الرئيسية / أخبار / آثار كارثية للحرب في سوريا على الروابط الاجتماعية ــ ابراهيم الصالح
آثار كارثية للحرب في سوريا على الروابط الاجتماعية ــ ابراهيم الصالح

آثار كارثية للحرب في سوريا على الروابط الاجتماعية ــ ابراهيم الصالح

 

ترمي الحربُ بظلالها على كافة جوانب الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وتتسبب بهزاتٍ ارتداديّة في المجتمع، فنشاهد تصدع في العلاقات الاجتماعيّة والأسرية.

وسنحاول من خلال هذا التحقيق رصد الآثار الاجتماعيّة، التي طرأت على المجتمع السوري إبان الحرب، من انقسام المجتمع سياسياً بين مؤيدٍ لهذا الطرف أو ذاك، إلى هجرة الكفاءات العلميّة والتحولات في المجتمع نحو مجتمع الحرب بكل ماتحمله هذه العبارة من معاني وما طرأ على الأسرة السورية من تغييرات نتيجة النزوح الداخلي أو الهجرة.

كانت الأسرة السورية مثالاً للترابط والتماسك الإنساني والأخلاقي، فالمناسبات الاجتماعيّة والدينيّة كالأفراح والأحزان والأعياد، يجتمع الجميع فيها، كذلك تربط أبناء الحي الواحد علاقات الود والتكافل.

 

انفصال العُرى الاجتماعيّة والانقسام بين مؤيد ومعارض

مع انطلاق الثورة السورية انقسم الشعبُ السوري، بين من يرى أن الثورة هي عبارة عن عمل تخريبي تقوده جهات خارجيّة تهدف إلى ضرب كيان الدولة واستقرارها، وبين فريق يرى أن من حق الشعب في التغيير نحو دولة العدل والمساواة والخلاص من نظام القمع والفساد، لذلك انقسم المجتمع بين هذا الطرف وذاك على مستوى الحي، وفي الأسرة الواحدة، وكلٌ له مبرراته التي لن نتطرق لها هنا، لكن سنحاول تتبع بعض الحالات التي تمثل هذا الانقسام.

“ربى” سيدة في العقد الثالث من العمر، بعد أن عَلِمنا بقِصتها قُمنا بالتواصل معها لتحدثنا كيف تخلى عنها زوجها بسبب الموقف السياسي لأقارب كل منهما، تقول ربى: منذ العام 2009 م تزوجت وأعيش حياة مستقرّة وأنجبت طفلة من زوجي “أبو سمير” الذي يعمل بالتجارة مع والده، وهو من عائلة ميسورة، ومع انطلاق الثورة وفي العام 2012م التحق شقيقي “مجد” الطالب الجامعي بقوات الجيش الحر، وبعد وصول الأخبار والقيل والقال إلى عائلة زوجي بأن شقيقي التحق ب(الإرهابيين) حسب تعبيرهم، حاول زوجي التكتم على الموضوع، وعدم الخوض في هذا الحديث مع أهله، إلى أن وصلت الأمور بوالد زوجي الطلب من ابنه بطلاقي خوفا على مصير ابنه وعمله وتجارته، وبعد محاولات زوجي بإقناع والده بان لاعلاقة لي بشقيقي، إلا أن والده أصرّ على الطلاق، وتحت تهديد والده بالتخلي عنه وطرده من العمل قام بطلاقي، وانتقلت بعد ذلك مع طفلتي للعيش في بيت أهلي، وتعلمت مهنة التمريض للعمل في احد المستوصفات وقد تغيَّرت حياتي كلياً بعد ذلك، إلا أنني غير نادمة لأني اشعُر بالراحة وأنا أقف بجانب أهلي البسطاء المظلومين وأحاول تقديم ما استطيع لهم من خدمات.

كما تسبَّبت الحرب بتباعد أفراد العائلة الواحدة بحسب انتماء كل فرد من أفرادها، وبالانتقال إلى منزل الحاج محمود، نجده يجلس على مسطبة، أمام منزله في قرية صوران، وهو ينظر إلى الأُفق البعيد، دون أن يُشغِل نفسه بتفسير ذهاب أحد أبنائه طواعية للقتال في صفوف قوات النظام في حين شقيقه الأكبر قد استشهد على أسوار “مطار منغ” بالقرب من مدينة إعزاز.

وعند سؤال الحاج محمود عن علاقته بابنه الذي التحق للقتال بصفوف قوات النظام، يقول: أنا تبرأت منه لأنه ذهب إلى صفوف (القاتل) بإرادته ولم يكن مجبراً على ذلك، وهم بالنهاية مشاريع قتل مجاني بحسب تعبيره لا أريد أن أرى ولدي (مجرم رخيص).

هكذا لعب الموقف السياسي والاصطفافات العقائدية دورا في خلق شرخ في المجتمع والأسرة.

النزوح والهجرة وتشتت العائلات

شهدت سنوات الحرب موجات من الهجرة باتجاه الدول الأوربيّة خاصة، وبعض البلدان المجاورة كلبنان والأردن وتركيا، وبسبب صعوبات طرق الهجرة ومخاطرها خرج الشباب والرجال تاركين خلفهم عائلاتهم على أمل أن تلحق بهم كمرحلة ثانية، لكن نتيجةً لظروف وصعوبات الحياة والقوانين في دول اللجوء وخاصة بالنسبة للسوريين، تعرضت العلاقات العائليّة لمشاكل كثيرة منها الطلاق، بسبب زواج الرجال من نساء من جنسيات أوربيّة املآ بالحصول على جنسيّة تلك الدول، وتحسين أوضاعهم، بالمقابل شهدنا حالات من طلاق بعض النساء بناء على رغبتَهُن

نتيجة بُعد الزوج وفقدان التواصل وما يترتب على ذلك من مشاكل عائليّة، بالمقابل نجد هناك الكثير ممن استطاع التمسك بعاداته والروابط العائليّة والأخلاقيّة، وتابع حياته العلميّة والعمليّة وهم قِلَّة من ميسوري الحال.

الزواج في بلاد اللجوء وإشكالياته

يُعتَبر المجتمع السوري على العموم مجتمع محافظ على عاداته وتقاليده، ومنها تقديس الزواج وبناء الأسرة، لذلك يرى في الزواج سواءً للفتاة أو الشاب أمراً ضروريا ً، مهما كانت ظروف الحياة غير مستقرة. فنجد أن نسبة الزواج في المجتمع السوري في دول المهجر لم تتأثر بظروف الحرب، فكثير من الشباب قد تزوج في المُخيمات، وفي البلدان التي يُقيم فيها وعدم انتظار انتهاء الحرب، التي طالت أكثر من المتوقع، وغالبيّة حالات الزواج كانت تتم بين السوريين. وهذه لاتُعد ظاهرة غريبة أو طارئة، إنما حالات زواج السوريات من (أجانب) في الأردن ولبنان وتركيا تعتبر هي ناتجة عن حالة اللجوء، التي تعيشها الفتاة السورية وصعوبات الحياة، وفقدان المعيل وكَثُر الحديث عنها، وبشكل غير واقعي في كثير من الأحيان.

زواج الأتراك من سوريات وزواج السوريين من تركيات

في استقصاء عن أسباب إقبال الأتراك على الزواج من السوريات، نجد هناك مجموعة أسباب تجعل من الشاب التركي يفضل الزواج من المرأة السورية:

  • قِلَّة تكاليف الزواج مقارنة مع تكاليف الزواج بين الأتراك، الذي يبلغ متوسط تكاليفه /15000/دولار.
  • اهتمام النساء السوريات بإدارة شؤون البيت والزوج.
  • تقارب العادات الاجتماعية والأخلاقية والموروث الديني الواحد للشعبين

 

وبالبحث عن بعض حالات الزواج ومعرفة كيفيَّة سير الحياة بين زوجين مختلفين في الجنسيّة، تحدثنا إلى “أُم عمر” وهي امرأة في الأربعين من العمر تزوجت من رجل يحمل الجنسيّة التركيّة “مصطفى” وهو معلم مدرسة متقاعد لديه ثلاث أطفال، تقول أم عمر: تقدم السيد مصطفى لخُطبتي من شقيقي، وبعد السؤال عن سلوكه وأحواله تبين انه رجل مناسب وهناك إمكانيّة لتسجيل زواجنا بشكل قانوني في البلديّة، كون زوجته الأولى مُتوفية، وعلى ذلك تم زواجنا، والحياة مستمرة بيننا بتوافق تام وأصبحت هناك علاقات طيّبة بين عائِلتينا، فأقاربه يأتون لزيارتنا وكذلك أهلي وإخوتي، هم أُناس يشبهوننا بعاداتنا وتقاليدنا ولا اشعر بأي فارق أو غربة معهم.

كما تحدث لمجلتنا المحامي التركي “قادر كيليج”: الزواج في تركيا لايختلف عن الزواج في عموم البلاد العربيّة والإسلاميّة، من حيث التقاليد وطريقة اختيار الزوجة ومراسم الاحتفال، الفارق الوحيد هو أن الزواج هنا وبحسب قانون الأسرة التركي هو زواج مدني أي لا ينعقد إلا وفق الشكل الذي نص عليه القانون، وأمام دائرة “توثيق الزواج” في البلديات ومن قبل موظف مفوض بذلك، كما يُمنع تعدد الزوجات، فالقانون يسمح بالزواج من امرأة واحدة فقط، كما يشترط بلوغ الزوج والزوجة سن الثامنة عشر، ومن بلغ السابعة عشر ولم يتم الثامنة عشر يجب موافقة وليه أمام الموظف المسؤول، وغير ذلك يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون، لذلك ننصح من يود الزواج في تركيا أن يتبع الإجراءات القانونيّة وذلك لحماية حقوق الزوجين.

كما نشهد في الجانب الآخر حالات زواج بين شبان سوريين وفتيات تركيات، وهذه الحالات غالبيتها تكاد تنحصر في الأوساط المثقفة كخريجي الجامعات، الذين استطاعوا تجاوز الفوارق القومية أو المجتمعية، ويقدر عدد حالات الزواج بين مواطنين سوريين وأتراك مايقارب  /2000/ حالة، وفق دراسة نشرتها إحدى الصحف التركية.

 

هجرة الكفاءات ونزيف الطاقات البشرية

نتيجة ظروف الحرب وكون الكفاءات العلميّة في كل الحروب تشكل هدفاً لمجرمين الحرب والميليشيات التي تنشط في زمن الحرب، وكون أصحاب المهن العلميّة هم دائماً الأبعد عن جو العنف والحرب، لذلك نجد حالة من هجرة العقول، وخاصة تجسدت في المناطق التي يسيطر عليها النظام والتنظيمات المرتبطة بالقاعدة، بسبب استهدافهم إما بالخطف أو الاغتيال، وكثيرة هي الأمثلة على ما حدث  للأطباء والمحامين وأصحاب الفكر، كونهم أعداء الاستبداد والظلام،  فلم يكن إمامهم إلا الهجرة وخسارة أعمالهم، واضطر الكثير منهم للعمل بأعمال بعيدة، ولا تتناسب مع كفاءاتهم.

“احمد” خريج هندسة كهربائيّة، خرج من مدينة حلب في العام 2014م وتوجه نحو تركيا للبحث عن عمل ضمن اختصاصه، لكنه وبعد مراسلة جهات وشركات عِدّة للعمل ضمن اختصاصه في هندسة الكهرباء، لم يجد لدى أي منها القبول، مما اضطره للعمل في احد المطاعم السوريّة  في مجال الخدمة، وإيصال طلبات الزبائن.

فيما “أبو عبود” وهو رائد منشق عن وزارة الداخليّة يقول: بعد محاولات عديدة للعمل في اختصاصه في الداخل السوري، لكنه تعرض لمضايقات وتهميش مما اضطره إلى المغادرة إلى تركيا، ليتحول إلى عامل في احد الأفران، ثم إلى العمل في مجال التمديدات الكهربائيّة كونه يمتلك خبرة سابقة في هذا المجال، في حين نرى حكومات الدول التي يتواجد فيها اللاجئين السوريين تتسابق على استقطاب الكفاءات العلميّة والفنيّة والرياضيّة ومنحهم جنسيّة تلك الدول للاستفادة من خبراتهم، فقد منحت الحكومة التركيّة جنسيتها للعديد من الكفاءات أمثال عالم الرياضيات “جمال أبو الورد” ابن مدينة ادلب، التي تعتبر قوانين الرياضيات التي اكتشفها هي امتداد لعلماء الرياضيات السابقين أمثال الخوارزمي وآخرين، كما تم منح الجنسيّة التركيّة للموهبة الفنيّة عازف البيانو “تامبي اسعد” فيما تعاني الساحة السوريّة من نزيف الكفاءات التي تشكل الركيزة الأساسيّة لأي حركة تطور ونهوض، وتهدد بتصحر فكري وثقافي وعلمي، مما يجعل الجهات القائمة على إدارة البلاد وتمثيل الشعب السوري أمام تحدي كبير ومسؤوليّة توفير البيئة المناسبة ووضع إستراتيجيّة لاحتضان الطاقات الشابة والكفاءات العلميّة، ووضع خطط لعودتها والمساهمة في إعادة بناء الوطن.

 

ألمانيا نموذجاً لأثر الحرب على العلاقات الاجتماعية (اعداد محمد الخضر)

إحدى وسائل إعادة برمجة العقلية الألمانية كانت إجبار الألمان على زيارة معسكرات الاعتقال النازية، كما حصل في مدينة فايمر حيث تم إجبار كل سكان المدينة، رجالاً ونساءً، على التجول بين الجثث المتعفّنة ومعاينتها كي يعتبروا منها، ومع أن المشاهد كانت صعبة جدّاً إلا أنّها أثبتت فاعلية كبيرة كواحدة من أقوى الوسائل في تغيير العقلية الألمانية.

لكن، هذا لا يعني أنّ الاعتماد كان كليّاً على الوسائل الفظة، فالهدف من هذه الوسائل لم يكن تعذيب الألمان، ولكن دفعهم لأساليب تفكير جديدة للتواصل فيما بينهم وللتواصل مع الآخرين، لذا انطلقت حملة إعلامية ضخمة عمادها “أفلام البروباغندا” التي بدأت بأفلام تتحدّث عن فظائع النازية ومحاكمات قياداتهم، ثم انتقلت إلى المحتويات الإيجابية كالتسامح والأخوّة، والتي كانت تهدف لدفع الألمان إلى إيجاد آلية عمل مشتركة مع العالم. أحد أهم هذه الأفلام هو فيلم “كل البشر أخوة” الذي يظهر فيه أحد الألمان كما لو كان طفلاً تعلّم بعد عمر طويل أن الشعوب مختلفة، وأنهم يجب أن يعيشوا معاً.

بعدها برزت ضرورة الانتقال من مرحلة بثّ الأفلام إلى مرحلة العمل الواقعي على العلاقات المجتمعية، لذا تم إنفاق ملايين الدولارات على النوادي الثقافية والفنية و النقابات العمالية، في محاولة لبثّ هذه المفاهيم عن طريق تلك النوادي، وما سهّل المهمة بالدرجة الأولى رغبة الألمان نفسهم في التغيير، وعدم تكرار مآسي الحرب التي ذاقوها، إذ اعتبروا أنفسهم الخاسر الأكبر في الحرب العالمية الثانية. وفقاً إحصاءات موقع “دي فيلت” الألماني فإن الحرب العالمية الثانية استمرت 2077 يوماً، وبشكل أدق 49842 ساعة و 16 دقيقة، وفي كُل ساعة من ساعات الحرب، كان يموت 1000 إنسان من بينهم 100 جندي ألماني.

إلا أن وقوع ألمانيا تحت احتلال معسكرين مختلفين تماماً هما المعسكر السوفيتي و المعسكر الغربي أدى إلى حصول انقسام حاد بين الألمان أنفسهم , فالألمان في ألمانيا الشرقية الذين كانوا من ضمن المعسكر السوفييتي , كانوا يشعرون بالخيانة من قبل باقي الألمان , فهم يرون أن سكان ألمان الغربية قد تركوهم يواجهون مصيرهم لوحدهم , السيد هنريك شميت من سكان برلين الشرقية يقول :” كنا نشاهد الإعلانات التي تبثها القنوات العاملة في برلين الغربية , كانت الإعلانات تدعو المواطنين لشراء أشياء لم نكن في برلين الشرقية نحلم بامتلاكها حتى , رغم أننا نعيش في مدينة واحدة إلا أننا كنا نعيش بشكل مغاير تماماً , في برلين الغربية كنت تشاهد الرفاهية و التطور , بينما في برلين الشرقية فقد انتشرت الشرطة السرية التي كانت تعد علينا أنفاسنا , انتشر الفقر و البطالة , سكان الشقين الشرقي و الغربي هم أقارب في الأصل , و لكن التقسيم باعدهم عن بعضهم , و هذا ما جعل الحلم الأكبر لدى كثير من الشباب هو الانتقال للعيش في ألمانيا الغربية , و دفع الكثير منهم حياتهم ثمناً لهذا الحلم .

الاستراتيجية التي اتبعها المعسكر الشرقي أثبتت فشلها بينما الاستراتيجية التي انتهجتها دول الحلفاء أثمرت فيما بعد في ألمانيا، فبدأت ملامح التضحية والعمل الجماعي بالبروز لدى الألمان، وظهر هذا الأمر جلياً في تراجع التوتر بين الألمان من أصول غير ألمانية واللاجئين و المهاجرين الذين استقطبتهم ألمانيا للعمل فيها من جهة، والألمان أنفسهم من جهة أخرى، فقد انخرط الجميع في بناء الدولة الجديدة، كما ساهمت النقابات في ذلك بعدم المبالغة في مطالبها لزيادة الرواتب وتراجعت المطالب الفئوية أمام تحدّي بناء ألمانيا الجديدة.

 

 

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى