الرئيسية / أخبار / النساء في المناطق الشمالية يتعرضن لمضايقات وسلاحهن الصمت – رشا الشحّاد
النساء في المناطق الشمالية يتعرضن لمضايقات وسلاحهن الصمت – رشا الشحّاد

النساء في المناطق الشمالية يتعرضن لمضايقات وسلاحهن الصمت – رشا الشحّاد

الغربال – لم تتراجع نسبة المضايقات التي تتعرّض لها النسوة في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، شمالي سورية، على الرغم من الانتشار الواسع للمفاهيم التي تجرّم إيذاء السيدات، ووضع عقوبات صارمة بحق المتساهلين، بل ازدادت الشكاوى في هذا الخصوص، وما زاد الأمر صعوبةً هو لجوء السيدات إلى الصمت أكثر من ذي قبل، بسبب الخوف من العار أو الاقتتال، وهذا الأمر لا يقتصر على الشباب فقط، بل قد يتعداهم إلى منتسبين لكتائب المعارضة أو قوات النظام.

تقول “أم أحمد” وهي مدرّسة في ريف معرة النعمان، وأم لثلاثة أطفال، لـ”الغربال” دائماً ما كنت أخشى رصاصةً طائشةً أو قذيفةَ مدفعية أو صاروخاً موجهاً من طائرة، عندما أتوجه إلى مناطق النظام للحصول على الراتب، لكن ما واجهته هذه المرّة كان سلاحاً مختلفاً أشد إيلاماً وأذى، وهو تحرّش قوات النظام بي وبزميلاتي العشر، عندما أوقفنا أحد الحواجز على طريق حماة بداعي التفتيش، ليتم إرهابنا نفسياً، عبر التحرّش اللفظي والتهديد بما يفوقه، لتنتهي القصة بابتزازنا بمعظم الرواتب، ولكن أخيراً تخلصنا منهم”.
لقد كان ولا يزال التحرّش بأنواعه المختلفة من أكثر المضايقات، التي تواجهها الأنثى، عازبة ومتزوجة في مجتمعنا، الذي يلقي باللائمة غالباً على الفتاة ويحمّلها المسؤولية، ولا تقتصر المضايقات على اللواتي يزرن مناطق النظام، بل ينتشر أيضاً ضمن المناطق المحرّرة لأسباب متعددة.
تقول الباحثة الاجتماعية، ضمن فريق حلول للشرق الأوسط، السيدة “فاطمة حميد” لـ”الغربال” إنَّ، “واقع الفوضى الذي فرضته الحرب، وعدم وجود قوانين ضابطة في المناطق المحرّرة، أسهما في تزايد حالات التحرّش، فنحن نسمع يومياً قصصاً لنساء وفتيات وقَعْنَ ضحيةً لتحرّش جسدي أو لفظي عبر وسائل متعددة، وغالباً ما تواجه الأنثى الموقف بمفردها لعدم قدرتها على إخبار أحد، خوفاً من العار وتلويث السمعة، وربما لعلمها بغياب المحاكم الجادّة والقضاء النزيه”.
وتتصدّر زوجات الشهداء والمعتقلين والقاطنات في خيام النزوح قائمة ضحايا التحرّش، وهذا ما تؤكده الشواهد المتعددة، تتحدّث “فاطمة” وهي زوجة شهيد، تبلغ من العمر (25 عاماً) لــ”الغربال” رغم سوء الحال، وافتقاد المعيل، قررتُ عدم الذهاب مجدداً لمراكز الإغاثة، لما لاقيته في مرات سابقة من ذلٍّ وتحرّش واضح ومقصود، ومحاولة ابتزاز بالمساعدات من قبل القائمين على الإغاثة، فلكي تحصل السيدة على المعونة سريعاً، عليها التخلي عن كثير من المبادئ والقيم، ليرضى موظّف الإغاثة الي لا يقدمها من ماله الخاصّ”.
ليست حال فاطمة فريدة من نوعها، فما تعانيه تتعرّض له معظم المراجِعات لتلك المراكز، لغياب التنظيم، وعدم ضبط طوابير خاصة بالرجال وأخرى للنساء، ولغياب الأخلاق والضمير لدى العديد من الموظفين.
وبدورها تقول “خولة” (17 عاماً) وهي نازحة في أحد مخيمات بلدة أطمة سابقاً، لـ”الغربال” تعرّضت للتحرّش بأصنافه المتعدّدة أثناء إقامتي في المخيّم، فالخيام متلاصقة، حيث تنعدم الخصوصية، فبتنا نخاف من أصواتنا، التي تتحوّل إلى عار يلاحق صاحبته هناك، وأكثر ما كان يؤلمني هي الكلمات التي أسمعها من الشبّان، أثناء محاولتي الوصول إلى الحمام الجماعي، دون أن أتجرأ على الرد، حالي كحال معظم الفتيات هناك”.


التحرّش في الوسط الطلّابي
إذا كانت الأرامل والنازحات من أبرز ضحايا التحرش، فهذا لا يعني غياب الظاهرة في أجواء المدارس، وبين الطلاب والطالبات في المدارس ولاسيما في المراحل المتقدمة، كالمرحلة الثانوية.
تقول “سهر”، وهي طالبة في الأول الثانوي، في إحدى مدارس ريف إدلب، لـ”الغربال” عندما نزحت إلى بلدة مجاورة لمدينتي دخلت المدرسة، وكانت مختلطة فتعرضت للمضايقات بشكل يومي، من قبل الشبّان باعتباري من خارج البلدة، ووصل الأمر بهم إلى كتابة اسمي على جدران المدرسة، مع عبارات مسيئة، بقصد تشويه سمعتي لأنني لم أستجب لمطالبهم”.
أما “عبير” وهي طالبة في الثاني الثانوي، في جبل الزاوية بإدلب، فتقول لــ”الغربال” في طريقي إلى المدرسة اعتاد مجموعة من الشبّان على ملاحقتي، متحرّشين بيّ بألفاظ بذيئة، لم أستطع إخبار أهلي، من أجل عدم الدخول بمشكلات قد تكون آثارها كارثية، وقد تكرّر الأمر لأشهر، فقررت بعدها ارتداء الخمار، كي لا يتعرفوا عليّ، لكن دون جدوى، وفي النهاية اضطررت إلى ترك المدرسة والجلوس في المنزل”.
وتقدّم الباحثة فاطمة حميد، تفسيراً للموضوع، فتقول “تتفاقم حالات التحرّش في المدارس، نظراً لغياب المرشدة النفسية التي يجب وجودها بالقرب من الطالبات، للوقوف على مشكلاتهن ومحاولة مساعدتهن في تسييرها، وإيجاد الحلول لها، كذلك خوف الطالبة من الإفصاح عن المضايقات للأهل، ما يسهم في حالة فوضى، بسبب عدم الاهتمام بالشباب خارج المدرسة وانقطاعهم عن الدراسة والعمل، إضافة لغياب الرقيب في تمادي الشباب في مضايقاتهم”.
تحرّش الأقارب
يُفترض أن يكون الأقارب مصدراً للثقة والأمان، لكن مع ضعف النفوس لدى البعض، وتنامي الغرائز مع قلة الوعي، وغياب الوازع الأخلاقي لدى الشباب، يتحوّل الأقارب إلى أشد مصادر التحرّش خطورةً، بحكم واقع الاختلاط الذي تفرضه طبيعة الحياة في المناطق المحرّرة من جهة، ولتداخل العلاقات وتشابكها من جهة ثانية.
تتحدّث “أم عبدو” وهي مهجّرة من مدينة حلب، (30 عاماً) لـ”الغربال” عن حالات من التحرّش تعرّضت لها من قبل الأقرباء، فتقول “مع ذهاب زوجي للعمل في السعودية قبل ما يقارب العامين، وبقائي في المنزل مع أبنائي الثلاثة الصغار، تعرضت في مرات عديدة لمحاولات تحرش ومضايقات، لكن كان أبرزها من قبل ابن خالتي، الذي يصغرني بأكثر من سبعة أعوام، وقد اقتحم منزلي بطريقة همجية لمرتين صباحاً، متذرّعاً بأنه تلقى تهديدات من شخص مجهول، ويريد الاختباء في منزلي حفاظاً على حياته، لأتفاجأ بعد فترة بأن هذه طريقة يتبعها مع العديد من الفتيات، بقصد الابتزاز وإشباع حاجاته”.
وعند سؤالنا لـ”أم عبدو” فيما إذا كانت قد أخبرت أهلها بالقصة، أجابت أنه، “أمر صعب لأن الجميع سيبررون للمخطئ ولن يصدقوا أقوالها”.
وتضيف في شهادتها ” لكن الطامة الكبرى كانت عندما تلقيت العديد من الرسائل، عبر هاتفي الجوال، من أرقام غريبة، فيها كلمات نابية، فكنت أقوم بحظر الأرقام، لكن بعد مضايقة شديدة تعرّضت لها، نقلت الموضوع إلى زوجي، ليدفع مبلغاً كبيرا ًمن المال مقابل معرفة صاحب الرقم، وكانت الصدمة، عندما علمت أن هذه الأرقام تعود لابن أختي، البالغ من العمر ستة عشر عاماً، والذي قد مارس اللعبة نفسها مع إحدى شقيقاتي، وبعض بنات أعمامي”.
ويأتي الانترنت والهواتف المحمولة ليلعب دوراً مساعداً في ظاهرة التحرّش، ويسهم في القضاء على الخصوصية، وذلك عندما يقدم قراصنة الأجهزة على اختراق الحسابات والهواتف وسرقة البيانات، بما في ذلك الصور، أو عبر استرجاع ملفات محذوفة عند إصلاح بعض الأجهزة.
تقول “سعاد” شابة من ريف حماة، لـ”الغربال” كانت صدمتي كبيرة عندما أخبرتني ابنة عمي، ما نقله شقيقها من تحذير لي من شخص، كنت أعتبره بمثابة أخي، كان قد استعاد ملفات من جهازي، وحصل على صوري وقان بعرضها أمام مجموعة من الشبّان”.
وتعقّب الباحثة “حميد” على تحرّش الأقارب قائلةً “ربما يقوم الأقارب بذلك، لإشباع بعض الغرائز الجنسية، خوفاً من محاسبة الغرباء، ولقناعتهم أن الفتاة القريبة لن تتجرّأ على إخبار أهلها، خوفاً من مشكلات قد تتسع لتتحول إلى جرائم، ويبقى السبب الأهم هو غياب الأخلاق والاحتكام إلى العادات والتقاليد، عوضاً عن العودة إلى الدين”.
المجتمع شريك في الجريمة
قد يلعب المجتمع دوراً كبيراً في استمرار ظاهرة التحرّش، لأنه يغري الرجال بعدم المحاسبة على أخطائهم، وإبقائهم دون محاسبة، وذلك عبر اصطفافه الدائم إلى جانب الذكر بمواجهة الأنثى، مبرراً خطأه، محمّلاً الأنثى المسؤولية، ولذلك حوامل من العادات والتقاليد والأمثال السائرة.
وتضيف هنا الباحثة “حميد” تتمثّل سلبية المجتمع بالأقوال الدارجة، التي تعتبر الفتاة المسؤولة الأولى، “إذ إنها لو لم تشأ لما أقدم الشاب على تحرّشه”، فتحمّل الأنثى جريمة إغراء الرجل، وهذا يعود لغلبة العادات والتقاليد على الشرع، الذي لا يفرق بين ذكر وأنثى في أحكامه، وإلى الخوف من وصمة العار، التي تلتصق بالفتاة، إضافة إلى رغبة المجتمع في السيادة الذكورية وبقاء المرأة ضعيفة”.
ومن خلال الوقوف على النماذج السابقة، يتضح أنَّ غياب التوعية وشيوع الفوضى، عاملان أساسيان لازدياد التحرِّش، ولذا يجب أن تعالج القضية انطلاقاً من الأسباب، عبر نشر الوعي من خلال مراكز التوعية، ولا سيما النسائية منها، والعمل على تقريب وجهات النظر بين الأهل والأبناء، إضافة إلى تفعيل القضاء ودور الشرطة الحرّة في ضبط انصراف الطالبات، وتبقى أزمة النازحين كبرى العوائق مع انعدام الخصوصية في الخيام.

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى