الرئيسية / أخبار / التحطيب الجائر يقضي على المساحات الخضراء في الشمال السوري – علاء الدين إسماعيل
التحطيب الجائر يقضي على المساحات الخضراء في الشمال السوري – علاء الدين إسماعيل

التحطيب الجائر يقضي على المساحات الخضراء في الشمال السوري – علاء الدين إسماعيل

المساحات الخضراء ثروة بيئية، يشكّل وجودها مصدر استقرار وأمن للتجمعات البشرية، لدورها الحيوي في تأمين معيشة واستمرارية تلك التجمّعات، من خلال توفيرها الغذاء للسكان، ومواشيهم، بالإضافة إلى كونها مصدراً هاماً للأخشاب، ومساهمتها في بعث الجمال في الطبيعة، والرحة في النفوس، وهي ممتلكات عامة، لجميع السكان، لذلك يعد استغلالها غير المنظّم من خلال التحطيب الجائر، اعتداء على هذه الممتلكات يؤدي إلى اندثار هذه الثروة، والقضاء على البيئة.

لقد قضت ظروف الحرب، وما رافقها من تحطيب جائر، على الكثير من المناطق الخضراء في الشمال السوري، كما قضت على مراكز الاصطياف وألغت الدور السياحي الذي تمثّل الغابات عنصراً بارزاً فيه، وخاصةً في مناطق جسر الشغور وأريحا وجبل الزاوية ومناطق أخرى بريف إدلب الشمالي.

انتشار التحطيب بسبب ندرة المحروقات وارتفاع أسعارها

يقول رئيس مشروع إدارة وتنظيم الغابات واستثمارها، المهندس أحمد حاج بكري لـ”الغربال” إنَّ “غلاء المحروقات وفقدانها في معظم الأحيان، دفعا المواطن إلى التحطيب العشوائي، الذي يعتبر من أبشع الأخطار التي تتعّرض لها المساحات الخضراء في ظل الظروف الراهنة، حيث يقوم سكان المناطق والتجمعات السكانية القريبة من الغابات والمزارع بالتحطيب غير الرحيم والاستغلالي، من خلال قطع الأشجار من أسفل ساقها، الأمر الذي يؤدي إلى موت الشجرة وعدم إثمارها”.

هذان السببان بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية السيئة التي فرضتها الحرب، دفعت جميعاً بالمواطن السوري إلى البحث عن بدائل في الحياة مضحياً بكثير من الأمور الضرورية.

يقول أحمد الأشقر، وهو أحد سكان منطقة جسر الشغور، في حديث لـ الغربال” إنه “بسبب البرد القارس وانعدام المحروقات، نلجأ أحياناً لقطع أشجار مزارعنا المثمرة كالزيتون والفستق الحلبي، بعد أن أصبحت المناطق الحراجية والزراعية مناطق قاحلة، لكثرة ظاهرة التحطيب”، مشيراً إلى أنّ “البعض اتّخذ من التحطيب مهنة وبات يبيع الأخشاب لتأمين قوت عياله”.

تجارة رائجة في الشمال السوري

مع ارتفاع أسعار المحروقات وقطع النظام و”داعش” طرقها في معظم الأحيان، أصبح الخشب مادة رئيسية في أسواق إدلب، وبات الناس يعتمدون عليه بشكل كبير في التدفئة وطهو للطعام، فتزدحم سوق الحطب ويزداد الطلب عليه، ليغدو تاجر الحطب من المحظوظين فيما لو توفرت لديه كميات كافية تسد حاجة الناس، وتشكل هذه المهنة عنصراً جاذباً لكثير ممن فقدوا أعمالهم، ليجدوا في شراء وبيع الحطب تجارة رابحة، لا تخلو من جشع التجار وطمعهم وتحكمهم بأرزاق الناس.

محمد النجم صاحب سيارة نقل يقول لـ “لغربال” شارحاً “كنت أعمل في نقل البضائع، ولكن بسبب ظروف الحرب ومخاطر الطرقات، توقف عملي، فوجدت في شراء الحطب وبيعه أفضل وسيلة لكسب رزقي، وها أنا أسافر كل أسبوع إلى ريف اللاذقية وأشتري الحطب وأبيعه بالقرب من سوق سراقب”، موضحاً أنّ “بيع الحطب يزداد عندما تغيب المحروقات من الأسواق، لأن الناس اعتادوا شراءه، فهو يوفّر عليهم الكثير من المصاريف”.

من جهته يقول تاجر الحطب، عبد الإله، في حديث لـ”الغربال” أنه “منذ عشرين سنة أعمل في بيع الحطب”، ويتابع “لكن لم أبع الحطب بكثرة مثل هذه الأيام، وبتُ لا أستطيع تلبية طلبات الزبائن، لافتاً إلى أنّه يقوم بشرائه أحياناً من أناس يقطعون أشجارهم المثمرة، بسبب الفقر والحاجة”.

التحطيب العشوائي ينذر بكارثة بيئية واقتصادية

تقول المهندسة الزراعية فاطمة نحاس  لـ”الغربال” أنه “مهما كانت الأسباب، فنحن أمام مشكلة خطيرة امتد أثرها إلى البيئة،  فمن خلال ملاحظة دقيقة نلمح مساحات خضراء واسعة  تحوّلت إلى أرض جرداء، نتيجةً التحطيب العشوائي وغير المشروع للأشجار، التي تشكل متنفساً وحيداً للبيئة، وعاملاً جمالياً للطبيعة، فأعداد هائلة من الأشجار تتعرض للفتك والإبادة والقطع الجائر، وخاصةً تلك النادرة والمعمرة منها، كالسنديان والدلب، وهي عرضة للانقراض، وإن لم نتدارك هذه المشكلة، ونضع حداً لأعمال قطع الأشجار، سنكون أمام خطر كبير، يتمثل بانحسار الحزام الأخضر وتصحّر البيئة”.

ولكن لمّا كان التحطيب حلّاً إسعافيا لمواجهة هذه الضائقة المادية فإنّه من الواجب ترشيدها وتقنين استخدامها، تضيف نحاس إن “الخطر الأكبر والآثار السلبية التي تخلّفها هذه الأعمال يكمن في العشوائية، وهذا مؤشر لدمار القطاعين السياحي والإنتاجي، حيث تشتهر إدلب بالزيتون، بالإضافة إلى المنتزهات والمصائف”.

ليس الجانب الاقتصادي هو المتضرر الأوحد بل يمتد الخطر ليهدّد الطبيعة منذراً بأوبئة مع غياب الحزام الأخضر، بحسب نحاس، التي تضيف إنَّ “الأشجار تلعب دوراً مهماً في تلطيف الجو، وحماية التربة من الانجراف، وممارسة هذه الأعمال يسيء إلى الدور الإيجابي الذي تقوم به الأشجار تجاه البيئة، ما يعزز فرضية سرعة انتشار الأمراض وظهور أمراض جديدة”.

غياب دور سلطات الأمر الواقع عن حماية الأشجار

من واجب السلطات المحلية حماية الممتلكات العامة والخاصة التي تقع تحت سيطرتها، ولكن الهاجس الأمني في الشمال السوري صرف تفكير الفصائل المسيطرة إلى السعي لتوفير الأمان للمواطنين، على حساب كثير من الجوانب الأخرى، وهو أمر ما كان يجب ان يحصل.

يقول القيادي في جيش إدلب الحر، أبو محمد لـ”الغربال” أنه “بسبب الظروف الأمنية الصعبة لم نستطع تفريغ عناصر لحماية الغابات والأشجار، ولكن في نفس الوقت، في حال صادفنا إساءات لهذه الثروات فإننا نقوم بتقديم الفاعلين للمحاكم المختصة”، مضيفاً أن “قوات النظام السوري كان لها الدور الكبير في تجريف المساحات الخضراء، وإحراق جزء آخر”.

ويبقى الأفضل قيام السلطات المحلية بإجراءات وفرض قواعد رادعة تفرض العقوبات على من يمارس التحطيب الجائر، إضافة لضرورة نشر الوعي بين الناس، من خلال المنظمات الثقافية والمراكز التوعوية، حول مخاطر هذه الظاهرة وانعكاساتها عبر ندوات وحوارات مفتوحة قد تلعب دوراً في المساعدة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى