الرئيسية / أخبار / الإنسان القديم يظهر في سوريا من جديد – مها الأحمد
الإنسان القديم يظهر في سوريا من جديد – مها الأحمد

الإنسان القديم يظهر في سوريا من جديد – مها الأحمد

تقوم كوكب (45 عاماً) من قرية حزارين في ريف إدلب بإشعال الحطب لكي تطبخ لأولادها طعام الغداء، بينما يمضي ولدها البكر نهاره كله في الحقول المجاورة لجمع المزيد من حطب التين والزيتون من أجل الطبخ في الأيام القادمة، في حين تقوم الصبية رنا بوضع الماء ومسحوق الغسيل في وعاء واسع لتغسل بيديها ما اتسخ من ملابس العائلة، إنه ليس مشهد فيديو عن حياة الإنسان في القرون الوسطى! وهم ليسوا أناس لم يواكبوا التطور في العيش، بل إنها حياة حقيقية يعيشها الكثير من السوريين هذه الأيام في المناطق المحررة، فرضتها عليهم ظروف الحرب والفقر والنزوح وغلاء الأسعار، تعاني المرأة من قساوتها بشكل خاص بعد أن كانت تتمتع بشيء من الرفاهية في أسلوب العيش قبل الحرب، تقول كوكب معللة سبب طبخها على الحطب: “لقد ارتفع سعر أسطوانة الغاز إلى 12 ألف ليرة سورية وهذا مكلف جداً بالنسبة لنا خاصة وأن عائلتنا كثيرة العدد، لذلك نستعيض عن الغاز في الطبخات الكبرى بالحطب، الذي نحصل عليه من أشجار حقولنا فهو يعتبر أوفر بالنسبة لنا، في حين نحتفظ بجرة الغاز للطبخات الصغيرة كطهو الشاي وإكرام الضيوف”.

بينما لا تجد الجدة خديجة (75 عاماً) صعوبة في استخدام هذه الأساليب القديمة في العيش، رغم كبر سنها وبدائية هذه الأساليب لأنها تعتبر نفسها قد عادت إلى مرحلة قديمة من حياتها، كانت قد عاشتها عندما كانت صبية صغيرة كما تقول، وتخبرنا كيف كان أجدادها يقضون ليلهم على السراج ويحصدون نبات الحنطة بالمنجل بدلاً الحصادة الآلية، باذلين الكثير من الوقت والجهد، كما توضح خديجة أنها واكبت مراحل التطور في أساليب العيش جميعها، منذ الغسيل على الغسالة العادية التي كانت مدعاة للفخر في بدايات ظهورها، مروراً بالغسيل على الغسالة الأتوماتيكية التي كانت ثورة تقنية أراحت المرأة من أعباء الغسيل، وها هي الآن عادت للغسيل على يديها، بينما تلاقي زوجة ولدها علا (35) عاماً صعوبة في تحمل هذه الأساليب التي لم تعتد عليها أبداً، تقول علا: “لقد انقطعت الكهرباء عنا منذ العام 2014 تقريباً، بعد أن دمرت قوات النظام محطة زيزون التي كانت تزودنا بالكهرباء إثر تحريرها على يد المعارضة، ومنذ ذلك الوقت يتحيل الناس للحصول على الكهرباء، بعضهم عبر السراج والبعض الآخر ممن يتمتعون بحالة مادية جيدة يستخدمون المولدات الكهربائية أو الطاقة الشمسية، ولكننا علمنا أن مولدة جارنا أبي معتز ستقوم بتوزيع الأمبيرات على الناس على شكل اشتراكات حسب الطلب، وتأمل علا أن تمكنهم حالتهم المادية من استقدام أمبير واحد للإنارة فقط، خاصة أن الكاز الذي يستعملونه للإضاءة يتم فقدانه أحياناً من السوق، وأحياناً ترتفع أسعاره بجنون”.

وبالطبع فإن مشكلة الخبز تطفو دائماً على السطح في المناطق المحررة، فانقطاع الطحين أو المحروقات، وعدم ثبات أسعار الخبز وغلائه بالنسبة لدخل القرويين، وعدم قدرة بعض العائلات على تأمين قوت يومها لكبر حجم العائلة، أجبر النساء في القرى على إحياء تراث “التنور”، تقول أم محمود: ” قمت بطحن حجر الحال وأضفت إليه شعر الماعز والطين وصنعت تنوراً كما كانت تفعل أمي وجدتي من قبل، وبذلك أضمن إطعام عائلتي حتى عند توقف الأفران عن العمل، وأسعد زوجي أبي محمود الذي يجد لخبز التنور طعماً لذيذاً ويفوق في جودته خبز الفرن العادي”.

تصدر أقدام حصان عماد صوتاً رناناً حين يمشي منقلاً خطواته في شوارع كفرنبل، يذكرهم بحقبة قديمة من الزمن عاشها أجدادنا منذ قديم الزمان، عندما كانوا يتخذون من الخيل وسيلة للتنقل وقضاء الحاجيات والسفر، بدلاً من السيارات التي تعمل على البنزين، يقول عماد: “لا يكلفني حصاني المزيد من المصروف خاصة في هذه الأيام أيام الربيع فهو يقتات على ما تجود به الأرض من أعشاب، وفي باقي أيام السنة أطعمه من الشعير الذي أزرعه في أرضي للبيع والتجارة، كما قمت بتركيب عربة صغيرة لحصاني لأتنقل فيها في شوارع المدينة، لأبيع بواسطتها بعض الخضار والفواكه الطازجة التي قطفتها من أرضي”، ويكمل عماد : “نظراً لعدم الاستقرار في توفر مادتي البنزين والمازوت للتنقل، وجدت أنه من الملائم أن أستخدم هذه المركبة وتدعى (الطنبر) في لغة أهل البلد، فالأرض الزراعية للعلف موجودة والمطر من السماء موجود، وهذه الأشياء لا تنقطع بإذن الله مهما اشتدت وتغيرت الظروف، كما أنني أستفيد من حصاني في حراثة أرضي، وبذلك أوفر تكاليف الحراثات”.

أما أم منذر (55 عاماً) التي امتهنت الحرف التراثية منذ شبابها، فقد أصبحت مهنتها شديدة الرواج هذه الأيام بسبب قلة ثمنها ومواكبتها للمرحلة الراهنة، حيث تصنع أم منذر التنور وتقوم ببيعه، فصناعته صعبة وتحتاج لمهارة ومعرفة بنوعية المواد المستعملة التي تنتقى بعناية حتى لا يتكسر مباشرة لعدم احتماله الحرارة العالية، كما تصنع مكانس القش التي لطالما فضلتها النساء في المنطقة على المكنسة البلاستيكية، وبذلك تؤمن أم منذر دخلاً جيداً لعائلتها وتساعد في مساعدة الفقراء على إكمال حياتهم وتخفيض نفقاتهم.

وكعادتها الكهرباء هي عصب الحياة والرفاهية، وبسبب غيابها كان على السكان ابتكار طرق لتلافي غيابها، ففي ظل توقف البرادات عن العمل، قرر أبو رزوق من قرية الجانودية إحياء صناعة الجرار الفخارية القديمة التي تمتاز بتبريدها للماء وإكسابه العذوبة، يقول أبو رزوق: “في ظل انقطاع الكهرباء عاد الناس يعتمدون على هذه الأواني، وازداد الطلب عليها، فقررت أن أفتتح مصنعاً خاصاً بي، أعمل به مع أولادي، نحيي به تراث أجدادنا ونستفيد من عائداته المادية”.

هذا وقد تسبب النزوح والحياة داخل المخيمات في عودة هذه الأساليب البدائية وأحياناً أكثر من الفقر، فلدى أم أحمد من كفرنبل (35 عاماً) منزل جميل ومجهز بكافة أساليب العيش المرفهة بحسب وصفها، ولكن ظروف القصف المتكرر على المدينة بالطيران الحربي جعلتها حالياً تسكن في خيمة متواضعة في قرية قاح الحدودية مع تركيا ليست مخدمة بشكل جيد، مما اضطرها للعودة إلى الحياة البدائية كما تقول، لدرجة أنها تقوم بتنظيف أواني الطعام على الأرض، وأيضاً تنشر غسيلها على الأشجار، وتنقل المياه بأواني خاصة مما يتطلب منها جهداً مضاعفاً، وتغسل الملابس بيديها، أم أحمد تأمل وتدعو الله أن تعود إلى بيتها وحياتها السابقة بأقرب وقت ممكن، وهي ترفض بنفس الوقت الهجرة إلى خارج وطنها!

على ألا نتخيل أن الناس جميعهم في المناطق المحررة يعيشون بهذه الأساليب البدائية، فما زال الناس يستخدمون السيارات للتنقل، والجرارات الزراعية والحصادات في الأعمال الزراعية، ويستخدمون الألواح الشمسية للتعويض عن فقدان الكهرباء، لكن الفقر الذي يرافق الحروب عموماً هو السبب في التفكير في البدائل التي توفر الحاجات الأساسية لكنها تكون عادة مصحوبة بالمعاناة. حصل ذلك مع كثير من بلدان أوربا التي عاشت تجربة الحرب العالمية الثانية وتداعياتها القاسية على الفرد والمجتمع. ففي ألمانيا، قرر الألمان التخلي عن أي شكل من اشكال الرفاهية المتعلقة بالغذاء وذلك في سبيل إبقاء الجهود والخدمات المقدمة لمصلحة ألمانيا فقط, فكان لابد من ايجاد حل بديل يكفل لهم تأمين الغذاء دون الحاجة لمد اليد الى الحكومات المسيطرة بعد الحرب. بدأ الألمان بتنفيذ مخطط على نطاق ضيق بزراعة أقسام من الحدائق العامة أو الحدائق المنزلية بالخضار الموسمية, لعدم وجود أراض زراعية صالحة بعد الحرب، تطور الأمر ليتحول إلى مبادرات على مستويات اكبر حتى باتت تطبق على نطاق الولايات, وكانت ألمانيا الشرقية اول من سار بذلك الاتجاه.

استطاع المواطن الألماني تحقيق الاكتفاء الذاتي من الخضار خلال سنتين, ومع كل مدة تمضي كانت المحاصيل تكثر لديه فتحول الأمر لعملية تبادل مع الوسط المحيط به، ونظراً لسهولة زراعة البطاطا اتجه قسم كبير منهم إلى زراعتها معتمدين على نظام التبادل لسد حاجات المواد الأخرى, فشعروا بضرورة وجود نظام مُحدد ينظم عملية زراعة الخضار الموسمية دون وجود فائض عن الحاجة أو نقص في بعض الأنواع, فدخل الأمر مرحلة التنظيم الزراعي ليتحول المواطن الألماني لمزارع منزلي متخصص بزراعة محصول معين يبادل الفائض منه مع الجيران من حوله لتحقيق تنوع غذائي ونظام تكافل اجتماعي على نطاق الحي.

أما في فرنسا، فقد قُطع عنها الوقود والمحروقات والغاز الطبيعي لفترة من الزمن, ومن ثم عاد بكميات شحيحة تتحكم بها الدول المنتصرة مقابل الخدمات المُكتسبة من المواطنين. وفي مناطق باردة في بعض المدن الفرنسية, لم يكون الوقود يستخدم لتشغيل  السيارات والمحركات فقط, بل كان بعمليات التدفئة والطبخ، فكان الضربة موجوعة على نطاقي الحركة ودرجات الحرارة. كان الحل الأمثل بالعودة إلى ما قبل اكتشاف الوقود واستخدام الطاقة البديلة, فاتجه السكان إلى استخدام الخشب المتوفر بكثرة، ومع مرور الوقت وجدوا أن استهلاك الخشب لهاتين العمليتين يُدخل البلاد في أزمة نقصان الخشب منها, فكان الحل تخفيض نسبة استهلاك الخشب بوضع قدور الطهي داخل غرف المعيشة لتكون الحرارة الناتجة عن احتراق الخشب طاقة للطهي وطاقة للتدفئة بذات الوقت. أما عملية التنقل فتمت باستخدام الدراجات الهوائية بدل السيارات ليتحول الوقود في فرنسا إلى نوع من أنواع الرفاهية غير المرغوب بها.

 

 

 

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى