الرئيسية / مقالات / تحليلات / الدروس المستفادة من مصير حلب المأساوي ـ ترجمة: محمود العبي
الدروس المستفادة من مصير حلب المأساوي ـ ترجمة: محمود العبي

الدروس المستفادة من مصير حلب المأساوي ـ ترجمة: محمود العبي

دخلت بعض المدن، مثل غروزني، دريسدن، غرونيكا، التاريخ من خلال تدميرها، وستنضم حلب، المدينة الأكبر في سوريا، قريباً إلى صفوف هذه المدن، حيث تحول تراثها الإسلامي البالغ من العمر ألف عام إلى رماد، لأن الطائرات الروسية استهدفت مستشفياتها ومدارسها؛ وتم قصف وتجويع سكانها.

لا أحد يعرف كيف سيموت عشرات الآلاف من الذين ما زالوا في آخر جيب للعرب السنة المحشورين داخل الأنقاض، ولكن حتى لو حصلوا على الممر الآمن الذي وُعِدوا به، تعصف محنتهم منذ أربع سنوات في حلب بالمبدأ الذي ينبغي فيه على الناس الأبرياء أن يكونوا بمنأى عن أسوأ ويلات الحرب. بدلاً من ذلك، فقد سيطر واقع وحشي رديء على الوضع، وأيضاً يهدد هذا الواقع بعالم أكثر خطورة وغير مستقر.

لقياس عمق مأساة حلب، تذكروا أن المظاهرات الأولى ضد الرئيس السوري بشار الأسد في عام 2011 شهدت زحفاً للسنة بطريقة مرحة جنباً إلى جنب مع الشيعة والمسيحيين والأكراد.

منذ البداية، وبمساعدة واسعة من إيران، خطط السيد الأسد لتدمير نطاق المقاومة السلمية باستخدام العنف بهدف جعل شعبه يرد بتطرف وعدوانية. في وقت مبكر، كان ادعاء الأسد خيالياً ومفرطاً بأن جميع الثوار “إرهابيين”. اليوم البعض من هؤلاء الثوار أصبح إرهابياً. كان هناك نقاط تحول عندما كان بإمكان الغرب التدخل من خلال إنشاء منطقة حظر طيران، أو ملاذ يمكن للمدنيين اللجوء إليه، أو حتى برنامج واسع النطاق في تسليح الثوار. ولكن، الغرب كان مصاباً بالشلل بسبب إرثه في العراق وأفغانستان.

وعندما أصبح القتال سيد الموقف، نمت الحاجة إلى التدخل، لكن أصبح خطر وتعقيد التدخل أسرع. وعندما كان السيد الأسد على وشك الانهيار، انضمت روسيا إلى المعركة؛ وذلك من خلال العمل بلا ضمير وبتأثير مدمر.

سقوط حلب دليل على أن الرئيس الأسد قد سيطر وأيضاً دليل على النفوذ الإيراني، ولكن يرجع النصر الحقيقي إلى روسيا، التي بات يُحسب لها حساب مجدداً في الشرق الأوسط.

وبالمثل، فإن الهزيمة ليست مجرد ضربة لمعارضي الأسد، ولكنها أيضاً للإدانة الغربية، ففي السياسة الخارجية، القيم مهمة كما المصالح. فبعد الإبادة الجماعية في رواندا في عام 1994، عندما تم ذبح التوتسي، أدار العالم ظهره، واعترفت الدول بأن واجبها هو تقييد القوة الغاشمة. عندما قَبِلَ أعضاء الأمم المتحدة مسؤولية حماية ضحايا جرائم الحرب، أينما كانوا، تم تبني اتفاقيات ضد استخدام الأسلحة الكيميائية والقتل المفرط للمدنيين وتوسعت الرغبة في تعزيز الحرية والديمقراطية.

أظهرت الحملات التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق أنه حتى أقوى دولة في التاريخ لا يمكنها فرض الديمقراطية بالقوة فقط. مأساة حلب أقل وضوحاً، ولكنها مهمة للغاية، عندما تعرضت حلب لفظائع الأسد، لم يتعدى ما فعله الغرب تكراراً للعبارات الدبلوماسية، ومن خلال الفشل في الوقوف على ما كان من المفترض أن يؤمن به، فقد تبين أن قيم الغرب مجرد كلمات.

يتقاسم الكثير من الناس مسؤولية الفشل، بعد أن أشبع الأسد شعبه بغاز الأعصاب، متجاوزاً بذلك الخط الأحمر الأميركي، وصوّت البرلمان البريطاني على شن عمل عسكري محدود، وعندما فر الملايين من الناس إلى الدول المجاورة لسوريا، بما فيها لبنان والأردن، نظرت معظم البلدان الأوروبية في وسيلة أخرى، أو وضعت حواجز لمنع اللاجئين من الدخول.

يقع اللوم بشكل خاص على باراك أوباما، فقد تعامل الرئيس الأميركي مع سوريا كفخ ينبغي تجنبه، وقد ثبت أن تنبؤه اللطيف كان سوء تقدير تاريخي بأن روسيا ستتعثر في “مستنقع” هناك. طوال فترة رئاسته، سعى أوباما لنقل العالم من نظام تصرفت فيه أميركا بمفردها للدفاع عن قيمها، إلى نظام تتوزع فيه مهمة المعايير الدولية على جميع البلدان؛ لأن الجميع استفاد من هذه القواعد.

حلب مقياس لمدى فشل هذه السياسة. عندما تراجعت أمريكا عن مهمتها، مَنْ ملأ الفراغ ليس الدول المسؤولة التي تدعم الوضع الراهن، ولكن ملأه أمثال روسيا وإيران التي ترى تعزيز القيم الغربية كمؤامرة ماكرة لإحداث تغيير في نظام موسكو وطهران.

من الناحية النظرية، يمكن للرئيس الأميركي المقبل أن يسعى إلى عكس ذلك. ومع ذلك، يجسد دونالد ترامب فكرة التدخل الليبرالي الجشع. حيث يعزز ترشيح وزير خارجيته الجديد ريكس تيلرسون، وهو رئيس شركة إكسون موبيل، فقط رسالة حملته الانتخابية: كرئيس للولايات المتحدة، يريد السيد ترامب إبرام صفقات، وليس نشر القيم.

إبرام الصفقات هو جزء أساسي في الدبلوماسية، خصوصاً مع خصوم مثل روسيا وإيران ومع منافسين مثل الصين. ولكن تشكل السياسة الخارجية التي تترنح من صفقة لصفقة دون استراتيجية مخاطراً جسيمةً. ومن تلك المخاطر أن حلفاء الولايات المتحدة يصبحون ورقة مساومة. وقد علق السيد ترامب بالفعل دعمه لتايوان الديمقراطية، التي تدعي الصين بأنها اقليم منشق، وهو أمر يتم المتاجرة فيه مقابل الحصول على المساعدة في خفض العجز التجاري الأميركي مع الصين. ومن شأن صفقة كبرى يعقدها تيليرسون مع أصدقائه في روسيا والتي، على سبيل المثال، تسحب القوات الأمريكية مرة أخرى من دول خط المواجهة في حلف شمال الاطلسي مقابل عمل دبلوماسي ضد إيران أو الصين جعل دول البلطيق عرضة لعدوان روسي.

تكمن قوة أمريكا العظيمة من خلال شبكة لا مثيل لها من التحالفات. لذلك على السيد ترامب الاهتمام بحلفائه، وليس الاتجار بهم.

يتعرض النظام القائم على الصفقات للخطر أيضاً؛ كون هذا النظام لا يمكن التنبؤ به وغير مستقر. وإذا فشل السيد ترامب في عقد صفقة مع روسيا، فقد ينهار البلدان بسرعة. فعندما تصبح القوة هي الفيصل، تصبح البلدان الصغيرة مجبرة على قبول شروط زهيدة من القوى العظمى. بدون إطار لتجمعهم، تتطلب الصفقات إعادة تفاوض متكرر؛ بنتائج غير مؤكدة. وتصبح المشاكل المعقدة العابرة للحدود- مثل تغير المناخ- حتى بشكل أكبر صعبة الحل.

لقد شهد العالم ما يحدث عندما لا يمكن للقيم الصمود في وجه فوضى واضطراب الجغرافيا السياسية. في حلب المأساوية والتي تخلى عنها الجميع، كان القتال بدون رحمة. حيث كان معظم الناس الذين عانوا هم من الفقراء والأبرياء.

* المادة مترجمة عن الايكونمست الأميركية، لمطالعة المادة الأصلية اضغط هنــــا

 

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى