الرئيسية / مجتمع / لم يعد هناك ما يستحق – مصطفى أبو شمس
لم يعد هناك ما يستحق – مصطفى أبو شمس

لم يعد هناك ما يستحق – مصطفى أبو شمس

الغربال – بالقرب من بيتها في حي الزبدية الواقع في المنطقة الغربية من مدينة حلب، والذي ضاعت ملامحه، بعد أيام فقط من غيابها عنه، استدلت عليه من خلال لافتة لمصفّفة شعر، كانت تسكن في البناء المقابل.
دارت بينهما صداقة قوامها الخوف، بعد أن كانتا يجتمعن في قبو مخصصٍ لساعات المياه، التي فقدت صوتها وضجيجها، بعد أن غابت المياه عن المدينة في السنوات الأخيرة، ليتحول إلى ملجأ من البراميل والصواريخ التي كانت طائرات الأسد وحلفائه الروس ترميها على الحي، وللمصادفة كانت دوماً تسقط على رؤوس المدنيين، ليتحولوا إلى أرقام من الشهداء على قنوات المعارضة، وأرقام من الإرهابيين القتلى على شاشات النظام.
القمامة المنتشرة في الأزقة الفاصلة بين الأبنية بعد أن هُجّر أهل المدينة، هي ما جعلت علياء تضلّ الطريق إلى بيتها، الذي تركته منذ شهر ونصف الشهر لتهرب إلى بيت أهلها، الذين تركوا بيتهم في منتصف عام 2014، في رحلة نزوح إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام، هرباً من اشتداد القصف والظروف الاجتماعية القاسية، قبل أن تقسم المدينة إلى شرقية وغربية، بعد إغلاق معبر بستان القصر أو “معبر الموت” كما كان يسمى من قبل الأهالي المتوزعين على ضفتي المدينة.
“الهواء بلون أزرق غت وسميك” هكذا عبرت علياء عن الحياة التي عاشتها في حي السريان، حين حملت أطفالها الثلاثة وودّعت زوجها المقاتل في إحدى كتائب الجيش الحر، لتبدأ مع مئات المدنيين رحلتهم إلى “حضن الوطن”، بعد أن ضّيق نظام الأسد الحصار على أهل المدينة لأربعة أشهر، ففقدت معظم المواد التموينية، واستُهدفت جميع المشافي العاملة، ما خلّف واقعاً مأساوياً لما يقارب 250000 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال.

لكن مع اشتداد القصف في نهاية شهر تشرين الثاني وبداية سقوط بعض الأحياء في حلب الشرقية بيد قوات النظام، وجد الكثير من الناس أنفسهم أمام خيار واحد وهو الهرب بأطفالهم إلى داخل المدينة، رغم الخوف القاتل من إمكانية الاعتقال أو الإساءة.
عشرات الآلاف توجّهوا من مناطق عديدة تحت القصف والقنص، ليصلوا إلى داخل المدينة بعضهم حملته قوات الأسد إلى مراكز إيواء في قرية جبرين، وبعضهم الآخر استطاع الوصول إلى داخل المدينة.
علياء وأطفالها الثلاثة عبروا جسر السنديانة مع مجموعة مؤلفة من عشرين شخصاً، ليصلوا إلى مناطق سيطرة جيش الأسد، الذي بدأ التقدّم من محاور عديدة في المدينة، فوجدت أخاها في انتظارها هناك، “كان الوصول إلى الضفة الأخرى لحظة من اللامبالاة، لم أكن أفكر في شيء سوى الوصول، ولم يعد مهمّاً إن كنت سأموت برصاصة قناص أو أُعتقل، فهناك كنا نعاني الموت في كل دقيقة”.
“بعد وصولي إلى بيت أهلي في حي السريان بيومين، داهمت قوات الأسد البيوت في حملة تفتيش، طلب أهلي مني الخروج من الحي، ساعاتٌ مرّت علي وأنا أحمل أطفالي وأمشي في الشوارع، لم يكن هناك من يرافقني إلا البكاء، أنا هنا في شوارع لا تشبهني، تغيّرت ملامح المدينة ومحلّاتها وسكانها، كنت أظن أن الجميع يشير إليّ ويراقبني، وبعد أن انتهت حملة التفتيش اتصلت بي والدتي لأعود، أمضيت عشرة أيام بعدها لم أخرج من البيت، واكتفيت بالجلوس في الغرفة المطلّة على الشارع، أراقب أشخاصاً كان يتخيّل لي أنهم من عالم آخر”.

في بداية السنة 2017 كان قد بدأ الحديث يدور عن السماح للأهالي بالعودة إلى بيوتهم، بعد أن “تطهّرت” كامل المدينة وعادت إلى حضن الوطن، وانتهت قوات الأسد من “تمشيطها” أو ربّما تعفيشها وسرقة كل محتويات بيوتها.
كان هذا الحديث لا يُتداول كسرّ مخيف، بل كان الحديث علانية، حتى أن المدينة احتوت من جديد على ثلاثة أسواق، عُرفت وقاحةً باسم “سوق التعفيش” وهي الأسواق التي تُباع فيها المسروقات التي تأتي من داخل الأحياء الشرقية في مدينة حلب، بعد أن سطا عليها جنود الأسد وشبيحته.
“أردت أن أرى بيتي”
أمام المبنى الذي كنت أسكنه في الطابق الثالث، كانت الكتابة على الجدران ما تزال على حالها، فليس هناك وقت لمسح معالم الثورة، كان الأهم أن تُفرغ البيوت من محتوياتها، حتى أنّي رأيت علم الثورة على أحد البيوت في الطابق الرابع، أردت أن أصوّره، ولكن خطر ببالي أنّي سأمرّ بحواجز الشبيحة من جديد، وخوفي من احتمالية تفتيش هاتفي منعاني، كنت اتفقت مع سائق تكسي أن يوصلني إلى بيتي في حي الزبدية بمبلغ 3000 ليرة، لم تكن المسافة تتجاوز خمسة كيلو مترات ولكن “ما باليد حيلة” فقد اتفق الجميع على نهب هذا الشعب، من بائع البقدونس حتى رئيس البلاد.
الحاجزان اللذان مررنا بهما في طريق الدخول إلى الحي، أخذ كل منهم عبوة فيها لتر من البنزين من سائق التكسي.
خائفةً صعدت درج المبنى، الباب الذي أحكمت إغلاقه عند خروجي منه وجدته مفتوحاً على مصراعيه، لم يفاجئني المشهد كثيراً، فقد كنت مستعدة لرؤية البيت الفارغ، كل ما أردته أن أتنفس هواء بيتي، دخلت إلى المنزل لم أجد هناك شيئاً.
بعض الذي لم يستطيعوا سرقته لقدمه قاموا بتكسيره، في منتصف البيت كانت هناك “فرشة الصوف” التي ورثها زوجي من والدته، قد مزّقها الجنود بحربات بنادقهم لثقلها، وعجزهم عن حملها قلت في نفسي “ذلك الإرث الثقيل الذي لن يستطيع أحد أن يحمله”.
وقفت على شرفة البيت، كان الحي شبه فارغ، رأيت صديقتي مصفّفة الشعر خلف نافذة بيتها، لوّحت لي، بكينا خلف نوافذنا للحظة، تركت باب بيتي مشرعاً للريح، ونزلت على الدرج بسرعة أكبر، كان سائق التاكسي ما زال ينتظرني، في رحلة العودة مررنا على الحاجزين نفسهما، سألني أحدهم بلكنة ساخرة “ما جبتي معك غراض” أجبته “ما عاد هناك شيء يستحق”.

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى