الرئيسية / أخبار / مبادرات محلية لتشغيل قطاعات الإنتاج المنهارة شمال سوريا – علي الخطيب
مبادرات محلية لتشغيل قطاعات الإنتاج المنهارة شمال سوريا – علي الخطيب

مبادرات محلية لتشغيل قطاعات الإنتاج المنهارة شمال سوريا – علي الخطيب

تعاني المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، شمال سوريا، من توقف دورة الإنتاج، وبالتالي غياب العلاقات الناتجة عنها، ففي ظل الحرب، ما من دورة إنتاجية متكاملة، حيث يسود “القطاع الحربي” على معظم القطاعات الأخرى، فالمصدر الأبرز للدخل، في هذه المناطق، هو الرواتب والمساعدات المقدمة كتعويض عن القيام بأعمال قتالية إلى جانب فصائل المعارضة، إضافة لرواتب موظفي المؤسسات المرتبطة بالمعارضة، بينما تعاني القطاعات الأخرى كالزراعة والصناعة والتجارة من عدة مشاكل جعلت أنشطة هذه القطاعات موسمية، ومزاجية، تتبع الأوضاع العسكرية والأمنية السائدة في المنطقة.

ومع ذلك لم تغب المبادرات المحلية التي قام بها أفراد من السكان، متحدين الظروف الصعبة، ومحاولين الاعتماد على أنفسهم لإيجاد مصادر دخل يعينهم على الصمود أمام ظروف الحرب الصعبة التي يعيشونها.

ومع طرد تنظيم “داعش” من ريف حلب الشمالي، يتطلع السكان لتنشيط القطاعات الانتاجية في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة، وهي التي تعتبر قطاعات نقية، ومشروعة، وتدر أرباحاً مقبولة، تدعم الاقتصاد المحلي، وتشغل اليد العاملة، وتقضي على البطالة التي تنتشر منذ أكثر من خمس سنوات.

القطاع الزراعي شبه متوقف بانتظار عودة المزارعين ودعمهم

للقطاع الزراعي أهمية خاصة في تحقيق حالة الأمن الغذائي في سوريا، كما أن العمل فيه يشكل المصدر الوحيد لدخل نحو ربع السكان، لكن هذا القطاع تضرر بشكل كبير، حيث انخفض إنتاج الحبوب بشكل مطرد كل عام، وقالت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم “فاو”، في منتصف شهر تشرين الثاني، إن “إنتاج الغذاء في سوريا تدنى إلى مستوى قياسي”، وأوضحت المنظمة أن ” المناطق التي زرعت بالحبوب في موسم الحصاد 2015-2016 كانت الأصغر مساحة على الإطلاق، حيث لم تتعد المساحة التي زرعها المزارعون 900000 هكتار من القمح، مقارنة مع 1.5 مليون هكتار قبل خمس سنوات، وسجل الإنتاج انخفاضاً حاداً أكبر من ذلك، حيث هبط من معدل 3.4 مليون طن من القمح كان يتم حصادها سنوياً قبل الحرب إلى 1.5 مليون طن هذا العام، أي أن انخفاض الإنتاج كان بنسبة 55 بالمئة”.

لكن عودة المزارعين إلى أراضيهم بعد طرد تنظيم “داعش” منها في ريف حلب الشمالي، ترفع من احتمالات انتعاش القطاع الزراعي مجدداً في المنطقة، ويتوقع هؤلاء العائدون مواجهة صعوبات عديدة بعد أن باشروا زراعة أراضيهم، وأبرزها ارتفاع أسعار البذور والأسمدة والمبيدات الحشرية والمحروقات وأجور النقل، بشكل لا يتناسب مع أسعار المحاصيل التي ينتجونها، بالإضافة إلى انخفاض جودة الأسمدة والمبيدات.

وعلى الرغم من ذلك تبقى الزراعة العمود الفقري لسبل العيش بالريف وتحافظ على الإمدادات الغذائية في المنطقة، وتشغل السواد الأعظم من القوى العاملة، ما يعني تعزيز الاستقرار، وجذب النازحين ليعودوا إلى قراهم وبلداتهم، ويمارسوا مجدداً الأنشطة الزراعية التي لطالما كانت مصدر دخلهم الرئيسي.

ولابد من التأكيد على واجب مؤسسات المعارضة المتمثل بدعم المزارعين بالبذور والأسمدة ما سيدفعهم لاستثمار أراضيهم، فجهود مؤسسات المعارضة يجب أن تدعم استمرارية وتدوير هذا القطاع، الذي يعتبر من أهم القطاعات الاقتصادية في ريف حلب الشمالي تبعاً للظروف البيئية والطبيعية الملائمة لنجاحه، بالإضافة للمساحات الكبيرة من الأراضي السهلية، التي يمكن زراعتها بمختلف أنواع المحاصيل الغذائية الاستراتيجية التي قد تحقق جانب مهم من الأمن الغذائي لسكان هذه المنطقة على الأقل، وبالتالي التخفيف من الاعتماد على الجهات الدولية لتأمينها.

مبادرات لتربية المواشي

قام مجموعة شبان من ريف حلب، بتأسيس مزرعة لتربية الأبقار، ليجدوا لأنفسهم فيها عملاً يدر لهم دخلاً يمكن أن يغطي مصاريف عائلاتهم، خصوصاً مع توسع سوق التصريف بتقلص مساحة المناطق التي يسيطر عليها تنظيم “داعش” بريف حلب.

مدير المزرعة، سامر، قال إنه قرر مع رفاقه البدء بالمشروع بالرغم من الانتقادات الشديدة التي تعرضوا لها، فكثير من معارفهم قالوا لهم “أنتم مجانين قد تخسرون كل ما تملكون من رأس مال، بمجرد تغير الوضع الأمني أو العسكري في المنطقة”.

ولفت سامر إلى أن “المبادرات التجارية المحلية التي تعتمد في دخلها على تربية المواشي تواجه جملة من الصعوبات، لعل أبرزها صعوبة تأمين الأعلاف الضرورية في ظل انقطاع طرق المواصلات، وارتفاع أسعار الأعلاف، في المقابل لا يمكن تصريف الفائض من المنتجات الحيوانية إلى مناطق بعيدة كريف حلب الغربي وادلب مثلاً دون دفع رسوم مالية باهظة لمليشيا الوحدات الكردية، التي تسيطر على مدينة عفرين بريف حلب الشمالي، وهي المنطقة التي تعتبر ممراً اجبارياً من ريف حلب الشمالي إلى الغربي ومنه إلى ريفي إدلب وحماة”.

وشهد ريف حلب الشمالي في الآونة الأخيرة، بالتزامن مع معارك قوات المعارضة المنضوية في “درع الفرات” ضد تنظيم “داعش”، والتي أسفرت عن طرد التنظيم من مناطق كثيرة، عودة الكثير من مربي الحيوانات إلى المنطقة، كما كانت مناطق ريف حلب الشمالي مقصداً لكثير من سكان مناطق ريف حلب الشرقي والجنوبي المشهورين بمهنة تربية الحيوانات.

حيث تتوفر في ريف حلب الشمالي مراعي جيدة، بسبب بقاء ألاف الهكتارات من الأراضي الزراعية بوراً دون زراعة، لأنها كانت مناطق اشتباك بين قوات المعارضة وتنظيم “داعش”، أو بسبب ترك أصحابها لها إبان سيطرة تنظيم “داعش” على مناطق واسعة في ريف حلب الشمالي بداية عام 2014.

وينعكس كل ذلك بشكل ايجابي على دورة الانتاج الحيواني بريف حلب الشمالي، ويؤثر بشكل إيجابي ومباشر على المجتمع المحلي، الذي عانى كثيراً من فقدان الكثير من السلع والمنتجات الحيوانية، كالبيض واللحوم، والحليب والألبان ومشتقاتها، وارتفاع أسعارها بسبب انعدام التنافسية وقلة العرض وزيادة الطلب.

القطاع الصناعي مدمّر ومبادرات خجولة في ظروف صعبة

غاب القطاع الصناعي عن سوريا بشكل شبه كامل خلال السنوات الخمسة الأخيرة، إما بسبب الاشتباكات والقصف أو بسبب توقف دورة الإنتاج والظروف الاقتصادية المتردية عموماً.

وكمثال على الحال المتردية التي وصل لها القطاع الصناعي، يمكن النظر إلى وضع المناطق الصناعية الثلاث الواقعة شمال حلب، والتي دُمرت بشكل شبه كامل، حيث تقع مدينة الشيخ نجار الصناعية عند مدخل مدينة حلب الشمالي الشرقي، وتبلغ مساحتها 4412 هكتاراً وكانت تحوي أكثر من 6100 منشأة صناعية تنوّعت نشاطاتها الصناعية بين الهندسية والنسيجية والغذائية والكيماوية والبرمجية.

سيطرت قوات المعارضة على المدينة الصناعية في صيف عام 2012 قبل أن تستعيد قوات النظام السيطرة عليها بعد عامين اثنين، وتعرّضت مئات المنشآت الصناعية فيها لعمليات نهب، كما قام أصحاب عدد كبير من المنشآت الصناعية فيها خلال فترة سيطرة المعارضة بنقل معاملهم إلى تركيا وإلى إقليم كردستان العراق ومصر والمغرب. ثم أدى قصف النظام العنيف لمنشآتها إلى تدمير ما تبقى منها، قبل أن يستعيد النظام السيطرة عليها بعد انسحاب قوات المعارضة منها.

كما يوجد شمال حلب تجمّعان صناعيان آخران، هما المنطقة الصناعية في الشقيف والمنطقة الصناعية في الليرمون، كما توجد منطقة صناعية صغيرة أخرى وسط مدينة حلب في حي الكلاسة. وقد توقفت منطقتا الشقيف والليرمون عن العمل بشكل كامل نتيجة عمليات النهب والقصف، وهو نفسه حال منشآت منطقة الكلاسة الصناعية الصغيرة.

ومع ذلك لم تغب المبادرات الصناعية عن المشهد بشكل كامل، فالتقى فريق الغربال أحد أصحاب المبادرات الصناعية ويدعى علي قرب مدينة إعزاز، بريف حلب الشمالي، حيث يقع معمله الصغير، الذي أقامه على قطعة أرض استأجرها منذ عام، ليبدأ فيها مشروعه الذي وصفه بأنه “ناجح ومربح”، وبأنه “يقدم فرص عمل لأكثر من 10 أشخاص، ما يعني إعالة عشر أسر”.

يقلّب علي بين يديه أكياس النايلون التي انتجها معمله، مفتخراً بإنجازه الذي يراه كبيراً، خصوصاً بعد أن فقد مصدر رزقه منذ ثلاثة أعوام، حين كان يعمل مزارعاً للمحاصيل المروية، كالبطاطا، والشمندر السكري، وغيرها من الخضروات، بعد أن فرّ من قريته القريبة من مدينة الباب بريف حلب مطلع العام 2014 إثر سيطرة تنظيم “داعش” عليها.

يقول علي لـ”الغربال” إن “الأكياس التي ينتجها معمله تغطي جزء كبير من حاجة السوق المحلية، في ظل انقطاع الطرق، وتقاسم قوى عسكرية متعددة السيطرة على مناطق سوريا”، ويتابع “مشروعنا يعتمد على مواد خام هي الحبيبات البلاستيكية، ونحن نستوردها من تركيا”.

ولم يخفي علي أن هناك جملة من الصعوبات تواجه عمله، كانقطاع الطرق وبالتالي صعوبة التنقل، ونقص المحروقات اللازمة لتشغيل مولدات الكهرباء، بالإضافة لصعوبات مرتبطة باستيراد المواد الخام، لجهة تعذر ادخالها من معبر باب السلامة، الذي تفرض إدارته رسوم جمركية كبيرة، عليها مما يتسبب برفع أسعار المنتجات.

آمال بانتعاش القطاع التجاري رغم الظروف الاقتصادية الصعبة

لا يقتصر الانتعاش المنتظر في ريف حلب الشمالي، مع عودة السكان إلى المنطقة، على قطاع الزراعة، حيث بدأ الكثيرون ممن غادروا المنطقة سابقاً بالعودة إليها، ومنهم كثيرون من أصحاب رأس المال، والتجار، الذين كانوا ينتظرون الفرصة السانحة لاستئناف أنشطتهم التجارية، التي سيؤدي انتعاشها لزيادة فرص الاستقرار المجتمعي، من خلال توفير فرص العمل لفئة عريضة من الشباب العاطل عن العمل، أو الذين يرغبون بترك العمل المسلح، والعودة إلى حياة طبيعية تنخفض فيها المخاطر على حياتهم.

حيث عاش قطاع التجارة الداخلية فترة طويلة من النكوص، نتيجة تحكم المحتكرين بالسوق في ظل غياب الرقابة، التي كان من المفترض أن تفرضها المجالس المحلية ومؤسسات المعارضة المسيطرة على المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بشكل عام، لكن هذه المؤسسات لم تكن قادرة على تنفيذ هذه المهمة، في الوقت الذي كان يعيش فيه ريف حلب الشمالي حالة من الفوضى والتغير المستمر في السيطرة، بين المعارضة و”داعش” والمليشيات الكردية وقوات النظام.

وتتزايد الاحتياجات في هذه المناطق مع تناقص المواد الأولية والمواد الأساسية المصنعة محلياً وارتفاع أسعارها في السوق المحلية، وذلك بشكل مطرد بسبب تراجع سعر صرف الليرة السورية، بالتوازي مع قلة موارد الدخل في ريف حلب الشمالي.

ففي مدينة إعزاز كان الوضع يزداد سوءاً مع ارتفاع صرف الدولار، الذي يشتري به التجار بضائعهم ليعادلوا سعر البضائع على الليرة السورية وتتم عملية البيع بما يحقق الربح للتجار، وفي حال ارتفاع سعر صرف الدولار يرفع التجار أسعار المواد بشكل فوري، الأمر الذي أسهم في التضييق على السكان، مع حالة البطالة وقلة موارد الدخل.

عبد الرحمن  (40 عاماً) من سكان إعزاز،  قال إنه “مع وصول سعر كيلو البندورة الواحد إلى 400 ليرة سورية، وكيلو الباذنجان الى 350 ليرة، لم يعد بمقدوري كرب أسرة أن أوفر جميع المتطلبات في المنزل، مما جعلني أعكف على تأمين الأساسيات فقط كالخبز والطحين والبرغل والزيت الذي نشتريه بالرغم من ارتفاع سعره” ، ويضيف أن “سعر الدولار هو السبب في غلاء المعيشة، فالتاجر يتذرع بتدني سعر العملة السورية، أما المواطن الذي لا دخل له، لم يعد يكفيه في اليوم الواحد أقل من 4000 ليرة سورية لتأمين متطلبات الغذاء، ناهيك عن الدواء للأطفال واللباس والمياه”، ويتابع قائلاً “الارتفاع الكبير في الأسعار، وخاصة الخضار وأساسيات الحياة، يعود إلى تحكم التجار وقليلي الضمير بالسوق في ظل غياب الرقابة عليهم”.

ومن هنا يقع على عاتق مؤسسات المعارضة المعنية بإدارة مناطق سيطرتها أن تدرك ضرورة وجود حاجة إلى تبني نهج جديد مبني على العمل الإنمائي واسع النطاق الذي يحقق ويضمن الكثير من الأعمال المبتكرة، التي من شأنها تحريك دورة الانتاج من جديد، واتاحة الفرصة للعيش المجتمعي الصحي، والمساعدة على خلق ظروف تمكن السكان من تحقيق حد أدنى من الاكتفاء الذاتي، ويعتبر القيام بهذا الأمر هاماُ، ليس فقط لبناء استجابة أكثر فاعلية وأكثر كفاءة وإنما أيضاً لمجابهة نزعة الاعتماد على المساعدات التي استشرت في المجتمع السوري.

وعلى مؤسسات المعارضة أن تعزز القدرات المحلية وتشجع المبادرات الشابة، وتجذب الفرص التشغيلية إلى المنطقة، كما يجب تشكيل هيئات تدير هذه المبادرات، بحيث يشغّلها أبناء المجتمعات المحلية، بحيث تعمل هذه الهيئات على تعزيز القدرة على مواجهة الأزمات، وعلى دعم وتمكين المؤسسات الشابة كي تمتلك القدرة على أداء خدماتها بصفة مستمرة وبشفافية وكفاءة، وبما يتماشى مع احتياجات النساء والرجال والأطفال المتأثرين من المجتمع المحلي بشكل عام.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى