا”.

ويشير علماء النفس إلى أن الأطفال الذين يتواجدون داخل دائرة الأحداث يعانون من كوابيس شديدة تتداخل مع مجريات حياتهم اليومية فيعيشونها وكأنها تحدث الآن فتسبب لهم الخوف وانعدام الأمن. وهذا ما أكدته لنا “عفاف” وهي أم سورية تعيش مع أولادها في أحد المخيمات بعد أن دمر طيران النظام منزلها تصف لـ “الغربال” ما يعانيه أولادها من خوف فتقول: أولادي لا يستطيعون نسيان تلك المشاهد الفظيعة وأصوات الصواريخ والبراميل، الحمد لله أننا تمكنا من الخروج أحياء، لكن الخوف ما زال يطارد أولادي وخصوصاً ابني الصغير محمد، إنه يستيقظ ليلاً خائفاً مذعوراً ويبكي ويطول بكاؤه، أيضاً لقد عاد ابني لعادة التبول في الفراش بعد أن كان قد تجاوز هذا الأمر”.

الميل نحو العنف والعدوانية

إن من أشدّ الاضطرابات النفسية خطورة على الأطفال وكذلك على المجتمع من حوله الميل للعنف والعدوانية فهم يشاهدون بأمّ أعينهم بيوتهم تقصف وأهلهم يُعتقلون، وكثيراً ما يتمّ اعتقال الأطفال أنفسهم فيتعرضون للضرب والتعذيب وقلع الأظافر، أمام كل ما سبق يظهر الأطفال ميلاً شديداً نحو التعبير عن العنف والانتقام.

تقول الدكتورة “أريج الطباع”: الأطفال في الطفولة المتأخرة يميلون للانسحاب أو العدوانية أكثر، قد يتراجعون دراسياً، أو يعانون من مشكلات بالتركيز وضعف الانتباه، إضافة للتشتت وفرط النشاط، قد يميلون للعب الخطر أو إيذاء الذات خاصة في المراهقة، تتكرر معهم المشاهد الصدمية، ويتوقعون الحماية من الكبار، بالمقابل يتمردون عليهم ويظهرون قلة الاهتمام ويصبحون شديدي الانفعال لو تعرضوا للنقد”.

ويلاحظ ميل الأطفال نحو العنف بشكل ملحوظ ويظهر ذلك جلياً في سلوكهم أو حتى في طرق التعبير عندهم كما يقول “عبد الرؤوف” أحد الآباء السوريين متحدثاً لـ “الغربال”: ترى الأولاد أثناء لعبهم يصنعون من الأخشاب والعصي أشكالاً تشبه البنادق وينصبون الحواجز كما يفعل الكبار، أيضاً الأطفال وخصوصاً اليافعين منهم أصبحوا سريعي الغضب ويميلون للعدوانية”.

كما أن انتشار السلاح والمظاهر المسلحة بشكل كبير وغير منتظم قد ساهم في نمو هذا السلوك بشكل كبير لدى الأطفال. وذلك كما تخبرنا “نورهان محمد” وهي معلمة سورية في إحدى المدارس بريف دمشق تحدثت لـ “الغربال” واصفة مشاهدتها قائلةً: طبعا تأثير الحرب على سلوك الأطفال يظهر جلياً في تعاملهم بين بعضهم البعض وفي ألعابهم. فنلاحظ توجههم نحو أفكار الأسلحة والتفجيرات وترديد شعارات معينة لا يفهمون معناها. وأثناء اختلاف طفل مع طفل آخر نسمع أحدهما يهدد زميله بأنه سيحضر بندقية والده ويقتله، أو سيفجّر فيه قنبلة. وقد وجدنا أكثر من طفل يحمل في حقيبته المدرسية سكين او رصاصة أو أي أداة حادة، وعندما نسأله عن هذا الأمر يجيب هذا سلاحي”.

تتابع “نورهان” حديثها وتروي لنا قصصاً عن حالات يمكن أن تكون خاصة بين تلاميذها “كان لدي تلميذ أبوه معتقل لا يأتي إلى المدرسة. بل يهرب قبل بدء الدوام إلى مكان يبقى فيه وحيداً يصنع من العيدان خنجراً أو بندقية.  وطفل آخر أبوه قائداً في الجيش الحرّ لا يريد الدراسة ويفضل البقاء في المقرّ مع الشباب وإطلاق الرصاص”.

تقول السيدة ماود بيرسمنس وهي مختصة نفسية بمركز 45 لمعالجة الصدمات النفسية لما بعد الحرب ( مركز مختص تم تأسيسه بهولندا على يد مجموعة من الأطباء النفسيين الهولنديين عام 1960)، “تؤكد سجلات أرشيف المركز بأن العديد من الأطفال والمراهقين الذين نجو من الحرب العالمية الثانية ظلو يعانون من العديد من الإضطرابات النفسية والجسدية حتى بعد أن تقدمو بالعمر بل والبعض منهم قام بنقل تجربته القاسية وترديد قصصهم المروعة لأولادهم فيما بعد بحيث نشأ أطفال البعض منهم على العديد من الأزمات النفسية التي تربوا عليه وقام ذويهم بنقل صدماتهم النفسية بشكل أو بآخر لأولادهم.

سبل المعالجة

تتردد الأسئلة حول خطورة هذه الآثار والاضطرابات، كيف يتمّ معالجتها؟ وفي حال لم تتمّ معالجتها ما الذي يمكن أن يحدث؟ هل يمكن أن تؤذي صاحبها؟ وهل يمكن أن ينعكس هذا التأثير على الأسرة والمجتمع؟

تقول “أريج الطبّاع”: العلاج يكون حين تصل الأعراض للحدّ المرضي، الذي يعيق الطفل عن التواصل مع محيطه.  قبل أن يصل لهذا الحدّ قد تكفي جلسات المساندة وإدارة الحالات.

هناك دراسات تقول إن الصدمة قد تتوارث بين الأجيال، فتنتقل من جيل لآخر بحال لم يتم معالجتها بشكل جيد.

أيضا قد يزداد التفكك والانحراف في المجتمع، مع فقدان المراهقين للقدرة على التحكم ويفتقد الأمان.. وقد تتوتر العلاقات بين الأفراد بالمجتمع، إضافة لانخفاض تقدير الذات”.

تتابع “أريج الطبّاع” كلامها لتسوق مجموعة من النصائح للأهل والمعلمين في كيفية التعامل مع الأطفال: “لا تقلقوا من ردود أفعالهم غير الطبيعية، فمن الطبيعي بالأوضاع غير الطبيعية ذلك. اعلموا أنّ كلّ ما سبق ذكره وزيادة عليه لم أذكرها ربما هو أمر طبيعي مع الأزمات. تحتاجون أن تزيدوا ثقافتكم بالتعامل مع الصدمات، وخاصة السلوكية منها كالتنفس والاسترخاء.  كما يساعد الطفل القرب من الله وشرح مفهوم القضاء والقدر والمسؤولية، بالتأكيد هذا ليس للطفولة المبكرة. لاحظوهم فقط حتى لا يصل للمرحلة المرضية، فإن وصل الأمر لذلك تحتاجون ـأن تشاوروا طبيبا نفسيا أو معالجاً”.

أيضاً حلول أخرى يقدمها لنا “مصطفى الأبرش” وهو باحث تربوي سوري يقيم في لبنان يرى أن هناك خطوتين ينبغي القيام بهما لعلاج المشاكل النفسية لدى الأطفال في سورية أو في بلدان اللجوء يقول الأبرش متحدثاً لـ “الغربال”: لعلاج المشاكل النفسية عند أطفال الحروب علينا القيام بخطوتين الأولى تفريغ طاقاتهم السلبية التي امتلأت بها صدورهم رغماً عنهم، وذلك عن طريق النشاطات المتنوعة كالرسم والألعاب الجماعية وأيضا المحاورات بين الأطفال، وندع الطفل يتكلم بما يحلو ولا نعنفه إن تكلّم عن الأسلحة أو الدماء او أي شيء لا يناسب عمره.

الخطوة الثانية تعزيز مبدأ الأمان داخل الطفل وإشعاره أن الأمور ستنتهي على خير، ونشرح له ببساطة ما الذي يحدث ونبدأ بتعليمه أسس الأخلاق كالكرم والشجاعة والإخلاص وغيرها ونعيد له حياته الطبيعية كما لو كان في بلده. مع الملاحظة أنه يوجد أطفال يعانون من صدمات نفسية حادة هؤلاء يجب أن يخضعوا لعلاج متكامل من أطباء متخصصين”.

يتابع الأبرش حديثه: “وعلى مستوى لبنان أنا أتمنى أن يصبح هناك شيء اسمه دورة تأهيل مدرسي يدخل فيها الطفل قبل الذهاب للمدرسة بدورة إرشادية وتربوية للتهيئة للمدرسة، وخاصة الأطفال الذين انقطعوا فترة طويلة”.

ومن المهمّ توفير الدعم النفسي والرعاية النفسية للأطفال في المدارس، لذلك بدأت تظهر في الآونة الأخيرة ما يسمى بغرف الدعم النفسي التي تشرف عليها عدة منظمات إنسانية نشطت في سورية مؤخراً.

إن ما يعانيه أطفال سورية اليوم من ضغوط ومشاكل نفسية ليس بقليل، ولا يجب الاستهانة بهذه الأمور لذا يجب أن تتضافر جميع الجهود لإنقاذ الطفولة السورية من الضياع.

 

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى