الرئيسية / أخبار / طفولة مهدورة لصغار سوريا – عبد الحميد الشحنة
طفولة مهدورة لصغار سوريا – عبد الحميد الشحنة

طفولة مهدورة لصغار سوريا – عبد الحميد الشحنة

 

 

تلقي الحرب في سوريا بظلالها البشعة منذ خمسة أعوام. ولعل أكثر الناس تأثراً وألماً منها الأطفال، فقد عانى الأطفال السوريون خلال السنوات الخمس المنصرمة صنوف العذاب، فمن قتل إلى تهجير وحصار إلى يُتم ورجولة مبكرة، ورغم أنهم المستقبل الذي نموت في سبيل أن يحيا حياة أفضل؛ فإن الحرب لم تستطع تحييدهم رغم براءتهم.

 

الحرمان من التعليم طال الأطفال

لعل الحرمان من التعليم من أبسط هموم الشعب الذي يعيش تحت القصف، حيث انعكست حالات القصف واستهداف المدارس المتكرر تأخراً دراسياً لدى الكثير من الأطفال، حيث بات بعضهم يكره الذهاب إلى المدرسة أو يخافها.

آية طفلة من كفرنبل بريف إدلب تروي معاناتها الصغيرة، فبعد تحرير المدينة أصبح الدوام في المدارس مستحيلاً فقد بقيت حتى الصف الثالث لا تتقن القراءة والكتابة بسبب الدوام المتقطع في المدارس والخوف من قصفها، كان الكتاب مرعباً لها والذهاب للمدرسة كابوساً، وقد قام أهلها بتعليمها بشكل شخصي حتى استطاعت مواكبة صفها وتعويض بعض ما فاتها، ولكن قدرة أهل آية على تعليم ابنتهم لا يمتلكها الكثير من الأهالي ممن لم يحصلوا هم أيضاً على تعليم كافٍ.

والآن تعود المعاناة نفسها، حيث يفرض القصف المتكرر على المدارس توقفاً شبه دائم، ملقياً بمستقبل عشرات آلاف الأطفال في الفراغ.

 

أزمة اليتم والرجولة المبكرة:

لعل القصف الهمجي للنظام وحلفائه هو أسوأ ما مرّ على مناطق إدلب وريفها، فقد خلّف القصف أيتاماً، إضافة إلى الكثير من الإعاقات، فكم من طفل نام في كنف عائلته، واستيقظ فجأة ليجد نفسه الناجي الوحيد منها، ليكمل حياته دون بيت أو عائلة، ولربما يعطف عليه أحد أقربائه ويربيه مع أطفاله، أو يعيش متشرداً يأكل من الهبات، فلا بيت يؤويه ولا سماء ترحمه، ومن هذه المعاناة تتولد الرغبة في الانتقام من قاتل عائلته، ليتحول حلمه من طبيب أو مهندس إلى جندي، وهذه حال محمد من إدلب الذي خرج لشراء حاجيات بيته وعاد فوجده مستوياً بالأرض، محمد أصبح ضيفاً ثقيلاً على أقربائه الفقراء، وفضل ترك المدرسة حتى لا يثقل كاهلهم أكثر، وهو الآن يعمل ببيع المعروك أمام المدارس، ويحاول الانضمام لإحدى الفصائل المسلحة في أقرب فرصة.

 

انعدام الأمان وقصف المدارس:

عادت المدارس للعمل في المناطق المحررة، رغم الخوف من قصفها، لكن الناس لم تتخيل أن يرتكب النظام مجزرة بحق الأطفال رغم إجرامه، ولكن ما حدث في تجمع مدارس حاس قبل نهاية شهر تشرين الأول يثبت إجرامه، فقد استهدف النظام تجمعاً للمدارس، وخلال سبع غارات متوالية ارتكب مجزرة بحق الأطفال وأخرج مدارس القرية عن الخدمة، مما اضطر الأهالي لاستخدام بعض الأقبية للتدريس فيها، لكن بعض الأطفال وبفعل الخوف يرفضون الذهاب للمدرسة، خاصة ممن فقد صديقه بالقصف، كما أن بعض الفتيات ممن اجتزن التعليم الأساسي قرر أهلهن عدم إرسالهن للمدارس، بحجة أن تعليمهن لا يستحق المخاطرة.

تحكي هبة من حاس عن الدقائق الثقيلة التي مرت خلال القصف، والتي لا تذكر فيها سوى بكاء الأطفال وصراخ المدير بأن يلزموا أماكنهم، حتى لا يصبحوا هدفاً سهلاً للقنابل والشظايا، هبة فقدت صديقتها في المقعد خلال القصف، ولا تعتقد أن بإمكانها العودة ثانية للمدرسة، فلم تعد المدرسة تعني العلم وبناء المستقبل، بعد أن ارتبط اسمها بالموت.

 

مخلفات القصف تشكل خطراً

لم تكن مخلفات الحرب أقل أثراً من القصف، فالقنابل العنقودية غير المنفجرة تمتد على مساحات واسعة في المنطقة المستهدفة، والأطفال هم أكثر فرائسها، فقد تسببت هذه المخلفات بالكثير من العاهات للأطفال، بالإضافة للموت في بعض الحالات، ولعل السبب الأهم لهذه الإصابات عدم خوف الأطفال من الأسلحة بل وحتى استعمال مخلفاتها في اللعب، بالإضافة للجهل في شكل القنابل، فالسيدة سمر من المعرة فقدت ابنتيها اللتين أحضرتا عبوة معدنية غريبة الشكل للمنزل، وقاما بضربها بآلة حادة فانفجرت وقتلتهما.

أما الطفل عبد الرزاق من حزارين والذي اعتاد اللعب بفوارغ الطلقات وكان يحفظ أنواعها جميعاً بحسب الحجم، حتى عثر على طلقة حقيقية وضربها ليفتحها، مما أفقده يده بالإضافة للكثير من الشظايا التي أصابت جسده كله.

 

الأطفال يعانون من أزمات نفسية حادة

في ظل الحرب يعيش الأطفال ظروفاً غير طبيعية، مما يستوجب ظهور حالات غير طبيعية، فبعض الأطفال أصبح يعاني مشاكل نفسية، بفعل الخوف من صوت الطائرات، والبعض يبكي لسماع صوت عالٍ ظناً منه أنه طائرة، والبعض كحالة رُبا، التي خجلت من لقائنا وهربت للغرفة الأخرى لتحكي لنا أمها عن حالتها، حيث عادت ربا للتبول اللاإرادي ولم يجد لها أهلها علاجاً، رغم كل محاولاتهم، فالسبب في رأي الأطباء نفسي، ولا يوجد أطباء نفسيون في إدلب، ربا اليوم في الصف الأول ولا أحد يعلم متى تشفى من هذه الحالة.

 

أزمة تشوهات ولادية

ينتشر في هواء المناطق المحررة الكثير من السموم، فالبارود والمواد المتفجرة الناتجة عن القصف أحدها، بالإضافة للأدخنة الناتجة عن المحروقات التي تمت تصفيتها بطرق محلية وبدائية، بالإضافة لنقص الأدوية وسوء نوعية بعضها كل ذلك تسبب حسب رأي الدكتورة منال بظهور تشوهات لدى الأجنة لم تكن موجودة قبلاً، حيث أصبحت نسبة التشوهات أكبر، وتكمل الدكتورة أنه للأسف لم تتم دراسة هذه الظاهرة بشكل علمي حتى الآن، لكنها تتحدث بالنسبة إلى خبرتها، وللحالات التي تمر بها.

 

محاولات خجولة لتعويض الأطفال

في ظل هذه الظروف الصعبة ظهرت مبادرات هدفها تعويض الأطفال قليلاً وتذكيرهم ببراءة الطفولة، ورغم أنها مبادرات خجولة، إلا أنها استقطبت الأطفال من كل الأعمار، مثل بعض رياض الأطفال التي تقوم بتعليم الأطفال ومنحهم غرفاً خاصة للألعاب والنشاطات، وبعض مجلات الأطفال التي تقدم التسلية والمعلومة والتوعية والتي توزع في الداخل، ويبقى أثر هذه المبادرات محدوداً لأنها لا تشمل كل أطفال المناطق المحررة.

 

إن واقع الأطفال واقع خطير، يعاني من الإهمال في مختلف الأصعدة، فالرعاية النفسية والاجتماعية معدومة، والواقع التعليمي متردٍ في المحافظة، كل ذلك كان يستدعي تحركاً حقيقاً من قبل مؤسسات المعارضة والمجتمع المدني لتغيير هذا الواقع، ولكنه لم يأتٍ بعد!

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى