الرئيسية / مقالات / رأي / السوريون و”دعاية الرعب” ــ رامي سويد
السوريون و”دعاية الرعب”  ــ رامي سويد

السوريون و”دعاية الرعب” ــ رامي سويد

يورّث السوريون لأبنائهم منذ نحو خمسين عاماً إلى اليوم حكايات وتجارب القهر والاستعباد، التي عاشوها في ظل نظام الأسدين الأب والابن، فينقلون من جيل إلى جيل تاريخاً طويلاً من القمع الذي مارسه النظام على الشعب السوري.

ويجري ذلك بإرادة ورضا قيادة النظام، التي تعتبر أن استراتيجية قمع الشعب وإسكاته، بهدف حكمه بالحديد والنار، يجب أن تشمل ما يمكن أن يسمى بـ”دعاية الرعب”، القائمة على تناقل السوريين جميعاً، بمن فيهم الموالون للنظام لأسباب مصلحية، للأخبار والحكايات التي تروي حقيقة ما يجري في معتقلات الأسد من تعذيب وإرهاب، وتلك التي تروي قصص الحصار والمجازر التي ارتكبتها قوات الأسد في المدن السورية.

وعلى هذا الأساس كان للعمل الإعلامي في سنوات الثورة السورية الخمسة، وحتى قبلها، محاذير لم ينتبه إليها كثيرون، ذلك أن كثيراً من الإعلاميين والصحافيين المناهضين للأسد ونظامه داسوا، أثناء عملهم، ألغاماً زرعها الأسد، ليساهموا من حيث لا يدرون بـ”دعاية الرعب”، التي انتشرت كالنار في الهشيم، وقلبت كثيراً من موازين القوى لصالح الأسد.

بدأ الأمر حين اعتاد النشطاء، الذين أخذوا على عاتقهم مهمة نقل أخبار الثورة إلى العالم، عبر وسائل الإعلام، بالمبالغة بأعداد ضحايا إطلاق قوات الأسد النار على المظاهرات، وما رافق ذلك من مبالغات في أخبار الاعتقالات والتعذيب وغيرها من الممارسات التي كانت أجهزة النظام السوري الأمنية والمليشيوية تتبعها لقمع الثورة، معتقدين أنهم بمبالغتهم يظهرون للسوريين والعالم النظام بصورة أسوأ، دون أن ينتبهوا إلى أنهم يقومون من جانب أول بنشر “دعاية الرعب” التي يريد النظام نشرها في أوساط السوريين ليترددوا بالمشاركة في الثورة، ويتسببون من جانب آخر بإفقاد الثائرين على الأسد كثيراً من مصداقيتهم، وذلك حين ينجح إعلام الأسد بإمساك هفوة “إعلامية” لإعلام الثائرين، ليضرب بها مصداقية هذا الإعلام كله.

واعتادت استخبارات النظام، وبشكل واضح ومكشوف، على تسريب مقاطع مصورة تظهر تنكيل عناصر النظام بمعتقلين سوريين، ليقوم نشطاء الثورة، بنشرها بحسن نية، على صفحاتهم بمواقع التواصل، بهدف فضح جرائم النظام، إلا أن ما يجري، كان في الوقع، هو نشر “دعاية الرعب” التي يريدها النظام الذي سربت استخباراتهم معظم هذه المقاطع “المرعبة”.

ولم يقتصر نشر “دعاية الرعب” عند هذا الحد، حيث امتد الأمر وتوسع وصولاً للتدخل الروسي في سوريا، حين تحولت منابر وأصوات يفترض أنها مناهضة للأسد إلى مصادر لتدفق يومي لبيانات عن إمكانات روسيا العسكرية الكبيرة ولتحليلات عن شخصية الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وما قيل إنه “خطته الرامية للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من العالم واستعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي المنهار انطلاقا من سوريا”.

كان معارضو الأسد من رجالات السياسة والإعلام يخرجون يومياً إبان التدخل الروسي بسوريا على الفضائيات ليخاطبوا السوريين، شارحين آفاقاً للتدخل الروسي لم تخطر ربما على بال الروس أنفسهم وقتها، ساهم ذلك بنشر إحساس في أوساط السوريين بأن ميزان القوى اختل لصالح الأسد بشكل قد يعني حسم الصراع في سوريا لصالحه، وهو الأمر الذي بات قريبا من التحقق مؤخراً، نتيجة التغييرات السياسية الكبيرة التي يشهدها العالم، والتي لم تكن موجودة منذ عام وشهرين حين بدأ التدخل الروسي بسوريا.

وبالعودة قليلاً إلى الوراء، لا يخفى على أحد من السوريين الذين تابعوا تغطية ما جرى في حلب، كيف حول الناطقون باسم المعارضة، على وسائل الإعلام العربية والدولية، أنفسهم، إلى ماكينات لتكرار احصائيات الغارات الجوية وأعداد ضحايا العدوان الروسي على حلب، لينشروا شعوراً عاماً بالهزيمة في أوساط الثائرين على الأسد والمعارضين له، دون أن يكلفوا أنفسهم بالتفكير بتغيير سياساتهم التي تمخضت عن انسحاب الهيئة العليا للمفاوضات من مفاوضات جنيف، في شهر نيسان الماضي، لتترك حلب عارية أمام القصف الروسي، دون أن يكون لدى الهيئة أي بديل عن المفاوضات على عيوبها.

فاكتفى هؤلاء “الناطقون” بالتحول لنوّاحات تنوح يومياً على وسائل الاعلام على مدنيين دفعوا، في حلب وغيرها، ثمناً باهظاً لمواقف سياسية وسياسات إعلامية فاشلة لرجال المعارضة والناطقين الإعلاميين باسمهم والقائمين على وسائل إعلام هذه المعارضة، فهؤلاء وإن كانوا يتنطعون يومياً بالحرية نهجاً وبإسقاط الطاغية هدفاً، فإنهم كانوا من حيث يدرون أو لا يدرون جسراً مرت عليه مخططات عدوهم.

اليوم تعود “الغربال” للصدور بعد انقطاع، نتيجة ظروف قاهرة منعتها من الصدور خلال الأشهر القليلة الماضية، حاملةً، كما كانت، رسالة النقد الموضوعي، بعيداً عن التحزب والتهجم، لتبحث في حقل الألغام الذي زرعه الأسد وبعض معارضيه، عن نهج مستقل يتناول الحدث السوري برؤيا تجعل من الإنسان السوري بوصلة لها، بعيداً عن المبالغات والمزاودات والمداهنات التي باتت نهجاً لكثيرين.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى