الرئيسية / أخبار / خارطة إعادة إعمار حلب.. بين التجاهل ومتاهات السياسة
خارطة إعادة إعمار حلب.. بين التجاهل ومتاهات السياسة

خارطة إعادة إعمار حلب.. بين التجاهل ومتاهات السياسة

 

 

كانت حصة حلب من الدمار والخراب الذي أصاب مدن سوريا بفعل قصف قوات النظام وروسيا والمعارك التي دارت على أرضها بين قوات النظام والمعارضة هي الأكبر، حيث طال الدمار البنية التحتية في حلب ومناطقها الصناعية ومعالم حلب التاريخية ومعظم أحيائها الشمالية والشرقية والجنوبية.

وبالإضافة للخسارة الاقتصادية الكبيرة الناتجة عن تدمير أحياء حلب ومناطقها الصناعية وبنيتها التحتية، كانت هنالك خسارة على المستوى الحضاري والثقافي، تجلت بالأضرار التي لحقت بالمعالم الأثرية والمناطق التاريخية وسط المدينة، حيث طال الدمار قلعة حلب الشهيرة والجامع الأموي الكبير والأسواق والخانات والحمامات والبيوت القديمة.

ومع سيطرة قوات النظام السوري على كامل مدينة حلب بعد نهاية عملية الاخلاء التي شملت المحاصرين في مناطق سيطرة المعارضة بأحياء حلب الشرقية، والتي تمت خلال النصف الثاني من شهر كانون الأول، أصبح السؤال حول إمكانية إعادة إعمار حلب أكثر إلحاحاً من قبل، فهل يمكن أن يعاد بناء ما دمّر من أحياء حلب وبنيتها التاريخية ومعالمها، وهي يمكن أن تعود حلب كما كانت، أم أن هناك أضرار وقعت على المستوى المادي والعمراني لا يمكن جبرها بأي شكل.

خارطة معقدة لدمار حلب

تسببت سنوات الحرب التي شهدت قصفاً عنيفاً من قوات النظام لمناطق سيطرة المعارضة في حلب، بدمار مساحات واسعة من الأحياء التي سيطرت عليها المعارضة، ولا يوجد إحصاءات دقيقة لحجم هذا الدمار إلا أن أغلب التقديرات تتحدث عن دمار نحو 70 بالمئة من مباني أحياء حلب الشمالية والشرقية والجنوبية، كما تسبب القصف العنيف بدمار البنية التحتية في هذه المناطق، حتى غابت شبكة الاتصالات الأرضية بشكل شبه كامل عن مناطق سيطرة المعارضة وغابت شبكات الهواتف النقالة والإنترنت بشكل جزئي، لتحل محلها خطوط الاتصال الفضائية التي استوردتها الهيئات الخدمية والإدارية الناشطة في مناطق سيطرة المعارضة من خارج سورية.

كما أدى قصف النظام إلى تدمير آلاف المدارس في حلب، وتوقفت المعاهد الفنية والمهنية الموجودة في مناطق سيطرة المعارضة في حلب عن العمل، وأصبحت الكهرباء تصل إلى منازل السكان بمعدل ساعة إلى ساعتين في اليوم فقط، مع مرور أسابيع طويلة على كثير من أحياء مدينة حلب من دون أي كهرباء نتيجة الأضرار المتزايدة في شبكة الكهرباء، خصوصاً بعد سيطرة “داعش” على محطة حلب الحرارية الأكبر في سوريا بطاقة توليد 1100 ميغاواط، والتي توقفت عن العمل بالكامل لفترة طويلة، قبل أن يتفق التنظيم مع النظام على تشغيل قسم منها، ليتقاسم الطرفان الكهرباء التي تنتجها المحطة.

أما المياه فكانت تصل إلى بيوت السكان في مدينة حلب بمعدل مرة واحدة كل أسبوعين، مع مرور فترات انقطاع طويلة قد تمتد لأشهر يعتمد السكان خلالها على مياه الآبار الغير آمنة.

وتعرضت مدينة الشيخ نجار الصناعية الواقعة عند مدخل مدينة حلب الشمالي الشرقي لعمليات نهب وتدمير واسعة، وهي المدينة الصناعية التي تبلغ مساحتها 4412 هكتاراً وكانت تحوي أكثر من 6100 منشأة صناعية تنوّعت نشاطاتها الصناعية بين الهندسية والنسيجية والغذائية والكيماوية والبرمجية.

وسيطرت قوات المعارضة على المدينة الصناعية في صيف عام 2012 قبل أن تستعيد قوات النظام السيطرة عليها في شهر مايو/أيار من العام الماضي. وتعرّضت مئات المنشآت الصناعية فيها لعمليات نهب، كما قام أصحاب عدد كبير من المنشآت الصناعية فيها خلال فترة سيطرة المعارضة بنقل معاملهم إلى تركيا وإلى إقليم كردستان العراق ومصر والمغرب. ثم أدى قصف النظام العنيف لمنشآتها إلى تدمير ما تبقى منها، قبل أن يستعيد السيطرة عليها بعد انسحاب قوات المعارضة منها.

كما يوجد شمال حلب تجمّعان صناعيان آخران، هما المنطقة الصناعية في الشقيف والمنطقة الصناعية في الليرمون، كما توجد منطقة صناعية صغيرة أخرى وسط مدينة حلب في حي الكلاسة. وقد توقفت منطقتا الشقيف والليرمون عن العمل بشكل كامل نتيجة عمليات النهب والقصف.

مدينة حلب القديمة المتضرر الأكبر

قضت الحرب على سوق حلب الأثري (سوق المدينة) الذي يتألف من سوق محورية طويلة تمتد من قلعة حلب مروراً بسوق الزرب وحتى باب أنطاكية، وتتفرع عنه 38 سوقاً جانبية، ليكون عدد الأسواق 39 سوقاً مسقوفة، كانت تحتوي على نحو 5 آلاف دكان ومحل تجاري، مجموع طول السوق يبلغ 14,5 كيلومترا، وتم تسجيله كأطول وأقدم سوق مسقوف في العالم في موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية.

ولكن الاشتباكات المتبادلة وعمليات القصف التي شنّها النظام على قوات المعارضة التي سيطرت على معظم مدينة حلب صيف 2012، تسببت بدمار واحتراق أجزاء واسعة من هذا السوق.

كما أدى قصف قوات النظام إلى انهيار مئذنة جامع حلب الكبير الذي يحوي مقام النبي زكريا، ودمار واحتراق أجزاء واسعة منه. ويعود بناء مسجد حلب الكبير إلى عهد الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك في بداية القرن الثامن الميلادي.

وقضت الحرب أيضاً على أهم المناطق الأثرية في حلب القديمة، وهي المنطقة الواقعة مقابل المدخل الرئيس لقلعة حلب الأثرية، إذ تسببت تفجيرات المعارضة للأنفاق أسفل المباني الأثرية التي كانت تتمركز فيها قوات النظام، بدمار شبه كامل لسوق خان الشونة الشهير وفندق الكارلتون ومبنى السرايا والعشرات غيرها من المعالم الشهيرة لمدينة حلب القديمة.

ويشير المهندس الاستشاري الفرنسي، تيري غراندن، إلى أن “نسبة الدمار في مدينة حلب القديمة بلغت 73%”، لافتاً إلى أن “أسواق حلب القديمة هي الأكثر تضرراً، تليها دور العبادة (المساجد والكنائس)، ومن ثم البيوت الأثرية”.

وأقر غراندن خلال ندوة عقدها في مدينة عنتاب التركية بفشل “اليونسكو” وهو المكلف من قبلها بإعداد ملف يوضح حجم الضرر الذي أصاب مدينة حلب القديمة، لحماية المواقع الأثرية في مدينة حلب، لافتاً إلى عدم تعاون الأطراف المتصارعة مع الجهود التي تبذلها المنظمة، حيث قال “تبقى الاجتماعات التي تنظمها اليونسكو بدون جدوى، من دون مشاركة من الأطراف المحلية”.

وقال غراندان الذي أشرف عام 1999 على مشروع ترميم قلعة حلب إن “مشاريع الترميم وإعادة الإعمار تأخذ وقتا طويلاً هنالك مدن امتدت مرحلة إعادة إعمارها لأكثر من نصف قرن، ومدينة دريسدن الألمانية خير مثال على ذلك، حيث لم تنتهِ فيها عمليات الترميم على اليوم”.

ثلث مباني مدينة حلب لها قيمة تاريخية

في ضوء هذا الدمار الهائل الذي لحق بمباني مدينة حلب، يبدو من الهام التعرف على تاريخ إنشاء منازل المدينة وواقعها، إذ كشفت البيانات المنشورة لمسح دخل ونفقات الأسرة الذي أعده المكتب المركزي للإحصاء عام 2009 إن 1.3% من منازل الحلبيين يعود إنشاؤها إلى ما قبل العام 1945، و3.7% من المنازل بنيت خلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و1960، و22.2% خلال الفترة الممتدة من العام 1961 ولغاية العام 1980،

أما النسبة الأكبر من المنازل والبالغة نحو 53.5% فقد بنيت خلال الفترة الممتدة من العام 1981 ولغاية العام 1995، فيما قال 8.8% من أصحاب المنازل أنها بنيت فيما بعد العام 1995، وكان هناك نسبة وقدرها 10,4% من أصحاب المنازل لا يعرفون تاريخ بناء منازلهم.

لا إعادة إعمار بدون خطة واستراتيجية وتحضير

حتى الآن لا توجد مشاريع حقيقية لإعادة إعمار حلب، لا من قِبَلِ اليونسكو ولا من قِبَلِ غيرها من المؤسسات المعنية، فبعد ست سنوات من المعارك لا يوجد أي مشروع حقيقي فعليّاً، حيث لم يتم تشكيل فرق من الخبراء لتحديد حجم الأضرار وتحديد الأولويات في مرحلة الإعمار، ولم يتم رصد أية أموال أيضاً لإعادة إعمار حلب.

المهندس المعماري، مصعب كور بلال قال لـ”الغربال” في معرض الحديث عن إعادة الإعمار إنه “لا بد من وجود خطة استراتيجية واضحة وشاملة للتعامل مع الدمار الناتج عن الحرب في مدينة حلب تمهيدا للبدء بعملية إعادة بناء ما تهدم وترميم ما يصلح للترميم، ولا بد من التفكير بالأمر من الآن، حيث يجب أن تعقد المؤتمرات لتشكيل هيئات استشارية وتخطيطية تقوم بوضع خطط مستقبلية وتدرس حجم الدمار والإمكانيات اللازمة للإعمار الذي يجب أن يعيد المدينة إلى حال أفضل مما كانت عليه”.

وأوضح كور بلال لـ”الغربال” أن “الدمار الذي طال حلب يعد الأكثر تعقيداً بالنسبة للدمار في المدن السورية، حيث شمل الدمار في حلب معظم البنية التحتية والمناطق الصناعية والأسواق التجارية، كما شمل أيضا أحياء سكنية واسعة بالإضافة لمناطق ومعالم أثرية هامة، وبالتالي ستكون عملية إعادة إعمار المدينة معقدة جداً وتحتاج لخبرات وكفاءات متنوعة ودولية، هذا عدا الإمكانيات المادية الكبيرة التي يجب أن تسخر لإعادة الإعمار”.

ويشير كور بلال إلى أن اتساع رقعة الدمار يوجب “توفير دعم استشاري ومادّي كبير لضمان عدم تشويه الوجه التاريخي والحضاري للمدينة، ولحماية ما تبقى من المباني المتضررة المعرضة للتداعي نتيجة العوامل الجوية وعمليات النهب والتخريب التي قد تطالها في ظل سيطرة قوات النظام”.

المعارضة تتجاهل ملف إعادة الإعمار والنظام يواصل التدمير

يلفت المهندس المدني، محمود الحافظ، في حديث لـ”الغربال” إلى أن “المعارضة السورية لا تولي أي اهتمام لموضوع إعادة الإعمار، لا في حلب ولا في غيرها، وذلك بسبب انشغالها الكامل بالتداعيات الميدانية والسياسية، التي يفرضها واقع استمرار النظام بتدمير مناطق سوريا واحدة تلو الأخرى”.

لكن حافظ يؤكد على وجوب أن يكون هناك “حوار وتشاور، على الأقل، حول آليات إعادة إعمار مدينة حلب مستقبلا”، ويوضح قائلاً “يجب أن نفكر بمستقبل المدينة، أتمنى أن يتكون وعي حول أهمية الموضوع”، ويبرر ذلك بقوله “إذا لم يحظى موضوع إعادة الإعمار بالاهتمام المطلوب فقد نشهد نفس المشاكل التي دفعت الشعب السوري للخروب بالثورة، مثل تدني مستوى الخدمات إلى حد كبير في مناطق معينة، وانتشار العشوائيات، في ظل قصور الخطط العمرانية وعدم تطبيق أي خطط للتنمية”.

كلفة إعادة الإعمار الباهظة تحوّل الملف إلى ورقة ضغط سياسي

لا شك أن الكلفة الباهظة لإعادة الإعمار ستكون العائق الأول أمام تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، ذلك أن البنك الدولي قدّر خلال شهر شباط الماضي كلفة إعادة إعمار سوريا بمبلغ يتراوح بين 150 و200 مليار دولار أمريكي، وهذا ما يعني أن ملف إعادة الإعمار سيكون ملفاً يسيل له لعاب الأطراف الدولية والإقليمية المتصارعة على سوريا.

ولا شك أيضا أن مشروع إعادة الإعمار لن يكون من خارج الحل السياسي، لأن مصادر تمويله ليست متاحة في موسكو التي دعمت الأسد ليعيد بسط سيطرته على حلب، حيث أعربت ممثلة الشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغريني، خلال شهر تشرين الثاني، عن “استعداد الاتحاد لتقديم دعم مالي لسوريا في حال موافقة جميع الأطراف على الحل السياسي”.

لكن الدول الأوربية تعاني بدورها من أزمات اقتصادية وتباطؤ في معدلات النمو لذلك لا يُتوقع أن تتمكن من تغطية كلفة إعادة الإعمار الباهظة، الأمر الذي يرجح تدخل دول الخليج العربي لتغطية معظم كلفة إعادة الإعمار، وهو الأمر الذي سيجعل من ملف إعادة الإعمار ورقة ضغط إضافية على النظام السوري للقبول بحل سياسي وفق أجندة مرضية لدول الخليج العربي وتركيا التي تدعم المعارضة السورية، وهنا لا بد من الإشارة إلى دور منتظر للشركات التركية في الجانب التنفيذي لمشاريع إعادة الإعمار، نظر لتفوقها وخبرتها في مجال الإنشاءات والبناء وترميم المواقع الأثرية.

إعادة الإعمار يجب أن تكون ضمن خطة تنموية

لا يمكن أن ينجح مشروع إعادة الإعمار إلا إذا ترافق مع مشروع لإعادة بناء الاقتصاد السوري وتحفيز النمو وتحقيق الاصلاحات الاجتماعية، ذلك أن إنفاق مبالغ كبيرة في إعادة الأعمار لا يمكن أن يتم إلا ضمن خطة تنمية اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى.

حيث أن عملية إعادة الإعمار ستستغرق 20 عاماً بحسب تقديرات البنك الدولي، وهو ما يجعل إعادة الإعمار عبثاً إن لم تترافق مع تنمية حقيقية، والتنمية الحقيقة تستدعي حشد الموار البشرية العلمية والاستثمارية السورية، التي بات معظمها خارج سوريا بفعل النزوح والهجرة، ولا يمكن أن يعود هؤلاء إلى سوريا مع مدخراتهم والأموال التي يمكن أن يوظفوها في الاستثمار إلا بوجود حل سياسي حقيقي واستقرار أمني وخطة تنموية تعود معها عجلة الاقتصاد إلى الدوران، وهذا وحده ما يضمن عودة الكوادر السورية إلى البلاد دون أن تقصى بالقمع والترهيب عن المشاركة في القرار السياسي والوطني.

 

 

 

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى