الرئيسية / تحقيقات / نهضة للثقافة والفن في زمن الثورة السورية – زهير حنيضل
نهضة للثقافة والفن في زمن الثورة السورية  – زهير حنيضل

نهضة للثقافة والفن في زمن الثورة السورية – زهير حنيضل

 

الإبداع مولد الفنون، إنه مكونها ومحرضها ومبلورها بهيئة مادة روحية تتجاوز حدود الجسد _ إبصاراً وسمعاً _ إلى أقصى مكامن الروح إحساساً ملموساً بها
و اندماجاً بها و فيها ضمن ثنائية ” التأثر و التأثير”.

و لأن الفنون موجهة من و إلى الإنسان؛ فلا شك أن الفنون ذات الطابع الإنساني الوجداني هي الأرقى من بين الفنون، خاصة تلك التي أبصرت الضوء في لجة الألم و المعاناة، إذ لا يختلف اثنان على أن الحروب و النزاعات المسلحة تشكل بيئة خصبة للإبداع الفني لما فيها من قضايا إنسانية محرضة للمبدع، خاصة أولئك الذين يعايشونها حقيقة ملموسة ضمن تفاصيل حياتهم المباشرة في ظل هذه الحروب و النزاعات المسلحة.

الثقافة و الفن متلازمان لا ينفصلان، ركيزتان أساسيتان في جوهرة رسالة الإنسانية، و على التوازي ؛ فإن الحركة الثقافية في البيئات الرازحة تحت ويلات الحروب و النزاعات المسلحة ذات طابع تصاعدي، و في ذات الوقت فهي ذات طابع تمييزي لا فاصل بين مكونيه ؛حيث ينقسم المنضوين تحت جناح الحركة الثقافية إلى فريقين متضادين موالين لطرفي النزاع المتحاربين، فنرى فريقاً منهم مع الظالم و فريقاً مع المظلوم.

دور الثقافة و الفن في شحذ همم المظلومين:
للثقافة و الفن دور ريادي في شحن همة المظلوم و إذكاء روح الثورة على الظلم داخل نفوس المضطهدين، فعلى مر التاريخ الحديث رأينا الأدب المقاوم، و رأينا الأدب الثوري، و في الثورة السورية رأينا أدب المظاهرات، حيث انبرت الأقلام لكتابة الأشعار الثورية، و سارعت الحناجر لتصدح بالألحان التي كانت و ما تزال ملهماً و محركاً لروح الثورة في نفوس ملايين السوريين .
خلال تجوالنا في أحد شوارع مدينة ” غازي عنتاب ” التركية , التقنيا جمعاً من الشباب السوري يجلسون حول طاولة في أحد المقاهي الشعبية في المدينة، طلبنا الانضمام إليهم فتوجسوا بداية الأمر، ثم قبلوا حين علموا أننا سوريين و نتقاسم و إياهم الهم و الهاجس الثوري، حدثنا أحد الشباب و الذي رفض التعريف باسمه الحقيقي لأسباب خاصة به و طلب أن يكون اسمه المستعار ” نضال الثائر” عن تجربته الثورية في سورية، حيث سرد لـ “الغربال” جانباً من نشاطه الثوري قائلاً :
” لقد كانت نشاطاتنا مصدر رعب و قلق بالنسبة لأجهزة الأمن، كانوا في حالة من الهلع .. يتصيدون أي أثر يدلهم علينا، كنا مجموعة من الشباب الذي لا يملك سوى ” علبة البخاخ ” سلاحاً يخط به الكلمات على الجدران، نكتب شعارات تحيي الثورة و تندد بالنظام المجرم و زبانيته، كنا نقوم بذلك إيماناً منا بدور هذه الكلمات _ على بساطتها _ في شحن الهمم و رفع الروح المعنوية للثوار، لقد كانت أياماً جميلة، لم نكن نشعر بالخوف، نعم .. لم نكن نشعر بالخوف، فالنشوة التي كانت تتولد في قلوبنا بعد كل جولة نقوم بها لكتابة الشعارات على الجدران كانت تطغى على أية مشاعر اخرى ” .
دور الثقافة و الفن في إيصال صوت الحق:
لا غنى عن الثقافة و الفن لإيصال صوت الحق المتمثل بهواجس و هموم المظلومين الواقعين تحت سطوة الظالم خلال الحروب، فالكلمة و اللحن و الريشة أدواتٌ لا تقل قوة عن البارود، بل يتعدى تأثيرها في بعض الأحيان تأثير السلاح ؛ ليكون صداها أقوى و اكثر فاعلية من أزيز الرصاص و هدير الطائرات.
في الثورة السورية ؛ انشق عدد كبير من الفنانين عن وزارة الثقافة التابعة للنظام السوري المجرم، فكانوا عرضة للاتهمات و التخوين وصلت لحد إصدار قائمة سوداء تضم أساميهم ليصار فيما بعد إلى فصلهم لاحقاً من نقابة الفنانين.
كما تعرض بعضهم للأذى الجسدي المباشر أو غير المباشر، كما حصل مع الفنانة مي سكاف من اعتقال في سجون النظام، و الفنان مالك جندلي الذي تعرض والداه للضرب على يد عصابات الأمن السوري المجرم .
و في إحصائية للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد لقي 22 فناناً سورياً مصرعهم، 14 منهم على يد قوات النظام السوري القمعي المجرم، بينما توفي 8 آخرون تحت التعذيب في أقبية سجون النظام السوري .

كانت رسالة الفن المقاوم بالغة الأثر سواء عبر اللحن الموسيقي أو الكلمة المؤمنة بالقضية أو الريشة التي جسدت آلام المظلومين، و فضحت ممارسات القمع الممنهجة التي اتبعتها و تتبعها أجهزة الأمن التابعة للنظام السوري المجرم .
يروي أمجد لـ ” الغربال” تجربته الثورية فيقول:
” كنا نجتمع كل ليلة في منزل أحد الأصدقاء، نخطط لمظاهرة اليوم التالي و نجهز اللافتات و الشعارات و الأغاني، كنا نعمل بسعادة كبيرة لأننا أدركنا أن ما نقوم به سيتسع ليشمل سورية بأكملها، كنا نضع اللثام لئلا تكتشف أجهزة النظام هويتنا، و لنستطيع متابعة مسيرة التظاهر، حتى وقعت ذات مرة بيد أجهزة الأمن التي استطاعت الوصول إلي عبر التنصت على هاتفي المنزلي ” .
يتابع أمجد روايته: “نجوت بأعجوبة من سجون النظام المجرم بعد شهور من السجن، لقد كانت نقمة أفراد الأمن علي كبيرة جدا، لقد كانوا يتسابقون و يتبارون في تعذيبي، يشتمونني و يذكروني بكلمات الأغاني التي كنت أرددها في الساحات ليعيدها من بعدي مئات الشباب الثائرين.
كانت عيونهم مليئة بالحقد، رأيت في عيونهم قيمة الأغاني التي كنت أرددها، و لمست في قوة ضرباتهم على جسدي الأثر العميق للافتات و الشعارات التي كنا نرفعها ” .
أدرك النظام منذ بدايات الثورة الدور العميق الأثر للفن و الثقافة في النضال ضده، فسعى لإسكات هذه الأصوات، و كسر الأقلام و الريش التي أوجعته.

متاحف بلا جدران:

جسدت الثورة السورية الصورة النموذجية للمتاحف بلا جدران، فكانت الشوارع شواهد على آثار الحرب الهمجية التي شنها و يشنها النظام القمعي السوري ضد شعب ثار في سبيل حريته و كرامته .
يكفي أن تتجول في شوارع و حواري المناطق المحررة في سورية لتصادفك نماذج إبداعية تأسرك باللمسة الفنية التي تعكسها , فترى بقايا مقذوفات الصواريخ و قد تحولت بفعل اليد المبدعة و الفكرة الخلاقة إلى ؛ أراجيح للأطفال الأصغار، أو حواضن للأزهار !
ينبت الزهر رغماً عن آلة القتل، فالمقذوف الذي كان يحتوي على البارود استحال إلى ؛ أرجوحة يلهو بها الأطفال و لوحة فنية ساحرة و شمعدان يحمل شموعاً تنير درب الأمل رغم حلكة الظلم و القمع، إنها إرادة الحياة التي تتحدى الموت، تجسدها اليد المبدعة التي تفننت في رسم ملامح هذا التحدي

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى