الرئيسية / تحقيقات / معاناة اللاجئين السوريين تستمر في دول الغرب – أحمد عثمان
معاناة اللاجئين السوريين تستمر في دول الغرب –  أحمد عثمان

معاناة اللاجئين السوريين تستمر في دول الغرب – أحمد عثمان

 

 

خسرت سورية خلال السنوات الست الماضية أعداداً كبيرة من أبنائها وباتوا تحت التراب، بينما اضطرّ قسم آخر إلى هجرة هذا التراب بعيداً. فهل خسرت سورية هذا القسم من أبنائها أم كسبته؟

ست سنوات من الحرب والدمار مضت ولما تنتهِ الحرب بعد، هذا ما دفع الكثير من السوريين للهجرة إلى مختلف دول العالم وكانت القارّة الأوربية مقصداً لملايين السوريين. نعم فقد هاجروا هرباً من جحيم الحرب في سورية ومن ملاحقة سلطات النظام وتضييقها على الناس.

محمود شاب سوري يقيم في السويد منذ نحو عامين يقول متحدثاً عن ظروف وأسباب هجرته لـ”الغربال”: ” كنت أعمل في لبنان قبل الثورة بسنوات، وعندما اندلعت الثورة عدّت إلى سورية، فاعتقلتني قوات النظام خمسة عشر يوماً. عدّت بعدها إلى لبنان التي لم أعد أشعر فيه بالأمان وكانت زوجتي وقتها حامل فاضطررت للهجرة إلى أوربا”.

 

طريق محفوف بالمخاطر:

يعبر السوريون إلى دول أوروبا وأمريكا بطرق مختلفة، وبصعوبات متفاوتة، لعلّ أخطرها البحر الذي أغرقت أمواجه كثيراً منهم.

وبرّاً يعبر آخرون إلى أوروبا عبر تركيا، وتتوقف مخاطر الطريق بحسب بُعد المحافظة السورية عن الحدود التركية، ليكون الطريق من المحافظات الجنوبية درعا والقنيطرة الأطول والأخطر والأكثر مشقّة. يبدأ مسلسل الخوف عند الدخول في محافظة السويداء حيث اللجان الشعبية الدرزية التي تتربص بهؤلاء الفارين. ومن يقع بين يدي اللجان يصبح تحت رحمة طمعها وجشعها، إذ تطلب اللجان مبالغ خيالية من ذوي الأسرى، وإلا سيتم تسليم أبنائهم إلى فروع النظام الأمنية.

آخرون وجدوا طريقاً أكثر سهولة كأبي حسين الذي وصل إلى النرويج عبر مفوضية الأمم المتحدة. يقول متحدثاً لـ (الغربال):”اتصلت بي المفوضية وعرضوا عليّ الذهاب إلى أمريكا فوافقت، وعندما راجعت مكتبهم في الأردن أخبرتهم بأن لي أخوة في أوروبا، استمرت هذه الإجراءات نحو عام ونصف العام أجريت خلال هذه الفترة عدّة مقابلات سُئلت فيها حتى عن أدقّ تفاصيل حياتي، ثم أخبروني بأني سأسافر إلى أوربا حيث أخوتي هناك، وفعلاً سافرت بالطائرة على نفقتهم إلى النرويج”.

 

 مصاعب وتحديات شتّى

يخيل للباحثين على الأمن والأمان والحياة الكريمة والرفاهية أن أحلامهم ستتحقق فور وصولهم إلى البلد الذي يقصدونه، لكنهم يصطدمون بمصاعب جديدة، لعل أبرزها فرص العمل.

ويرجع سبب الصعوبة في الحصول على عمل إلى عدم إتقان اللغة الأجنبية لدى الكثير من السوريين كما يخبرنا أبو ميس : “هنا في السويد يوجد دائرة تقوم بتدريب اللاجئين على المهنة التي يرغبون بها، أنا مهنتي الأساسية معلم معجنات واجهت صعوبة في البداية بسبب عدم وجود لغة. كان في العمل معي شخص مغربي ساعدني كثيراً في هذا الموضوع، لكن الأمور تكون أسهل بكثير لمن يتقن الانكليزية لأن كل السويديين تقريباً يتحدثون الانكليزية، فرص العمل في السويد قليلة مقارنة بألمانيا لأن فصل الشتاء أطول والسكان أقلّ”.

 

مجتمع مختلف

بلد اللجوء بلد مختلف، سكانه مختلفون بلغتهم ولباسهم وعاداتهم وسبل حياتهم لذا يتعين على السوريين التعايش والتكيف مع المجتمع الجديد، لكن هناك أمور لا يمكن تقبلها أو استساغتها بأي شكل من الأشكال لدى السوريين، وقد يكون الحلّ في التجاهل.

يقول خالد المقيم في النرويج لـ (الغربال):” نحن شعب محافظ وهناك أمور نجدها صعبة على سبيل المثال قد ترى وأنت تسير في الشارع أشخاصا من مثليي الجنس، هذا أمر طبيعي بالنسبة لهم لذلك عليك أن تتجاهل وتمضي في طريقك”.

يتابع خالد كلامه ليلفت نظرنا إلى أشياء وظواهر إيجابية تستحق الاحترام والتقدير كما يقول:”الناس هنا يحترمون القانون، والقانون فوق كل اعتبار، القانون يحكم الجميع، كما أنّ لكلّ شخص حريته الشخصية التي لا يستطيع أحد انتهاكها”.

أم مصطفى امرأة سورية تعيش مع عائلتها في دورتموند الألمانية تقول لـ (الغربال):”فرحت في البداية عندما خرجت من سورية ونجوت بأولادي، ولكن عندما وصلت إلى

هنا لاحظت أن خطراً جديداً يهددهم، إنّه هذا المجتمع المختلف بعاداته وتقاليده عنّا، حيث الانحلال الأخلاقي والحرية المبالغ فيها، فأنْ تخرج الفتاة من بيتها متى تشاء ومع من تشاء ثم تعود بعد منتصف الليل أو ربما بعد أيام فهذا أمر طبيعي جدّاً بالنسبة للألمان، لكنني لا أستطيع أن أقبل بهذا الأمر بالنسبة لبناتي اللواتي أصبحن شابات وهذا ما يزيد في قلقي”.

 

ثم تتابع أم مصطفى: “أسعى أنا وزوجي جاهدين في المحافظة على أبنائنا دون أن نقيّد حريتهم أو نكبتهم، وذلك عبر توعيتهم بكيفية التعامل مع الوسط المحيط”.

أم وائل بدت أقلّ قلقاً على أبنائها من أم مصطفى مع أنهما تعيشان في ذات البلد وضمن الوسط ذاته وقد سوّغت أم وائل ذلك بقولها: “لا أشعر كثيراً بالخوف على أولادي من هذا الوسط الذي تتكلمون عنه، لأن أعداد السوريين في ازدياد هنا، ويستطيع أولادي التواصل مع أبناء بلدهم الأصلي فيحافظون على لغتهم وثقافتهم وهويتهم”.

قسم من الشباب السوري جرفته مغريات المجتمع الأوروبي واستلم لأمواجها، وذلك كما حدث مع معتز المقيم في النمسا والذي تحدث لـ (الغربال) قائلاً: ” أستطيع أن أفعل ما أشاء وأن ألهو وأسهر وأذهب وآتي دون أن يسألني أحد ماذا تفعل ولماذا، لقد ارتحت كثيراً من تلك القيود التي كنت مكبلاً بها”.

لكن الأمر يختلف كثيراً في تركيا وهذا ما جعل الكثير من السوريين يفضل البقاء في تركيا على متابعة الرحلة إلى أوروبا، فالبلد ذو غالبية مسلمة وما زال يحافظ على كثير من العادات والتقاليد القريبة من عادات المجتمع السوري وتقاليده.

سوزان أحمد وهي صحفية سورية ومدافعة عن حقوق الإنسان تقيم في تركيا تحدثت لـ”الغربال”  بهذا الخصوص وقالت: “بشكل عام السوريون من الخلفية المحافظة يفضلون المجتمع التركي على الأوربي بوصفه مجتمعاً إسلامياً، سمعتها مراراً من عدد من الأشخاص يقولون يكفي أننا أسمع الآذان في تركيا، وترى الكثير من العوائل أن المجتمع التركي يتمتع ببعض العادات المحافظة والمشابهة لبعض عادات السوريين، مما يجعلهم يفضلون البقاء في تركيا على الرحيل لأي بلد أجنبي”.

وترى سوزان أحمد أن السوريين قد نجحوا في التكيف مع المجتمع الجديد، وضربوا مثالاً رائعاً في تقبل الآخر والانسجام مع المحيط الجديد الذي وجدوا أنفسهم فيه، وتتابع كلامها قائلة: “نجح كثير من السوريين في جعل المجتمعات المضيفة تتقبل السوريين كزملاء عمل أو جيرانأ وأفراد مجتمع يقاسمونهم تفاصيل الحياة في مدنهم.

 

الوطن في عيون أبنائه المُبعدين

ويصبح الحنين للوطن طعماً مختلفاً لكنه طعم مرّ، فالمواطن ترك وطنه مرغماً، والوطن مازال يعيش محنته، وما زالت مخالب الحرب تمزق جسده وتفتك بمن بقي فيه من أبنائه.

تقول سوزان أحمد: “يبقى الحنين إلى الوطن قائماً في أيّ حالة اغتراب، ولكن في حالة الاغتراب القسري ووطن يمرّ بما تمرّ به سورية يكون للحنين مرارة أكبر بسبب الخوف على من بقي من الأهل، ويبقى الأمل بالعودة السريعة للوطن والتطلّع للمشاركة في إعادة إعمار البلاد والمساهمة في تطوير كلّ مناحي الحياة، وفق الخبرة التي قد يكسبنا إياها الاغتراب”.

أما بلد المهجر فمهما طالت الإقامة فيه ومهما كان فيه من مغريات ورفاهيّة إلا أنه لن يكون بديلاً عن الوطن الأم كما يقول الكثيرون، ومن بينهم حسام الذي يرى أن العودة إلى سورية حتمية، حيث يقول متحدثاً لـ(الغربال): طبعاً سنعود إلى سورية، وسنشارك جميعاً في بناء هذا الوطن الجميل حجراً حجراً، وستعود سورية أفضل من قبل إن شاء الله”.

أبناء سورية الذين خرجوا منها مكرهين ما زالوا يحملون معهم أحلامهم بسورية جديدة يسودها العدل والحرية والمساواة، ويتطلعون بعين التفاؤل إلى ذلك اليوم الذي سيتمكنون فيه من العودة إلى وطنهم والمشاركة في بنائه.

 

 

 

 

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى