الرئيسية / مقالات / رأي / السوريون بحاجة لـ”نظام وقف تعليمي” لايقاف “تسيس التعليم” – خليفة خضر
السوريون بحاجة لـ”نظام وقف تعليمي” لايقاف “تسيس التعليم” – خليفة خضر

السوريون بحاجة لـ”نظام وقف تعليمي” لايقاف “تسيس التعليم” – خليفة خضر

 تبنى الدول ذات أنظمة الحكم الشمولية مناهج تعليمة مرتبطة بسياسة الدولة بحيث يكون المنهاج مُكرِساً لترسيخ للواقع الشمولي للنظام الحاكم ومساعداً في الحفاظ عليه، هذا ما حدث في سوريا قبل اندلاع الثورة، حيث كرس النظام السوري أجزاء ليست بقليلة من المنهاج لتكريس واقع حكم البعث كحالة طبيعية ولازمة في أذهان الطلاب من المراحل التعليمية الابتدائية حتى المراحل الجامعية المتأخرة.

المفاجأة الكبرى التي صدمت السوريين بعد الثورة كانت أن بعض السلطات المحلية التي حكمت القرى والبلدات في الأراضي الخارجة عن سيطرة النظام السوري، تبنت نفس النهج التعليمي الشمولي الذي يتبناه النظام السوري ولكن باستخدام رموز أخرى، فنظرية الحزب الواحد الذي ينتج سلطة مطلقة الصلاحيات تمارس الاستعباد على الشعب الذي تدعي خدمته مرددةً شعارات رنانة، تم تطبيقها حرفياً في كثير من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام ولكن باستخدام مواد من الفكر السياسي الإسلامي بدلاً من الفكر السياسي العروبي الذي اعتمد النظام السوري عليه.

 يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت: “لكي تغيروا المجتمع ينبغي أولاً أن تغيروا العقليات السائدة فيه عن طريق التعليم والتثقيف والتهذيب”. ولبناء جيل جديد يمكن أن يعوّل عليه في حمل راية الحرية والعدالة والسير قُدماً في سبيل تحرير سوريا من العبودية الاجتماعية التي ترسخها الأنظمة القمعية علينا إحياء نظام “الوقف” التعليمي في سوريا.

الكثير مِنا ربما يلحظ تناقضاً واضحاً في التاريخ الإسلامي، ففي حين كانت سيوف عناصر جيوش المتخاصمين على الوصول إلى السلطة تقطر من الدماء، كانت تظهر في نفس المكان نظريات وابداعات علمية فريدة من نوعها وسابقة لعصرها، يعود ذلك في الحقيقة لنظام “الوقف” الذي كان بعيداً كل البعد عن السلطات الحاكمة.

ونظام الوقف لمن لا يعرفه: “هو حبس الممتلكات العامة والثروات ومنع امتلاكها لأي جهة بهدف الاستفادة منها وتوزيعها في موضعها المناسب، وما يميز الوقف عن الصدقة هو أن الصدقة تنتهي مع انتهاء استخدامها أما الوقف فهو يبقى إلى أجل بعيد”، وللوقف أنواع منها الخيري والأهلي والمشترك وهي تهدف جميعها بالأصل لمساعدة الأيتام والفقراء.

لكن هل ثمة إمكانية لإيجاد وقف تعليمي في سوريا يبعد العملية التعليمية عن سطوة السلطة الحاكمة بحيث يديره مثلاً مجموعة من الأعيان والمستشارين فيرشحون مختصين تربويين في الداخل أو الخارج السوري مهمتهم وضع منهاج تعليمي غير مؤدلج يناسب تطورات العلم والبيئة المحلية؟

في الواقع هذا ما يحصل الآن في بعض الدول الغربية، التي أفرزت جيل يؤمن بالحرية كما هو الحال في بعض الولايات الامريكية التي تنتهج نظام الوقف بأسلوب مطوّر، ليس المقصود إدخال أو استبعاد بعض المواد عن التعليم، بل التركيز على المواد التعليمية غير المؤدلجة والتكريز على “الحقيبة التعليمية الاسعافية” التي تضم مواد تعليمية تتوافق مع الظروف الراهنة، كالمواد المكثفة والمواد التعليمية التي تستبعد التوسع في بعض المجالات، ومواد التوعية الصحية والطبية وغيرها.

الهدف من هذا النظام هو إيجاد توازن بين ما هو مطلوب ولازم كتفعيل تعليم مواد الإسعافات الأولية وإيقاف ما يحصل في المناطق المحررة من التركيز على بعض المواد (كالمواد الدينية) دون غيرها الأمر الذي لا يلبي احتياجات الأطفال التعليمية

وسيؤدي تطبيق هذا النظام الوقفي لإبعاد السلطات الحاكمة من ألوية وجماعات مسلحة والتي تسيطر على المدن والبلدات السورية المحررة عن قطاع التعليم.

فهذه التشكيلات تسعى إلى نشر فكرها في أوساط الأطفال للاستفادة منهم في صناعة حاضن شعبي لها بدلاً من أن تركز على اكمال هؤلاء الأطفال لتعليمهم.

ويشار هنا إلى أن ما تقدمه بعض المنظمات الغير حكومية والمجالس المحلية من الإبقاء على نظام التعليم السوري بعد حذف كل ما يمجد الأسد وابنه وتصحيح بعض المغالطات التاريخية يمكن أن يعتبر “أضعف الإيمان” وبالتأكيد يجب الحفاظ على هذا المنهاج قبل اعادة صياغة منهاج جديدة.

لكن بعض المنظمات الممولة من الدول التي تعتبر داعمة للثورة في الخليج العربي تشترط على المنظمات التي تعمل في التعليم في المناطق المحررة إدراج مواد معينة في المناهج التعليمية مقابل دعم شامل لكل الاحتياجات والمصاريف، وهذا يندرج بطبيعة الحال تحت بند “تسيس التعليم”، بعض المنظمات السورية العاملة في قطاع التعليم وافقت على العروض وأخرى رفضت وحافظت على النسق التعليمي الملتزم بالتمسك بتقديم المنهاج السوري للطلاب بعد حذف كل ما يمجد النظام السوري منه.

وفي كل حال يقع على أهالي المناطق المحررة والمهتمين من السوريين عبء محاولة تفعيل نظام “الوقف التعليمي” من خلال استثمار بعض المشاريع من زراعة وتأجير محال تجارية وكل ما هو قابل للاستثمار وتخصيص مبلغ محدد يكفي لسير العملية التعليمية.

إذا أردنا بناء جيل جديد يؤمن بحرية الأخر ولا يتعدى عليها علينا إبعاد العملية التعليمية عن “التمويل المسيس” وربما يكون إيجاد نظام الوقف التعليمي هو الحل الأمثل للوصول لهذه النتيجة ضمن الظروف الراهنة.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى