الرئيسية / أخبار / فن النحت.. تماثيل في مهب الغياب ــ فاتن حمودي
فن النحت.. تماثيل في مهب الغياب ــ فاتن حمودي

فن النحت.. تماثيل في مهب الغياب ــ فاتن حمودي

“انظروا إلى السماء.. حمراء بدم المذبحة”، أبدأ بمقولة مايكوفسكي، كمدخل إلى حقيقة يعيشها السوريون منذ خمسة أعوام، تحمل وراءها أربعين عاما من كل شيء حتى تدمير البلد، وأقف قليلا عند معنى الوطن، كما يراه النحات السوري عاصم الباشا ابن يبرود، الذي قال لي يوماً، الوطن هو “الرصيف الذي أجد عليه كرامتي”، فأين نحن من ذلك الرصيف؟

حين أقول فن النحت، تحضر التماثيل من جهات متعددة، ويحضر معها الفعل والفعل المضاد، الثورة وتحطيم تماثيل الأبد من جهة، والثورة المضادة وتحطيم داعش لتماثيل رموز الثقافة والتاريخ والحضارة، وعلى طرف آخر تحضر منحوتات عاصم الباشا المهددة تحت سماء القصف الذي يقوم به النظام وداعش، ومحاولة الباشا دفنها لينقذ ما يستطيع إنقاذه منها، ومغادرته سوريا إلى غرناطة بخفي حنين، ليبق بعدها أمام لوعة تجربة الفقد لأعماله الفنية، والتي توازي ماهيته ووجوده هنا، فما معنى أن تصبح أعزلاً وأمام فقد نهائي من كل شيء؟

دفن عاصم الباشا أخاه نمير الذي دخل المعتقل ووزنه 98 كيلوغراماً، وخرج مقتولاً بخفة ريشة، 35 كيلوغرماً، وعيناه مسمرتان في الغياب، لقد قتلوه كما قتلوا عشرات الآلاف من المعتقلين، وخوفاً على منحوتاته قام عاصم بدفن حوالي 700 منحوتة في يبرود، كي يحميها من القصف أثناء هذه الحرب المدمرة.

هكذا، راح يراقب من بعيد وبحرقة حصيلة ربع قرن من العمل، ليدخل حالة ذهول، متسائلاً هل سيضيع أربعين عاماً من الشغل، هل سيمحى تاريخي؟ بالتأكيد، إن العاصفة التي تعيشها سوريا، تركت آثارها على كل شيء، فأي قيامة؟

كانت هناك خطوط عريضة في تجربة الفنان عاصم الباشا، أهمها أنه متعدد الأقاليم والجغرافيا والدماء التي تسير بعروقه، ولد في بوينس آيرس عاصمة الأرجنتين من أب سوري وأم برازيلية وهو ما جعلها صامتة، صمتُ أمِه الطويل جعلَه يُحاكي الحجر، إلى جانب عزوفه عن دخول دائرة صنّاع تماثيل عائلة الأسد. ورغم إبداع عاصم الباشا على منصات مختلفة، إلا أنه بقي مربوطا بجبال يبرود.. بهذا السر من الانتماء للمكان .

فقبل هذا الطوفان من الدم، عمل على مفردات فلسفية كمفردة “الإنتظار”، و”الخواء”، و”هُزال الأنظمة”، وهو ما أوصله إلى مقولة إما الاسترفاع وإما الانتحار. وكأنه من خلال أعماله أراد أن يرينا قاماتِنا المبتورَة، و رؤوسَنا المصادرة، بل كأنه ينسج منحوته من ميلادنا المغدور.

يلتقي الباشا مع أعمال مسرحية كبرى لاسيما “انتظار غودو” وونوس.. وفواز الساجر.. حيث  كان الزمن يغتلي بالأسئلة المصيرية.

وكأنه بأعماله هذه يجيب على سؤال الكثير من الشباب، أين المثقف من هذه الثورة، و أين دوره من هذا الحدث الكبير، و هل كان هناك ثمة إرهاصات تستشرف ما آلت إليه الأمور؟

ولأننا أبناء ثقافة الأنهار فقد اشتغل على فكرة الخصوبة، التحوّل، مؤكدا على أن نهرَ الحياةِ متجددٌ والحقيقية قادمة..

بين مدٍّ وجزر.. كان يأتي ثم يخرج من سوريا، قال لي: أنا في إسبانيا لكنني هناك دائما في سوريا، سوريا هي التي تعنيني وكل أعمالي لسوريا.

عمل الباشا الكثير من المنحوتات “نازح”، “الطريق إلى باب عمرو”، و”في انتظار البراميل”، وأعمال كثيرة أخرى

فترة الغياب الأطول عن دمشق قضاها الباشا في مشغله الغرناطي، وهذا الكوخ الذي بناه، وحماته التي يكتب عنها وكأنها صبية بعد المائة من العمر.

لا نهذي، ولكن من المؤكد أننا سنجن، أو نعاود الوقوف على رجلٍ واحدة، حتى تعود إلينا سوريانا، بلا تماثيل طغاة، وحده المهرج يضحك ويبكي ووحدنا في مهب الغياب.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى