الرئيسية / مقالات / صحافة أجنبية / كيف يبدو العالم من وجهة نظر من هم في “الرقة”؟
كيف يبدو العالم من وجهة نظر من هم في “الرقة”؟

كيف يبدو العالم من وجهة نظر من هم في “الرقة”؟

في محاولة لفهم سيكولوجية خصوم الغرب في سوريا والعراق وغيرهما من الأماكن، يقتضي هذا الإحاطة بإجابة السؤال الآتي: كيف يبدو العالم الأوسع عند النظر إليه من داخل تنظيم الدولة الإسلامية؟ وبعيدا عن أوجه القصور السياسية والاقتصادية الهائلة للبلدان “المضيفة” للدولة الإسلامية في الشرق الأوسط، يختبر هذا السؤال بعض المفاهيم المعاصرة والتاريخية لعلاقات الغرب مع العالمين العربي والإسلامي، واحتمالية تأثير ذلك على استراتيجية تنظيم الدولة الإسلامية، وخاصة تحولها في العام 2015 من التوسع في الأراضي الإقليمية إلى شن هجمات داخل الدول الغربية.

المقدمة

تم استبدال تنظيم القاعدة الآن إلى حد كبير بما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية الذي يثبت قدرة كبيرة على المرونة والصمود. وفي مثل هذه الظروف، يعد وضع تصور للعالم من منظور الدولة الإسلامية أداة تحليلية مفيدة. ومن السهولة بمكان أن يكون هذا الأمر مثيرا للجدل؛ لأنه يبدو وكأنه يضفي المزيد من المصداقية على الحركة العنيدة الوحشية أكثر مما تستحق ولو لماما. ومع ذلك، يمتلك هذا النهج قيمة في حد ذاته، كما لا ينبغي أن يتم استبعاده إذا كان ثمة أحد يريد محاولة فهم أسباب المرونة واستخدام هذا النوع من المنطق للمساعدة في وضع سياسات تكون أكثر قابيلة لدحض التنظيم. ويسعى هذا النهج إلى الوصول إلى ذلك، ويضع مثالا لكيفية رؤية العالم من خلال عيون مؤيد مقتنع تماما بالجماعة الموجودة في الرقة، وهي عاصمة الدولة الإسلامية في شمال سوريا، وربما يقوم هذا المؤيد بالاشتراك في التخطيط لعملياتها.

السياق

تعرض تنظيم الدولة الإسلامية على مدار 18 شهرا مضت إلى هجوم جوي مستمر من قبل قوات التحالف وشن عدة آلاف من الغارات الجوية التي يقال أنها أدت إلى مصرع ما يزيد على 20000 مؤيدا للدولة الإسلامية. وبالنظر إلى أن معظم التقارير تشير إلى أن التنظيم يمتلك قوات فعالة يصل عددها إلى 30000 عنصرا، فيمكن للمرء أن يتوقع انهيار الحركة في هذه المرحلة. وفي واقع الامر، عانت الدولة الإسلامية بالتأكيد من بعض الانتكاسات في العراق ولكنها تعرضت لانتكاسات أقل بكثير في سوريا، كما تحرز تقدما واضحا في ليبيا في نفس الوقت الذي تجذب فيه دعم الحركات الموجودة في شمال وغرب أفريقيا وجنوب آسيا.

وهناك أدلة تشير إلى انخفاض عدد المؤيدين المجندين من خارج منطقة الشرق الأوسط، على الرغم من أن حركتهم في سوريا والعراق قد أصبحت أكثر صعوبة في العام الماضي، وتشير تقديرات معظم المحللين إلى أن الدولة الاسلامية لن تواجه الهزيمة في أي وقت قريب. ونظرا لهذه الظروف، ربما يتم فرض التوجهات داخل الدولة الاسلامية طبقا للتنظيم الداخلي، والرؤى التاريخية والظروف الأكثر إلحاحا.

تنظيم

يوجد داخل الدولة الإسلامية بشكلها الحالي في سوريا والعراق ثلاثة أبعاد متداخلة بشكل كبير. يتمثل البعد المركزي في البعد الديني، وخاصة في الصفوف القيادية، ويستند هذا البعد إلى تفسير ضيق الأفق ومتشدد للتقاليد الوهابية داخل الإسلام السني. وهذا البعد هو بعد أخروي ينظر إلى ماوراء هذه الحياة ويعتقد أن حياة الناس هي مجرد جزء من هدف إلهي أكبر من ذلك بكثير. وتتخلل هذه النظرة الدينية العنصرين الآخرين، ولكن بنسب متفاوتة.

وأول هذه العناصر هو عنصر الخبرة شبه العسكرية الكبيرة التي تولدت من سنوات القتال في العراق وسوريا وكذلك ليبيا والشيشان وأفغانستان. وأهمهم أولئك العراقيون الذين خاضوا الحرب القذرة مع قيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC)، وخاصة خلال الفترة التي تتراوح بين عامي 2004-2007.

والعنصر الثاني هو جماعة من التكنوقراط الذين يتولون تنظيم شؤون الاقتصاد في المناطق الواقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. وكثير من هؤلاء العناصر ينتمون للبعثيين السابقين من عهد صدام حسين في العراق، بما في ذلك بعض الذين تم استبعادهم من العمل في وقت قيادة بول بريمر الحاكم المدني للعراق في 2003 و 2004. والعديد من هذه الجماعات شبه العسكرية والأفراد التكنوقراط قد يكونوا شديدي التدين، ولكن البعض الآخر أكثر علمانية ولكنه مشبعا في الغالب بكراهية المحتلين الأجانب في العراق، وفي الآونة الأخيرة، محبط من السياسات الموالية للشيعة في الحكومات العراقية التي أعقبت سقوط صدام وخاصة حكومة نوري المالكي (2006-2014).

منظور تاريخى

يمتد التصور التاريخي للسيطرة الغربية إلى خارج الشرق الأوسط وجنوب آسيا واستمر أكثر من نصف قرن بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية. وهذا يضاعف من الشعور بأن الفترة الاستعمارية كانت أحد فترات الاستغلال الصريح التي لازالت تمتلك إرثا كبيرا قويا تشترك فيه النخب المحلية. وهذا يناقض تماما النظرة الشائعة في الدول الغربية بأنها تمثل أكثر أشكال التنظيم تقدما وأنهم، ببساطة، “الأخيار” في عالم يموج بالشر.

والمقولة الغربية الأفريقية القديمة الساخرة “الشمس لا تغرب عن الامبراطورية البريطانية لأن الله لا يثق بالإنجليز في الظلام” قد تجعلك تبتسم الآن، ولكنها كانت تمثل وجهة النظر الغريبة تماما عن المجتمع البريطاني خلال الحقبة الاستعمارية. وعلاوة على ذلك، يمتد التصور التاريخي للسيطرة الغربية بشكل ملحوظ إلى الولايات المتحدة إلى الدرجة التي لا يتم الاعتراف بها بالكامل من قبل مؤيدي مشروع القرن الأمريكي الجديد الذي تم صياغته قبل عقدين من الزمن، تماما كما يفعل ترامب وكروز وغيرهم من مرشحي الانتخابات الرئاسية الحالية.

وفي معظم أنحاء الشرق الأوسط، تمت مضاعفة الاعتقاد في الطبيعة الغادرة للنفوذ الأجنبي عن طريق التقسيم المفتعل للمنطقة قبل قرن من الزمان في عهد سايكس بيكو، وفشل القوميات العربية في وقت لاحق، وصعود الأنظمة الاستبدادية التي ربطتها في كثير من الأحيان صلات وثيقة بشكل مفرط مع الدول الغربية، وخصوصا في دول الخليج الغنية بالنفط. وعلاوة على ذلك، يتم النظر إلى إسرائيل بوصفها صنيعة الغرب والتي تعمل بحرية دائما ضد جيرانها العرب وملايين الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال.

وهناك منظور تاريخي أوسع بكثير يفسر الوضع الحالي في الشرق الأوسط في سياق انحدار الإسلام نسبيا بالمقارنة مع حكم الخلافات الإقليمية السابقة. والبعض ينظر إلى الخلافة العثمانية (1362-1924 م) ولكن الآخرين يستدعون القرنين الأولين من الخلافة العباسية الرائعة (750-1250 م) والتي كانت حقا مركزا للحضارة في أعقاب انهيار روما وقبل صعود أوروبا. والحقيقة هي أن عاصمة الخلافة العباسية كانت بغداد، لذلك تم احتلالها في الآونة الأخيرة من قبل القوات “الصليبية”.

وباختصار، هذا النوع أو المنظور، الذي يرى الإسلام على أنه مهدد من قبل الغرب، هو صورة طبق الأصل من التصور الغربي الشائع بأن الإسلام هو التهديد الحقيقي، ولكن بالنسبة لمؤيدي تنظيم الدولة الإسلامية فإنهم سوف يشيرون إلى أدلة أخرى وقعت مؤخرا. أهم هذه الأدلة هو الاحتلال الغربي لأفغانستان والعراق والتدخلات العسكرية في ليبيا ومالي واليمن والصومال وباكستان وغيرهم، فضلا عن تسليح الأنظمة الاستبدادية القمعية. وتوفر كل هذه الأفعال دليلا على النوايا الحقيقية لـ”العدو البعيد” من الدول الغربية، وخصوصا الولايات المتحدة. ويضاف هذا الأمر إلى وجهة النظر العالمية المختلفة جذريا عن وجهة نظر معظم الحكومات الغربية، وليس من السهل أن تقبلها الحكومات الغربية ولكن من الضروري أن تدرك سبب مرونة تنظيم الدولة الإسلامية، وأن تضع في اعتبارها أن هذه الحرب من وجهة نظر دينية قد تستغرق قرنا من الزمان، وأن حياة الأفراد، وحتى القادة، ليست ذات أهمية كبيرة.

البيئة الحالية

عملا بهذه الخلفية، وفي أعقاب الهجمات الجوية المكثفة لقوات التحالف، يمكن بسهولة لهذه الهجمات أن ترسخ جميع المعتقدات الأساسية بأن الدولة الإسلامية هي الحارس الحقيقي لحوزة الإسلام، وأنها تعد لإنشاء خلافة جديدة، وربما تدخل في صراع محتمل مروع مع غير المؤمنين.

والآن يجري تعزيز هذه الرؤية بواسطة الظروف الحالية. والعامل المحوري في هذا الأمر هو تأثير تلك الهجمات التي يشنها التحالف. فإذا أدت أحد الغارات الجوية إلى مقتل عشرين شخصا في بلدة ما في العراق أو سوريا، فإن أثر ذلك يمتد الى ما وراء الحدث، بغض النظر عما إذا كان القتلى من المدنيين أم من العسكريين. حيث إن مقتل أي شخص يثير لدى أسرته المباشرة – الزوج أو الزوجة، الأم والأب والإخوة والأخوات والأعمام والعمات وأبناء العمومة – كل الحزن والمرارة على ما تم فعله من قبل “الصليبيين”. وهذا الأمر لا يختلف كثيرا عن تجربة أسر الغربيين الذين قتلوا في الحروب، ولكن الغرب نادرا ما يتعرف بذلك. وعلاوة على ذلك، ربما يتم النظر إلى الموت باعتباره جزء من الحرب النبيلة، وسيحتفي به العشرات من الأقارب والأصدقاء وعبر وسائل التواصل الاجتماعي في كل مكان. وقد يؤدي الموت إلى حالة من الفزع والاحباط، ولكنه قد يؤدي أيضا إلى حالة من الثأر والانتقام.

وعلاوة على ذلك، يصب ذلك في صالح السردية التي تنبع من الانتقام لمقتل أكثر من 200000 فردا ، خاصة في العراق وأفغانستان، كحصيلة للحروب التي شنها الغرب هناك، وإن كانت الدوافع ترجع جزئيا إلى الرد على فظائع هجمات 11/9. وحتى هجمات 11/9، كان هناك من ينظر إليها باعتبارها رد مقبول على عقود ،إن لم تكن قرون، من الوقوف في موقف دفاعي ضد الغرب. وبالإضافة إلى ذلك، يتم النظر إلى قدرة الدولة الإسلامية على تجنيد الشباب من العديد من البلدان خارج العراق وسوريا، وخصوصا من بين المشتتين في الغرب، على أنه دليل على محاولة التنظيم التي تمتد في جميع أنحاء العالم، ويمنح الأمل لعملية تغيير جذري عالمية.

الآثار المترتبة

عود على بدء، النظر إلى العالم من خلال عيون مؤيدي الدولة الإسلامية لا يعني بأي حال من الأحوال قبولها كحركة شرعية. ولكنه قد يساعد على فهم سلوك الحركة، وخاصة كيفية استجابتها للانتكاسات. فقد ألمح هذا النهج، على سبيل المثال، إلى وجود سبب محدد للتغييرات الأخير في استراتيجية الدولة الإسلامية للتحول من التركيز على توسيع الرقعة الجغرافية للخلافة في العراق وسوريا إلى تشجيع وحتى التخطيط مباشرة لشن الهجمات في الخارج. ويعتقد أن يكون هذا هو الدافع المناسب لشن هجمات على متحف باردو في تونس، وقتل السياح الأجانب في منتجع سوسة في شمال شرق تونس، وشن هجمات متعددة في باريس، وتدمير طائرة متروجيت روسية، والهجمات التي وقعت الشهر الماضي في تركيا وإندونيسيا.

وبالإضافة إلى ذلك، هناك منظور آخر من وجهة نظر تنظيم الدولة الإسلامية، وهو أن هذه الهجمات ما هي إلا جزء من خطة طويلة المدى تستهدف مرحلة ما. حيث أن هذه الهجمات التي تؤثر على دول مثل فرنسا وروسيا تهدف إلى إثارة أكبر قدر من الإسلاموفوبيا، وضمان تهميش الأقليات الإسلامية، كما سوف تؤثر على دول مثل تونس ومصر أيضا عن طريق تدمير الصناعات السياحية ذات التوجه الغربي بما يتسبب في مزيد من البطالة بين الشباب وبالتالي تهميشهم. وفي كلتا الحالتين، فإن النتيجة المرجوة هي تهيئة المزيد من الشباب لكي يكونوا مستعدين للانضمام إلى التنظيم.

وبشكل عام، إذا ما كنا ننظر إلى الدولة الإسلامية ونظرتها للعالم بهذه الطريقة التي أسلفنا، علينا أن نفكر في الكيفية التي يمكنها أن تؤثر بها على استجابتنا. والقضية الأساسية هنا هي وجهة نظر الدولة الإسلامية التي تنبع من الصحوة التاريخية باعتبارها تمثل صحيح الإسلام. وبالتالي، إذا كان الأمر كذلك، وإذا كانت الدولة الإسلامية هي “حامية” الإسلام، فإنها كلما تعرضت لهجوم باعتبارها “حامية” الإسلام، فسوف يزداد هذا الدور أهمية. ويشير هذا على الأقل إلى أن القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية بالاعتماد على العمل العسكري في المقام الأول أمر في غير محله على نحو خطير.

الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية تعود إلى سنتين مضيا تقريبا، ولكنها جزء من عملية مستمرة، بدأت بتفجيرات تنظيم القاعدة في سفارات أفريقيا في العام 1998 وبداية حالة الانتقام التي تدخل عقدها الثالث من قبل الولايات المتحدة في أفغانستان والسودان. ولذلك، قد يكون من الحكمة أن نكون حذرين في الاعتماد على العمل العسكري. وإعادة التفكير في الاعتماد على وسائل أخرى هو أمر ضروري حتى لو لم تقم عليه دلائل في الوقت الحالي.

مادة مترجمة بتصرف عن موقع isn ، لمطالعة المادة الأصلية بالانجليزية اضغط هنـــا

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى