الرئيسية / مقالات / رأي / التغلّب شرٌ مطلق – إبراهيم العلبي
التغلّب شرٌ مطلق – إبراهيم العلبي

التغلّب شرٌ مطلق – إبراهيم العلبي

 

لم تعد كلمات مثل المجزرة والإبادة والجريمة والبربرية تكفي، لوصف ما يتعرض له السوريون بشكل يومي، من قتل وتعذيب وتفنن في انتزاع أرواحهم وإحالة المزيد منهم إلى الإصابة والإعاقة والتشرد والحرمان، لا لشيء سوى لأنهم طالبوا المتغلب على إرادتهم، المغتصب لحقوقهم، الجاثم على صدورهم، بأن يكف عن تغلبه واغتصابه، وأن يرحل، ويتوقف عن التحكم بمصيرهم، فأبى إلا أن يخيّرهم بعبارة سيخلدها التاريخ وهي “الأسد أو نحرق البلد”.

لا غرابة في أن يخيّر الغزاة والطغاة الشعوب بين استمرارهم في حكمهم رغماً عنهم، وبين أن يحرقوا بلادهم، فمن كان دخيلاً على البلاد أو كان ابناً عاقاً لها، لن يجد غضاضة في أن يقتدي بهولاكو الغازي، ونيرون العاق الذي أحرق مدينته.

الغريب أن تجد ثواراً خرجوا أصلاً ليقولوا لهولاكو ونيرون لن تحكمنا ولن تحرق بلدنا، وهم يتقمصون دور من ثاروا عليه، ولا يزيدون على أن يتبادلوا معه الأماكن، ويخيرون نظراءً لهم بين أن يتفردوا في حكمهم، ويتبعوا طريقتهم، وبين أن يقضوا عليهم بالقوة.

شاهدنا هذا السلوك في الغوطة ودرعا وحمص وإدلب وحلب، بعد أن انضوى الثوار في فصائل منفصلة، ورفعوا رايات مختلفة، ورغم أن تعدد الرايات والفصائلية أحد أسباب ضعف الثوار السوريين وتأخر نصرهم، وتمكن عدوهم منهم في أنحاء عدة من البلاد، فإن هذه التعددية كانت لتكون أحد أسباب قوتهم وغناهم، فالناس ليسوا نسخاً عن بعضهم، ولكل منهم بؤرة اهتمام تغلب على تفكيره، وما يجمعهم من انتماء لقضية عادلة لا يمكن أن يصهر أفكارهم، ولا يعقل أن يكون هذا مطلوباً من حيث المبدأ، إلا أن الانتماء إلى فصائل مختلفة تحول إلى فصائلية مقيتة، حيث يسعى كل فصيل إلى فرض نفسه على نظرائه، مستعيناً بكل ما يملك من أدوات عسكرية، ونفسية وسياسية وفكرية لتهيئة الرأي العام لذلك التغلّب.

وهنا لم يبخل مناصرو كل فصيل، من مشايخ ودعاة، بتوفير الحجج الفكرية الملائمة لسلوكه المشين في التفرد والإقصاء والتعالي على شركاء الثورة، فسمعنا بمصطلحات كانت الثورة السورية قد هدمتها، وبمعانٍ كانت الثورة قد حطت من قيمتها، وأبطلت مفعولها، في تبرير الاستبداد والطغيان، مثل أن قيادة فلان والفصيل الفلاني هي “ضرورة من ضرورات المرحلة”، و”الغوطة لا تحتمل رأسين” إلى غير ذلك.

وبما أن التغلّب طريق معتبر من طرق الوصول إلى الحكم، أعاد ثوارٌ صادقون إنتاج الاستبداد الذي ثاروا عليه، فاستلهموا أدبيات الاستبداد وأحيوا مصطلحاته التاريخية، وما ذلك إلا نزولاً عند غرور القوة الذي يهيئ أصحابه نفسياً لسحق الآخرين عندما تحين اللحظة المواتية.

لا مناص من التذكير بأن “التغلّب” في الفقه الإسلامي القديم لم يُقدم كحل لمشكلة الحكم، كما أنه لم يُعرض كطريقة معتبرة من طرق انعقاد إمامة الأئمة شرعاً، بل كواقع يجوز للمسلمين شرعاً التعامل معه، وقبوله، من باب “الضرورات تبيح المحظورات”، والنظر إلى هذا الواقع كضرورة في نظر الفقهاء ينبع من كونها خلاف الأصل، وهو الشورى والبيعة الطوعية من الناس، وبغض النظر عن مناقشتنا لكل هذه المصطلحات في التراث الفقهي، فإن أياً من الفقهاء لم يشر إلى “ولاية المتغلب” باعتبارها أصلاً أو باعتبارها مقبولة شرعاً، إلا بوصفها استثناء من القاعدة، ومسوغات هذا الاستثناء تعود إلى أن القول بعدم مشروعية التعامل مع هذا الواقع يؤدي إلى تعطيل الفرائض العامة، وشيوع الفوضى، واحتمال وقوع مفاسد منها سفك الدماء وهتك الأعراض بالجملة، لتحصل مفاسد أكبر من مفسدة الصبر على الحاكم المتغلب، ورغم وجاهة هذا القول الذي قد لا يلزمنا في بعض الحالات، إلا أنه موجه إلى الجمهور، ولا يشمل المتغلب نفسه، فهو لا يبيح له بأي طريقة من الطرق فعله الذي يتضمن خروجاً على الأمة.

التغلّب شرٌ مطلق، ولابد من الأخذ على يد كل من تسول له نفسه فرض إرادته على السوريين أياً كانت مبرراته وحججه، ليس لأن التغلّب بحد ذاته عدوان وجريمة تستلزم العقاب، بل لأنه يقوّض الأساس الأخلاقي للثورة، ويهدم مبدأ العدل الذي تنشده، ويدمر قوتها المادية والأدبية.

ومن العار أن يجد المتغلب في صفوف نخبنا مشجعين ومصفقين ومعينين له، على جريمته ومقامرته بالثورة، التي هي ملك السوريين جميعاً، فكل من يريد أن يفرض على الثورة مساراً جديداً عليه أن يعود إلى الثائرين، لا أن يغتصب إرادتهم أو يفرض وصايته عليهم، فالسوريون أثبتوا حتى اليوم أنهم قادرون على مواجهة أعتى الديكتاتوريات في العالم لسنوات طويلة، وهم بالتأكيد سيحاسبون كل من يريد أن يعيدهم إلى حظيرة القهر والتغلّب مجدداً.

 

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى