الرئيسية / تعرف على سوريا / أماكن / الغائبون عن “جِبِلة كورهيوك” ــ مصطفى أبو شمس
الغائبون عن “جِبِلة كورهيوك” ــ مصطفى أبو شمس

الغائبون عن “جِبِلة كورهيوك” ــ مصطفى أبو شمس

على “جِبِلة كورهيوك”، وهي مرتفع صغير، يقال له “جِبِلة”، بلهجة أبناء الريف الشرقي لحلب، تجمّع الفارون من قرى ريف الباب الشرقي، الذين وصلوا “الجِبِلّة” بما يملكونه من عربات، تاركين بيوتهم، هرباً من المعارك التي احتدمت بين تنظيم “داعش” والمليشيات الكردية وقوات المعارضة المنضوية في “درع الفرات” في يوم الرابع عشر من شهر تشرين الثاني الماضي.

فرّ ثلاثة إخوة مع أمهم وعائلاتهم من قرية الكاوكلي، التي كانت خاضعة منذ مطلع عام 2014 لحكم تنظيم “داعش”، وهي التي ينتمي سكانها لعشيرة الكيارة العربية وتتبع مدينة الباب شرق حلب، وكان النظام قد أنسحب منها خلال صيف عام 2012، لتُشكل فيها أول كتيبة محلية تابعة للجيش الحر، حملت اسم كتيبة “أبو غضب”، وهو قائدها الذي عاث فساداً بفرضه الإتاوات على الأهالي، قبل أن ينسحب مع كتيبته إلى مدينة إعزاز مع سيطرة “داعش” على منطقة الباب، لتعود الكتيبة للقتال بالمنطقة مجدداً في الأيام الأخيرة مع قوات “درع الفرات”.

يقول الأخ الأكبر إبراهيم “مع دخول قوات سوريا الديمقراطية في الثاني عشر من تشرين الثاني قرية الشيخ ناصر، على بعد كيلومترين اثنين شمال قرية الكاوكلي، لتتجه نحو قرية صوبيران القريبة، أدرك تنظيم داعش أن الهدف القادم لهذه القوات سيكون قرية الكاوكلي”.

أصبحت هذه القرى الصغيرة المنسية بريف حلب الشمالي الشرقي ساحة للصراع الثلاثي الجاري بين المليشيات الكردية و”داعش” وقوات المعارضة المدعومة من تركيا، لكن أهلها غابوا عن هذا الصراع، وتاهوا بينما يراقبون من على “جِبِلّة كورهيوك” المعركة التي سيتمخض عنها حاكمهم الجديد.

في عصر يوم الرابع عشر من تشرين الثاني جالت سيارات “داعش” في قرية الكاوكلي لتنادي عبر مكبرات الصوت طالبة من السكان إخلاء القرية بالقول “على الجميع إخلاء القرية، من أراد الذهاب إلى الملاحدة، وهو وصف يطلقه التنظيم على المليشيات الكردية، فليذهب، ومن أراد الذهاب إلى المرتدين، وهو وصف يطلقه التنظيم على الجيش الحر، فليذهب، ومن أراد الذهاب إلى أراضي الخلافة باتجاه بلدة العريمة، فليذهب”.

السيارات المفخخة كانت قد أخذت مكانها في القرية استعداداً لمعركة الكاوكلي، ومقاتلو التنظيم انتشروا في المكان، أدرك أهالي القرية هول ما سيحدث، وكان الليل قد هبط، خرج سكان الكاوكلي باتجاه “جِبِلّة كورهيوك”، ليجدوا هناك أبناء قرية البوغاز وقرية صوبيران، لقد اجتمع سكان المنطقة هناك ليراقبوا المعركة التي ستشهدها قراهم.

المطر كان غزيراً تلك الليلة والعتمة أطبقت على المكان، جاءت أصوات أربعة انفجارات من قرية الكاوكلي، توقع المتفرجون على “جِبِلّة كورهيوك” أنها أصوات انفجار السيارات المفخخة، طائرات التحالف لم تغب عن الأجواء، وأصوات الرصاص كانت كثيفة جداً، وسقطت بعض قذائف المدفعية قرب مكان تجمعهم على “الجِبِلة”.

كانت محاولات المليشيات الكردية الرامية لاقتحام قرية الكاوكلي تترافق مع محاولات قوات المعارضة التقدم نحو قرية العجيل القريبة جداً.

هجوم قوات سوريا الديمقراطية على قرية الكاوكلي كان هجوماً خجولاً من جهة قرية الشيخ ناصر التي سيطروا عليها قبل يومين، وهجوماً قوياً من جهة قرية صوبيران، وذلك بسبب سيطرتهم على تلة عالية تبعد 500 متراً فقط عن مدرسة قرية الكاوكلي شمال القرية.

على “الجِبِلة” الواقعة إلى الغرب من الكاوكلي والشرق من العجيل وجنوب صوبيران كان النقاش محتدماً بين الإخوة الثلاثة، كحال كل العائلات المتواجدة هناك، وذلك حول تحديد وجهتهم التي سيلكونها في الصباح، بالتزامن مع أصوات القذائف التي تحز قلوبهم، كما بيوتهم، التي باتت تهدم أمام أعينهم.

الذين بقوا في القرية ورفضوا الخروج لم ينج منهم الكثير، سقط اثنا عشر مدنياً من أبناء قرية الكاوكلي قتلى أثناء المعركة كان بينهم ثلاثة أطفال، أمام طرح فكرة العودة إلى القرية انبرى، عيسى، وهو الأخ الأوسط ليقول “نحن لا نعرف ما يحدث، كيف سنعيش في القرية؟ هل سيعتبروننا إرهابيين من داعش؟ كيف سيعاملوننا؟ هنا أنا أعرف كل الطرقات والأراضي، سأبقى على الجِبِلّة التي أوصلنا إليها حدسنا، في الصباح سأذهب إلى البيت وآتي بشادر لأنصبه هنا على أرضي”.

الأخ الصغير، محمد، قال “نحن على هذه الجِبِلّة هدف للطيران والمناظير الليلية، لن أبقى في المجهول سأتجه نحو قرية العجيل التي سيطر عليها الجيش الحر هناك الكثير من أقربائنا، سأجد هناك من يساعدني”.

أما إبراهيم فاختار التوجه إلى قرية الصيادة غرب الكاوكلي، قائلاً “سأتجه نحو الصيادة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (المليشيات الكردية)، الكثير من أهالي القرى الأخرى نزحوا إلى هناك”

ومع الصباح صمتت المدافع وانقطعت أصوات الرصاص، وانقطعت أنفاس المحتارين على “جِبِلّة كورهيوك”، الذين يترقبون حال قراهم ويترددون بتنفيذ قرارات التحرك لمكان آخر.

في الساعة الثامنة صباح اليوم الخامس عشر من تشرين الثاني ودّع الإخوة الثلاثة بعضهم البعض، بعد أن تدارسوا للمرة الأخيرة القرارات التي اتخذوها، محاولين التوفيق بينها لسلوك طريق واحد.

لقد فرقت آلام الحرب الثلاثية شمل العائلة، حيث يعيش إبراهيم اليوم في قرية الصيادة تحت حكم المليشيات الكردية، ويعيش محمد في قرية العجيل تحت حكم الجيش الحر مع أطفاله، أما زوجته، فهي ما تزال عند أهلها في بلدة العريمة، التي يسيطر عليها تنظيم “داعش”، بينما ينتظر عيسى عودتهم جميعاً على “جِبِلة كورهيوك”.

 

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى