الرئيسية / ثقافة / صادق العظم الذي فكّر مبكراً بالتغيير ــ فاتن حمودي
صادق العظم الذي فكّر مبكراً بالتغيير ــ فاتن حمودي

صادق العظم الذي فكّر مبكراً بالتغيير ــ فاتن حمودي

 

الحديث عن المفكر صادق جلال العظم، معناه أن تفتح باب القلب والعقل معاً، ومعناه أكثر الرجوع إلى العمران الفكري الذي أنجزه خلال أكثر من نصف قرن، مع النظر إلى حضوره الفاعل في القضايا العربية.

والحديث عن العظم يستلزم الرجوع لدمشق المدينة التي ينتمي إليها حضاريا، كأحد مراكز الثقافة العربية والتي طالما حلم بأن تكون فاضلة.

إن الاقتراب من نتاج العظم الثقافي يشكل مساحة نادرة من مساحات الحرية، التأمّل وإعادة الاكتشاف، المواجهة والصفع أحياناً، إذ يعتبر العظم أحد أهم المفكرين المشتغلين في الثقافة العربية المعاصرة.

فما الذي جعله ينحاز للنقد في تحليل القضايا السياسية والثقافية، وهل فتح نافذة استشراف أطلت على إرهاصات الثورة التي نعيشها؟

ينتسب صادق جلال العظم المولود عام 1934 إلى تلك الندرة من المفكرين، والمثقفين الكبار في الوطن العربي، الذين أهتموا بقضايا المجتمع ونضاله، فهو مفكر نقدي مشاكس، ومثقف إنساني أيضا.

من فلسفة التنوير جاء صادق، رأى في الإنسان مبتدأَ كل الأسئلة، ليمضي بعدها إلى النقد في مواجهةٍ حقيقية لحضارة تقوم على العقل ونفي العقل.

وهو ما يدفع للسؤال: ما هي وظيفة المثقف في مجتمعات تجتهد سلطاتُها في تدمير العقل وتبديد الحقيقة؟

ارتبط وجود النقد عند العظم بواقع عربي مأزوم برز للعيان أثناء وبعد هزيمة حزيران عام 1967، فهو مفكر ناقد ومحرّض، متعدد ومتشعب، يتداخل عنده النقد السياسي بالاجتماعي بالفلسفي، وبين نقد بدأه بفكر المقاومة الفلسطينية، أراد حينها تحطيم تابو الأشياء، مرورا بالنقد والنقد الذاتي بعد الهزيمة ونقد الفكر الديني، دفاعا عن المادية والتاريخ، وتصدياً لذهنية التحريم وما بعد ذهنية التحريم، وهنا نلحظ الانسجام الكبير بين فكره السياسي ومواقفه وهو ما تجلى في موقفه من الثورة السورية، التي أيدها وانخرط بها.

سأعود هنا إلى جامعة دمشق في ثمانينات القرن الماضي، كنت حينها طالبة في قسم الفلسفة، وتلميذة الدكتور صادق جلال العظم، لأستعيد بعض الصور من المناخ الجامعي الذي كان يتحرك به العظم.

كنا في الثمانينات مجموعة من الطلاب والطالبات، ننتمي إلى بيئات اجتماعية مختلفة، إلى جانب انتمائنا لطوائف متعددة، وجنسيات عربية مختلفة، كان العظم يحمل رسالة يريد من خلالها أن يؤسس أرضية حقيقية لمفهوم الحرية والكرامة، كيف نسأل، وننتقد، بل كيف نقرأ وماذا نقرأ.

كانت الجامعة بين سنة وأخرى تتغير بشكل مريب، كانت تتعسكر وتتحول من اللون المدني إلى اللون العسكري، في الوقت الذي كان فيه الشارع السوري يعيش صدى أحداث حماة بصمت وخوف وريبة أيضا.

وكنا حينها طلبة ينطبق علينا تماما البعد السوسيولوجي للفكر الديني كما وصفه العظم، في كتابه “نقد الفكر الديني” من حيث ردود الفعل على فكرة: “البعض منهم أي الطلاب يلجأ الى موقف ديني مغلق، متشدد في تعصبه، ومغال في التمسك بدقائق الفرائض الدينية، وهم أقلية تُعبر بكل مناسبة عن عدائها الشديد لأي افكار تقدمية أو علمية، وهناك أقلية أخرى تسير باتجاه معاكس، أما الأكثرية فهي تتخبط بين الفئتين”، فما أشار إليه العظم إلى طلابه هو ضمنا إشارة إلى نمط تفكير مجتمع

كان الطلاب يتهافتون إلى محاضرات العظم ليس من قسم الفلسفة فحسب بل من أقسام أخرى، وكان يحضر بعض الأساتذة بيننا، ليستمعوا إليه فتتفتح الأسئلة الفلسفية، ويبدأ الطلاب البحث عن المراجع والكتب وكأنهم يقطفون ثمار المعرفة.

درّسنا العظم تاريخ الفلسفة، والفلسفة الحديثة، وكان يمر على عصر النهضة، و فكر العصور الوسطى، واللاهوت والأيديولوجية الدينية، ومشاكل الوجود، وصولاً إلى التفكير الحديث، في هذه الرحلة مع التعليم كان العظم يشير إلى أهمية الإبداع، الفن عموما والرسم، النحت، التصوير، المسرح، والأدب، منطلقا من أن النهضة فعل جديد في قطيعة مع الماضي، لكن ليس بشكل كلي، فالجمال يضيء، وبالتأكيد فإن هذا نبهنا إلى أهمية أن نلتفت إلى الفنون ودورها الجمالي والمعرفي.

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى