الرئيسية / مقالات / رأي / ماذا بعد حلب؟
ماذا بعد حلب؟

ماذا بعد حلب؟

عرّت معركة حلب كثير من القوى والمشاريع اللاوطنية، وكشفت عن اختراقات كبيرة وارتباطات مشبوهة وإرادات مرتهنة، كما أظهرت حالة من الانقسام المجتمعي الذي يتهددنا بمخاطر شتى، حاضرا ومستقبلا.

أما الاسئلة الأهم التي يطرحها الواقع الجديد اليوم بقوة فهي: ماذا بعد معركة حلب؟ وما هو المطلوب من قوى الثورة؟  أو ما العمل؟

الثورة لم ولن تنته بسقوط حلب، كما يتوهم النظام وأعوانه، لا سيما وأن ما جرى لا يشكل مفاجأة، إذ كان متوقعا منذ عدة أشهر، فالمقدمات أشارت إلى النتائج بوضوح.

لسنا هنا بصدد البحث عن الأسباب التي أدت إلى ذلك، والقاء المسؤولية على هذا الطرف أو ذاك، ولكننا نريد فقط الإشارة إلى ما يمكن عمله بينما نحن أمام منعطف دقيق، يتطلب قدراً كبيراً من الوعي والمراجعة الجادة والصدق والعمل على أسس مغايرة لما قادنا الى هذه الانتكاسة .

إن خيارات الشعوب لا يمكن أن تحدد، أو تنحصر في اتجاه واحد، والشعوب الحية هي التي تملك من الفكر والعزيمة ما يجعلها تجدد ذاتها ووسائلها وأساليبها تبعا للظروف، وعليه فإن هناك الكثير مما يجب عمله لهزيمة قوى البغي والاحتلال ومشاريعها العدوانية والمذهبية، وتحقيق تطلعات شعبنا في الحرية والكرامة والعدالة .

لم تعد قضية السوريين مواجهة نظام مستبد، قاتل، بل أصبحت مواجهة مشاريع هيمنة وتوسع واحتلال، تعمل على تغيير البنية الديمغرافية، والهوية الوطنية الجامعة، وهو ما يتطلب خوض المواجهة باعتماد أساليب غير تقليدية، وفي مقدمتها نهج المقاومة الثورية، أو حرب العصابات الشاملة والطويلة، بناء على استراتيجية  كفاح وعمل شاملة، وطرح خطاب سياسي مختلف، وهذه الفكرة بدأت تتبلور وتنضج، وتتضح معالمها شيئا فشيئا.

فكثيرون من المثقفين والمقاتلين تبنوها مؤخرا ويساهمون الآن في صياغتها والتبشير بها، وثمة مؤشرات على ظهور (قوى منظمة) تشكلت على أساسها، جنبا إلى جنب مع رؤية لحل سياسي لا يكون تصفويا يعيد إنتاج النظام، أو يفضي لخلق نظام استبدادي شبيه ومماثل لما عرفه السوريون خلال العقود الماضية.

أيضا لابد من الدعوة لعقد مؤتمر وطني عام وشامل، لإعادة هيكلة قوى المعارضة وتنظيمها، أخذين بعين الاعتبار أن منظمات المعارضة القائمة فشلت في التعبير عن مطالب شعبها، ووقعت رهينة لأجندات خارجية، واستشرى الفساد في صفوفها، وظل الاضطراب والتناقض سمتين أساسيتين في خطابها ومواقفها، وعليه فلابد من خطاب وطني واضح يحدد الأهداف العامة التي مثلتها الثورة عند إنطلاقتها بالنضال لاسترداد الحرية والكرامة، وبناء دولة القانون والعدالة وفصل السلطات، وبناء نظام قائم على مبادئ التعددية وتداول السلطة وصناديق الانتخاب، بعيدا عن الشعارات المنغلقة والطوباوية .

الحاجة ماسة لإعادة تعريف قوى الثورة والمعارضة، وإعادة فرزها وتقييمها، بمعايير الوطنية السورية، والالتزام بأهداف شعبنا المعروفة التي أشرنا إليها أنفا، إضافة للتأكيد على صون الدولة السورية ورفض أي مس بوحدتها، وهذا يستدعي امتلاك خطاب وطني جديد يخاطب الداخل والخارج، يقوم على دعامتي حرية الوطن والمواطن، بعيدا عن الديموغاجية والتطرف .

ونحن بحاجة أيضا لموقف واضح من الجماعات التي حملت رايات ومشاريع عابرة للحدود، وطيفت الثورة ومذهبتها، وضللت قطاعات واسعة من السوريين، وحولت قضيته، إلى تطبيق حدود الله، والشريعة، ثم العمل على إعادة تفعيل دور القطاعات الشعبية الواسعة في فعاليات الثورة، والاهتمام بقضايا السوريين في الشتات من خلال تنظيمهم في كل بلد، وايلاء اللاجئين في دول الجوار الاهتمام أيضا .

كما يجب إعادة الاعتبار للداخل الملتصق بالأرض والناس، والتفكير بالمزاوجة بين خياري العلنية والسرية، من خلال اعتماد قيادة سياسة معلنة ونضالية سرية، لتخفيف ضغوط الدول والارتهان للخارج، وردم الهوة بين داخل يسدد كل يوم فاتورة الصراع دما وجوعا، وخارج يتصدر المشهد ومنفصل تماما عن معاناة قاعدته التي لا يعيرها الاهتمام الكافي .

هذه بعض ملامح خارطة طريق تبدو لنا مخرجا وحلا للتحديات التي بدأت تبرز في مرحلة ما بعد حلب وما فرضته التغييرات الإقليمية (التفاهم التركي-الروسي ) والدولية ( وصول ترامب للرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية)، وهي رؤية غير مكتملة بالتأكيد، وتحتاج لجهود كل الوطنيين المخلصيين .

ويبقى اخيرا السؤال المهم التالي: من هو القادر على النهوض بهذا العبء الكبير، وتحمل مشاقه ومخاطره؟ باعتقادي أن هناك كثيرين، أفراد وجهات، يتوفر لديهم الاستعداد لتحمل المسؤولية، وعلى موعدهم مع القدر.

الثورة السورية بعد حلب ليست في حالة هزيمة، كما يصور البعض، إنها في كبوة وتقف أمام منعطف صعب، ولكنها قادرة على تجديد نفسها وخطابها وآلياتها، وتلك ميزة الثورات العظيمة والتاريخية.

 

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى