الرئيسية / أخبار / الشحادة بالدولار والعطية بالليرة.. الفساد ينخر مؤسسات الثورة السورية – سما مسعود
الشحادة بالدولار والعطية بالليرة.. الفساد ينخر مؤسسات الثورة السورية – سما مسعود

الشحادة بالدولار والعطية بالليرة.. الفساد ينخر مؤسسات الثورة السورية – سما مسعود

بلغ عدد الهيئات والمنظمات والمؤسسات السورية العاملة تحت مسمى منظمات المجتمع المدني ما يقارب 2000 منظمة، تتسابق هذه المنظمات في خدمة السوري اللاجئ في وطنه أو خارج وطنه على حد سواء، دون أن يطرأ على هذا السوري تغير كبير رغم العمل الدؤوب طوال السنوات الست الماضية.

الحاجة أكبر من الإمكانية
تركّز جزء كبير من اللاجئين الفارين من الحرب في المناطق الحدودية في تركيا والأردن ولبنان والعراق، الغالبية العظمى من هؤلاء اللاجئين عاطلون عن العمل بسبب ظروف وطبيعة البلد المضيف تارة وقوانين تحد فرص عملهم تارة أخرى.
هذا الأمر الذي حمّل المنظمات الإنسانية ومنظمات المجتمع الدولي عبئاً كبيراً في تحمل أعباء أسر بكاملها، حيث بلغ متوسط حاجة الأسرة الواحدة التي يتكون عدد أفرادها من 5 أشخاص، في الشهر الواحد قرابة 500 $ خارج المخيمات.
سعيد واحد من آلاف السوريين اللاجئين في لبنان يقيم وعائلته منذ 4 سنوات في المتن بالجبل، شرح معاناته خلال حديثه مع الغربال: “لم أتمكن من العمل بشكل منتظم حتى اليوم، فالمجتمع لا يتقبلني، أسرتي مكونة من 6 أفراد، لم أتلق مساعدات من الأمم المتحدة أو المنظمات الخيرية السورية ولا مرة بالرغم من المراجعات المتكررة لمراكزهم ومن الشكاوي التي سجلتها لدى مكاتبهم”.
بلغ عدد الدول المساندة للثورة السورية في بداية الثورة أثناء انعقاد مؤتمر دول أصدقاء سورية –المؤيدة للثورة السورية- نحو 70 بلداً لم يبق منهم اليوم فعلياً سوى تركيا وقطر ومبادرات خجولة من دول أوربية وإسلامية.
فاق عدد النازحين السوريين داخل سورية حتى 2015 الـ 7 المليون نازح بينما وصل العدد في دول الجوار إلى 4 مليون لاجئ وذلك وفق إحصاءات الأمم المتحدة.
فساد داخلي وسوء في الصرف المالي
أوضح خضر السوطري مدير اتحاد منظمات المجتمع المدني في لقاء إعلامي له “أن هناك فساداً ضمن منظمات المجتمع المدني السورية، لكنه في الوقت نفسه قال بأن نسبة هذا الفساد لا تتجاوز 20%”، وقد عزا الأمر إلى قلة الخبرة والعوز الذي عاناه السوري فجأة خلال الحرب.
بينما قال محمد النعيمي مدير الرابطة السورية للاجئين السوريين مقابلة إعلامية :”تصرف منظمات المجتمع المدني شهرياً 7 مليون و100 ألف $ أميركي رواتب للموظفين، غيرَ المصاريف الأخرى وإجارات الفنادق والفواتير”.
وشرح قائلاً: “توجد منظمات مرخصّة وغيرها غير مرخص، ولكن هناك سوءاً فى التنسيق والإدارة، كما توجد بعض المنظمات التي تعمل بشكل غير مؤسسي، فعلينا أن نعمل بشكل مؤسساتي، وأن نبتعد عن السياسة، فنحن نهدف إلى تقديم العون للجميع ولا بد أن ننظر إلى الفئات الأكثر تضرراً”.
من جهته يقول عبد الحفيظ الحولاني، وهو صحفي سوري عايشَ الوضع تماماً في بلدان اللجوء، في لقاء خاص له مع الغربال: “إنهم لصوص أقصد المنظمات الإنسانية والجميعات الخيرية التي تعمل لصالح السوريين”.
وشرح الحولاني كلامه قائلاً :”إنهم يتحولون من شكل إلى آخر، فمرة هم جمعية للأرامل وغداً للأطفال المعوقين، يعمدون إلى حلّ أنفسهم بعد كل فضيحة أو –تخبيصة مالية- ويعيدون إنتاجها بشكل آخر”.
وأضاف :”لقد غرسوا ثقافة الإذلال في نفوس الأطفال والأرامل فأثناء توزيع كل معونة كانوا يصورونهم وهم يشكرون ويناشدون الكرام لأجل مساعدتهم”.

موازنات كاذبة ومشاريع وهمية
أفاد مروان محمد وهو إداري سابق كان يعمل لدى إحدى منظمات المجتمع المدني المعنية بإغاثة الداخل، في اتصال هاتفي معه أجرته غربال: “عندما كنا بحاجة لاختبار السوق لأجل إتمام الدراسة المالية للمشروع لاختيار أفضل الأسعار الموجودة، ورفعه للجهة المانحة كان المدير يتلاعب بالأسعار حيناً أو أنه يلغي عملية اختبار السوق بالكلية”.
وشرح محمد قائلاً :”كان يُطلب مني وضع عرض أسعار وهمي هو أكبر من أسعار السوق، ومن ثم يعالج الأمر مع المسؤول المالي للمؤسسة، ما يعني أنه كان يشتري مواد بسعر أقل مما هو مرفوع بالتقرير للجهة المانحة، بحيث يبقى هناك جزء من المبلغ ضائعاً لا يتم توثيقه بشكل فعلي للجهة المانحة”.
وجاء في إفادة الإداري الرافض للإفصاح عن هويته أن إدارة المؤسسة كانت تتلاعب بعدد الجمهور المستهدف من المشروع “فحين يُرفع إغاثة 1000 عائلة في الشمال السوري كانت الحقيقة أن المستفيدين من المشروع لايتعدى الـ500 عائلة، هناك أسماء وهمية لأشخاص وهميين يتكررون في كل مشروع”.
وخلال حديثه نوه محمد أنه كما وجد مغاثين وهميين فإن موظفين وهميين كانت تُسجل أسماؤهم في لائحة الرواتب شهرياً “العديد من الزملاء لم يداموا أو حتى لم يزورونا في المكتب مرة واحدة؛ لكنهم كانوا يتقاضون أجوراً شهرياً ويتم التوقيع على استلام المبالغ”.
تحويل الأموال للمناطق المحاصرة له حصة أيضا من الفساد المالي التي تعايشه هذه المنظمات والمؤسسات، حيث أفاد موظف في القسم المالي لمنظمة تنفذ مشاريع دعم صغيرة في الغوطة الشرقية المحاصرة بريف دمشق للغربال “يتم تحويل الأموال إلى الغوطة الشرقية بنسبة 12% ورقياً، والحقيقة أن نسبة التحويل 2% أي أن هناك 10% فارق بين الحقيقة والواقع”.
في ذات السياق أعرب سامر العبد وكان موظفاً في إحدى المنظمات الطبية (العاملة فقط للداخل السوري) قبل أن يهاجر إلى ألمانيا، أعرب عن أسفه لحال المنظمات السورية والتي باتت على حد تعبيره “باباً لكسب رزق البعض وطريقاً لجمع الثروة لدى البعض الآخر”.
وأردف العبد الذي طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً على مصدر رزقه الوحيد في الغربة :”إنهم كاذبون ينفذون مشاريع وهمية على الورق فقط، ويقبضون عليها من المؤسسات الأوربية الداعمة، بينما يبقى أولئك المساكين في حالة عوز مدقع”.
وأضاف :”ماذا لو قلت هذا العمل خاطئ إنكم سارقون ماذا برأيكِ ستكون النتيجة؟ سأطرد من العمل، سأكون فريسة للذل في غربتي هنا، لقمة أولادي بأيديهم لذلك أنا مضطر للسكوت”.

القبض بالدولار والصرف بالليرة
أفادت مسؤولة إدارية في إحدى المنظمات المعنية بتمكين المرأة في لقاء خاص مع الغربال –فضلت عدم الكشف عن هويتها مخافة أن تفقد عملها مصدر رزقها الوحيد- :”صُرف مبلغ 80 ألف $ لمؤسستنا لدعم المرأة اللاجئة في مخيمات اللجوء، لكن الإدارة ارتأت صرف 10 آلاف فقط بينما قالت بأن السبعين المتبقية ستتوزع بين مصاريف إدارية ووديعة في الصندوق للظروف الطارئة”.
وأضافت :”لم نكن مضطرين لدراسة أي مشروع، فقبل كل مشروع كانت تأتينا الدراسة جاهزة، بغض النظر عن أسعار المواد التي نحتاجها في السوق”.
تحصل غالبية منظمات المجتمع المدني المختصة بالشأن السوري على الدعم المادي، من خلال تبني منظمات أممية أو إقليمية لها عبر الشراكة أو الدعم المشروط والمحدود، لذلك فإن الاستلام يكون بالدولار وفق المعايير الدولية بينا يبقى الصرف غالباً بعملة البلد التي تنشط فيها المنظمة.
وتعتمد هذه المنظمة التي تمكنّا من التواصل مع موظفيها وإداريّيها، على اللاجئات السوريات في مخيمات الداخل والخارج، للحصول على الدعم من بعض المؤسسات الإقليمية الراعية والكبيرة.
وفي شهادة حصلت عليها الغربال من إحدى العاملات في “المعمل” الذي افتتحته المنظمة حديثاً في مخيم حدودي على الأراضي التركية تقول :”نقوم بالعمل يومياً لمدة 8 ساعات نتقاضى في اليوم الواحد 15 ليرة تركية فقط –مايعادل 5$- وفي حال اضطرت إحدانا للغياب فإنها ستحرم من أجر ذلك اليوم”.
وتعد العاملات في هذا “المعمل” المعيلات الوحيدات لأسرهن التي تتكون غالباً من 5 أفراد، ما يعني أن الأسرة تعيش تحت خط الفقر العالمي وفق معايير الأمم المتحدة التي توضح بأن الفقراء هم “أولئك الذين يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم للشخص الواحد” وبالتالي فإن الوظيفة الأساسية من وجود هذه المنظمة قد انتفت، فهي لم تتمكن من المساعدة في إخراج أسرة واحدة من دائرة الفقر.
وأوضحت المسؤولة الإدارية في ذات المعمل أن نظراءهم في المنظمة الأم التي مقرها في اسطنبول يتقاضون ثلاثة أضعاف هذا المبلغ على أقل تقدير في اليوم الواحد.
ونوهت الإدارية إلى الفارق الكبير بين فرعي المنظمة نفسها في اسطنبول وفي المخيم الحدودي، حيث تنعدم في معمل المخيم مستلزمات التدفئة خلال فصل الشتاء البارد خاصة وأن المعمل بني من الصفيح، بينما “تصرف للمعمل موازنة تدفئة وإنارة تصل إلى حد 10آلاف $ من قبل المؤسسات الداعمة لا يصلنا منها شيء” بحسب ما قالته الإدارية التي تابعت كلامها :”بينما ترتجف العاملات من البرد أثناء العمل، ينعم موظفو المؤسسة في اسطنبول بالتدفئة والوجبات المجانية يومياً، إنهنّ يأكلن حقنا فهذا الدعم أتى لأجل نساء المخيم”.
وأردفت :”أنا وهنّ مسكينات، إننا مسكينات حقاً، لم ولن نتمكن من التوقف عن تقبل هذا الذل فنحن مضطرون للعمل ووفق هذه المعطيات القاسية لأننا نريد أن نعيش فقط، هم يشحدون علينا، ونحن لا نريد أن نشحد من الأبواب فكرامتنا فوق كل شيء”.
لكنها تساءلت: “عندما نسكت عن حقنا ونرغم على العمل كالعبيد فهل بقي لنا كرامة؟!”.
تعد منظمات المجتمع المدني إحدى الركائز الاجتماعية الأساسية للدولة إلى جانب المؤسسات الحكومية المستقلة والمؤسسات القطاع الخاص.
وفي ظل غياب الحكومة ومؤسساتها المستقلة والخاصة يقع على عاتق منظمات المجتمع المدني مسؤولية كبيرة في النهوض بوعي المواطن، والمساهمة في زيادة نسبة الانفتاح الثقافي واالكشف عن المبدعين ورعايتهم؛ إضافة لدورها الهام في ممارسة دورها بالرقابة والتقييم على حركة المجتمع.

 

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى