الرئيسية / تحقيقات / أرامل الشمال السوري تحت ضغط التقاليد والحاجة ــ أسماء النعسان
أرامل الشمال السوري تحت ضغط التقاليد والحاجة ــ أسماء النعسان

أرامل الشمال السوري تحت ضغط التقاليد والحاجة ــ أسماء النعسان

منذ أن دخلت الثورة شهرها السابع بدأت أعداد الشهداء بالتزايد، مخلّفين وراءهم أرامل في مقتبل العمر، حتى بلغ عدد الأرامل الآن عشرات الآلاف، انتهى بهنّ الأمر إلى الاعتماد في المعيشة على أقرب رجل في عائلة الزوج، ما وضعهنّ في حالة من التبعية جعلت منهنّ عرضة للانتهاكات والمضايقات.

وضاعف من معاناة الأرامل عجزهنّ عن دخول مجال العمل والوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، فهنّ محكومات في معظم الأحيان بجملة من العادات والتقاليد التي لا تسمح لهنّ بالعمل، فعند وفاة الزوج أو فقدانه تبدأ مرحلة اضطهاد الأرملة وخاصة إن كانت عائلة زوجها لا تكنّ لزوجة الابن المودّة، وفي حال اختارت الأرملة العودة لبيت أهلها، فغالباً ما يرفض أهلها تربية أطفالها، وهنا لا يبقى لها خيار سوى تركهم لعائلة زوجها المُتَوَفَّى، ليعيشوا معاناة الفقدان المزدوجة.

نظرة سلبية من المجتمع للأرامل

التقت “الغربال” أم أحمد (28 عاماً)، وهي نازحة مع عائلة زوجها إلى مخيم عقربات، قرب الحدود التركية شمال إدلب، قالت أم أحمد “لم يكن استشهادُ زوجي أكبر المصائب كما توقعت، بل كان بداية لرحلة الشقاء، فها أنا أعيش اليوم مجبرةً برفقة أبنائي الثلاثة في غرفة واحدة مع جدّهم، الذي رفض أن نسكن في منزل زوجي، بداعي الحرص والاهتمام بتربية الأطفال”.

تضيف أم أحمد “لا تحظى الأرامل بالعناية في مجتمعنا، بل يُنظر إليهنّ بنظرة دونيّة غالباً، أتمنى أن أجد زوجاً يهتم بي وبأطفالي، لكنّ العادات، لا تسمح لزوجة الشهيد بالزواج مرة أخرى في بعض المناطق، وهذا ما يجبر الأرملة على مجالسة أبنائها طوال حياتها، خاصة إن كانت كبيرة في السن، وإذا ما كانت صغيرة فلديها خياران لا ثالث لهما، فإما أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة، أو أن تقبل الزواج من رجل طاعن في السن لتتحول إلى خادمة له، أما إذا كان الأطفال بصحبتها فتتقلص فرصها بالزواج، بسبب مسؤولية تربيتهم والإنفاق عليهم”.

مشكلات كثيرة ناتجة عن احتفاظ الأرملة بأبنائها

تزداد معاناة النساء اللاتي اخترن البقاء مع أبنائهن ورفضن الدخول في حياة جديدة بمعزل عنهم، وقررن التصدي لمهمة تربية أبنائهن ومتابعة تعليمهم رغم الصعاب، فعندما تقرّر المرأة الاحتفاظ بأولادها ليكبروا في كنفها في بيت الزوج الثاني، ستنشأ مشكلات مع أهل الزوج المتوفى، إضافة لمشكلات نفسية جديدة سيعاني منها الأطفال، نتيجة التمييز بين أطفال الأب الجديد وأطفال الأم المُتوفى زوجها.

تقول زينب (21 عاماً) وهي نازحة بمخيم أطمة في حديثها لـ”الغربال” إنَّ “حياتي باتت صعبةً جداً، فقد كان أولادي بكنف والدهم الذي يتولى أمورهم، أما الآن فأعيش على المساعدات التي أتلقاها من بعض ميسوري الحال والجمعيات الإغاثية”.

حال زينب كغيرها من الأرامل اللواتي اعتمدنَ هنّ وأولادهنّ على ما توفره الجمعيات، في ظل عجزهنّ عن لعب أي دور لتأمين لقمة العيش، وهذا ما تؤكده لـ “الغربال” المرشدة النفسية فاطمة، التي تقول “تعتمد النساء الأرامل بشكل كبير على شبكات رعاية الأيتام، التي تقدّم لهن جزءاً يسيراً، مقارنة بالاحتياجات، ضمن مخيمات خاصة بأبناء الشهداء، وهذا يشكل ضغطاً نفسياً غير مباشرٍ على نفسياتهنّ ويضعهن دائماً تحت رحمة مسؤول المساعدات”.

تضييق مستمر على الأرملة يمنعها من العمل

تقول مفيدة (19 عاماً) وهي نازحة بمخيم قاح لـ”الغربال” شارحة وضعها “لا يسمح لي إخوتي وإخوة زوجي بالعمل، حتى إنهم لا يسمحون لي بالخروج من المنزل إلا برفقة أحدهم، ويطلبون مني دائماً عدم التفكير إلا بأطفالي والعمل على المنزل من تجهيز طعام والقيام بواجبات الغسيل والتنظيف فقط”.

وبحسب “مفيدة” فإنّه “يوجد العديد من الأرامل ممّن استطعن الاستقلال بمنازل خاصة ولكنهن لم يجدنَ فرص عمل مناسبة، كما أنهن يتعرضن للعديد من المضايقات النفسية والجسدية، بسبب سعيهنّ وحيدات لـتأمين احتياجاتهن واحتياجات أطفالهن، إضافة إلى نظرة المجتمع الدونية لهن”.

وفي هذا السياق تقول المرشدة النفسية فاطمة إنّ “حرمان هؤلاء النسوة بشكل متعمد من نسج العلاقات الاجتماعية التي من شانها أن تسمح لهن بتجاوز مشاكلهن يعتبر جريمة، ويحوّل المرأة إلى ضحية، ما يضطرها إلى القيام بتصرفات قد لا ترى أمامها سواها كالانتحار أو الهروب من المنزل أو إيذاء أطفالها، وقد شهدتُ العديد من حالات محاولة الانتحار أو الهروب من المنزل”.

تتابع فاطمة “اتضح لي من خلال مقابلة النساء الأرامل تردّدهن في الإفصاح عما تحتاج إليه أنفسهن، من دعم ورعاية صحية ونفسية، بسبب ما مررن به من فترات صعبة، من وفاة الزوج وتحمّل مباشر للمسؤولية عن الأبناء وما يتبعه من أزمات، وبذلك يتفاقم الألم النفسي مع ازدياد حدة الفقر والاضطرار للانتقال من مكان لأخر بسبب القصف المستمر، وإشكاليات المخيمات، كل ذلك كان كفيلاً بالتسبب بالإجهاد النفسي والبدني فالراحة بالنسبة لهذه النسوة هو أمر غير متاح”.

واجب الحد من معاناة الأرامل

تقول الناشطة في مجال الدعم النفسي، حميدة اليوسف، لـ”الغربال” إن “أولى خطوات التغلب على هذه العواقب هي توفير قدرٍ كافٍ من الأمان لهؤلاء الأرامل، فالعديد منهنّ يتعرضن لجميع أنواع التحرشات اللفظية والجسدية وهذا يعتبر هيّنا قياساً بالعزلة والاكتئاب والضغط النفسي، بالنسبة للواتي أصبحنَ مسؤولات عن أسرهنّ وبتنَ يخرجنَ للعمل أو لتسيير أمور عائلاتهن”.
وتوضح اليوسف قائلة “لتحسين الظروف الهيكلية من أجل تكريس وكالة المرأة الأرملة على نفسها فهي بحاجة إلى مؤهلات رئيسية، أولها الوعي الذاتي، ومن ثم إعطائها جلسات في الدعم النفسي، والشعور بالمسؤولية بشكل أكبر، بالإضافة إلى التعليم واكتساب المهارات والخبرات التي تعتبر رأس المال الاجتماعي، الذي يؤمن في نهاية المطاف بدائل للتبعية والخنوع”.

 

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى