الرئيسية / مقالات / رأي / جسد سوريا الممزّق – رامي سويد
جسد سوريا الممزّق – رامي سويد

جسد سوريا الممزّق – رامي سويد

بات معروفاً وواضحاً لأي متابع للشأن السوري أن البلاد لم تعد كما كانت سابقاً وطنا يجمع شعبه على أرض واحدة، فبالإضافة للمآسي الناتجة عن ظروف الحرب متعددة الأطراف، التي تجري على الأرض، أنتجت هذه الحرب أيضاً شروخاً اجتماعية جديدة ورسخت وعمقت القديمة منها، بحيث بات السوريون منقسمين على أنفسهم، إلى درجة أصبح معها لم شملهم معاً شبه مستحيل في المدى المنظور.
يناقش كثر من السوريين هذه الأيام الكيفية التي ستؤول إليها الأمور في معركة الرقة المرتقبة، والتي ستفضي إلى طرد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) من المدينة، لكن النقاشات لا تتمحور في الواقع حول إمكانية طرد “داعش” من عدمها، أو حول كلفة العملية البشرية أو المادية، كما هو مفترض!
يتجه حوار السوريين المهتمين بالشأن الرقاوي إلى التوجس من البديل الذي سيخلف داعش في المدينة، فالخيار الأرجح هو قوات سوريا الديموقراطية، التي باتت المليشيات البرية الأكثر تفضيلاً لدى الولايات المتحدة الأمريكية، التي تقود بدورها ما يسمى بـ”الحرب على الإرهاب”، وهذا ما يعني أن الولايات المتحدة هي صاحبة القول الفصل بما يتعلق بشؤون هذه الحرب.
في الواقع تتكون قوات سوريا الديمقراطية من مليشيات كردية وعربية، إلا أن عمودها الفقري وقواتها القتالية الحقيقية هي في الواقع قوات “حماية الشعب” الكردية، وهذه القوات تتبع لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بزعامة صالح مسلم، الذي لم يعد يخفي تحالفاته متعددة الأوجه مع روسيا والأسد والأميركيين.
هذه اللون الطاغي على قوات سوريا الديمقراطية، بالإضافة للانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها هذه القوات ضد السكان في أرياف الحسكة والرقة وحلب، وبالإضافة أيضاً لاشتباك هذه القوات ميدانيا مع قوات المعارضة السورية بريف حلب في غير مرة، جعل من هذه القوات مكروهة في أوساط الشارع السوري المعارض لنظام الأسد.
وباعتبار أن الشارع السوري المعارض للأسد يكره قوات سوريا الديمقراطية، وباعتبار أن هذه القوات هي في الواقع قوات كردية مع “إكسسوارات” مليشيوية عربية عشائرية ومسيحية، بات نقاش مصير الرقة في الأوساط السورية يؤدي إلى نتيجة مفادها أن “الأكراد سيسيطرون على الرقة”.
إن اختصار الحدث الجاري في الرقة بهذا الشكل لا يشكل مفاجأة في ظل التأزم الذي وصلت إليه الحالة السورية، لكن هذا الاختصار يحمل فيما يحمل دلالة واضحة على ردة كاملة للسوريين عن سوريتهم.
فبعد سنوات من تركز الصراع بين قوات النظام السوري وقوات المعارضة السورية التي اصطبغت منذ عام 2013 بطابع مليشيوي إسلامي سنّي واضح، في مقابل اصطباغ قوات النظام تدريجياً بطابع مليشيوي شيعي مع دخول حزب الله والمليشيات العراقية والإيرانية وغيرها على خط الصراع إلى جانب النظام، بات الصراع اليوم يتجه نحو مسار جديد يصطدم فيه السوريون على أساس قومي عربي – كردي، بعد نجاح الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة بسوريا باستنزاف أطراف الصراع الأول السني – الشيعي، إلى درجة بات معها الطرفان بحاجة إلى شكل من أشكال الاستراحة.
أما المؤسف حقيقة في هذا المشهد المأساوي الذي تعيشه سوريا اليوم، هو أنّ الكثير من السوريين باتوا مستعدين لحمل سكاكين الآخرين التي ما فتئت تقطّع الجسد السوري، فعلى جانب نظام الأسد نجد آلافاً يرفعون رايات إيران وروسيا وغيرها، وعلى جانب المعارضة نجد آلافاً آخرين يحملون رايات تركيا والسعودية وغيرها، وعلى الجانب الكردي نجد آلافاً أيضاً يحملون رايات الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وغيرها.
ومع ازدحام الرايات الأجنبية على الأرض السورية، بات صعباً على الناظر إلى المشهد السوري أن يجد سوريّاً يرفع راية وطنية.
بدأت هذه الحرب القذرة في سوريا مع إصرار نظام الأسد على التمسك بالسلطة وإجبار الشعب على الخنوع بالحديد والنار، إلا أن هذا النظام وجد في السوريين، الذين أعلن كثير منهم رفضهم له، جسوراً عبر عليها مشروعه الهادف إلى تقسيم السوريين ليسهل عليه احتواؤهم ومن ثم لجمهم مجدداً في حظيرته.
واليوم وبعد مرور نحو ست سنوات على هذه الحرب، بات الانقسام في الشارع السوري قريباً من ذروته، واقترب إلى خط اللارجعة، دون أن يشاهد الممزّقون الذين يدفعون كل يوم ثمناً باهضاً من دمائهم ومصائر أبنائهم أي بصيص نور يوحي بإمكانية تجاوز هذه المأساة التي سقطت فيها سوريا.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى