الرئيسية / مقالات / صحافة أجنبية / القمح: أهم سلاح غير تقليدي في سوريا – آنيا سيزادلو – مترجم عن واشنطن بوست الأمريكية

القمح: أهم سلاح غير تقليدي في سوريا – آنيا سيزادلو – مترجم عن واشنطن بوست الأمريكية

في خريف عام 2012، سيطر مقاتلو الجيش السوري الحر على الغوطة الشرقية، وهي منطقة شبه زراعية تبعد ثمانية أميال شمال شرق دمشق. ووضعت قوات الحكومة المنطقة تحت الحصار، وقطعت المياه والكهرباء والغاز والمساعدات الطبية والخبز.

كان هدف النظام هو تجويع الناس في الغوطة الشرقية، ونجح النظام: ارتفع سعر الخبز والأرز بنسبة 50 ضعفاً. كان السكان المحليون يعيشون على علف الحيوانات أو في بعض الأحيان لا يأكلون شيئاً على الإطلاق. يقول مجد الديك، وهو عامل إغاثة لمجموعة إنسانية سورية تدعى “نبع الحياة”: “بدأوا في شن حرب على الشعب حتى من خلال محاربتهم في قوتهم اليومي (الخبز)”.

بعد تسعة أشهر، أطلق الجيش السوري الحر عملية عسكرية باسم “المطاحن” في منطقة خاضعة لسيطرة النظام، خارج الغوطة الشرقية. كان هدفها معمل دقيق (طحين)، يحيط به صفين من صوامع القمح يضمان جزءاً من احتياطيات قمح النظام السوري الاستراتيجية، ولو تمكنت المعارضة من السيطرة على معمل الطحين، لتمكنت من توفير القمح، وفك الحصار، وكسب نقطة استراتيجية على طريق مطار مشق الدولي، وربما كسب بعض المال.

استمر تبادل إطلاق النار يوم ونصف. وقبل انتهاء المعركة في اليوم الثاني، أرسل المقاتلون المناهضون للحكومة رسالة عبر جهاز اتصال لاسلكي لعمال الإغاثة داخل الغوطة الشرقية: “نحن نسيطر سيطرة جزئية على المعمل، تعالوا لمساعدتنا في الحصول على الدقيق. ذهب الديك وغيره من المتطوعين باتجاه معمل الدقيق عبر طريق خلفي لتفادي قناصة الحكومة.

وعندما وصلوا، ذعروا عندما وجدوا نحو 80 شخصاً معظمهم من المدنيين، حيث سمع كل من في الغوطة الشرقية بوجود الطحين، ووصل حد اليأس ببعض الناس للذهاب من أجل الحصول على القمح رغم إمكانية تعرضهم للقصف والقنص، ترجل بعض السكان المحليين من سياراتهم وهرعوا نحو صوامع القمح، وحرصوا على الاستيلاء على أكياس الطحين داخل منطقة التخزين المركزية. حاول المقاتلون منعهم، لكن المدنيين ظلوا يتوافدون.

يقول الديك: “أوضحوا أنهم كانوا يعانون من الجوع، وأنهم مستعدون للموت في سبيل الحصول على الطعام، العديد منهم كان سيضحي في سبيل الحصول على القمح”.

الخبز هو الغذاء الرئيسي في الشرق الأوسط، الخبز اليومي هو “لقمة العيش”، بالإضافة أن الكربوهيدرات الموجود في الخبز هي المصدر الرئيسي للبروتين لكثير من الناس في المناطق الفقيرة والريفية.

 يقول عامل إغاثة سوري من حلب رفض الكشف عن اسمه: “لا يمكنك أن تتخيل الحياة بدون الخبز”، “والسعرات الحرارية توفر لك ما يعادل أي شيء آخر تأكله. فضلاً عن أن الخبز أرخص من غيره؛ لذلك بالحصول عليه تتوفر فرصة للبقاء على قيد الحياة”.

يدرك النظام السوري أهمية الخبز، وكذلك الحال بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية، فضلاً عن كوكبة من الجماعات المسلحة التي تتنافس للسيطرة على البلاد وشعبها. استراتيجياً، لا يقل الخبز أهمية عن النفط أو الماء. حيث يعتمد المدنيون على السلطة في توزيعه، بينما يبيعه المستغلون للجوعى بأسعار خيالية. قال محلل سوري من دمشق رفض الكشف عن اسمه: “عندما تسيطر على الخبز والوقود، يمكنك التحكم في المجتمع”.

هذا هو السبب في أن تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المسلحة الأخرى والنظام لا يتقاتلون للسيطرة فقط على الأرض، بل يتقاتلون أيضاً من أجل القمح. تجري المعارك في كل نقطة توجد فيها زراعة القمح، الصراع يمتد من البذور التي تنمو في الحقول إلى معامل وصوامع القمح ومصانع الخميرة وحتى المخابز.

وفقاً لمسؤولين من منظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة: بالفعل، يقع ثلث إنتاج البلاد من القمح خارج سيطرة النظام. يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على أكبر قطعة، بما في ذلك الكثير من حصة البلاد من الخبز، والأراضي الرئيسية المنتجة للقمح التي يدعوها السوريون الجزيرة. كما يمارس تنظيم الدولة نفس الاستراتيجية في العراق، حيث تقدر منظمة الأغذية والزراعة أن التنظيم سيطر على نحو 40٪ من إجمالي إنتاج القمح في العام الماضي.

القمح، مثل النفط، سلعة قابلة للاستبدال. ولكن تبيع الدولة الإسلامية أيضاً أسهم سوريا إلى العراق، وإلى التجار في تركيا وحتى إلى النظام السوري، وكلها بأسعار مرتفعة للغاية، وذلك وفقاً لأشخاص على دراية تامة بالقمح وإنتاج الدقيق. كما تتبع جماعات مسلحة أخرى استراتيجيات مماثلة. ونتيجة لذلك في تموز الماضي، أصبح بحسب تقديرات برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة ما يقارب 10 مليون سوري – ما يقرب من نصف سكان البلاد قبل الحرب – هم في حالة “انعدام الأمن الغذائي”، وهذا يعني أنهم قد يعانون من الجوع اليومي. بالطبع، ما يقرب 7 مليون بحاجة لمساعدات للبقاء على قيد الحياة. ويتم التحكم باقتصاد الحرب في السوق السوداء من قبل المقاتلين، الذين يساهمون في تضخيم الأسعار -هذا العام، رفع المقاتلون الأسعار إلى ما يقرب 90 في المئة– للاستفادة من الجوع وحتى المجاعة.

كان حافظ الأسد يدرك أهمية الزراعة. ففي عام 1977 ترأس افتتاح إيكاردا، وهي منظمة أبحاث علمية تعزز التنمية الزراعية. على مر السنين، دعم مالياً هو وابنه المجموعة بسخاء. عمل العلماء على تطوير بذور جديدة من شأنها أن تسمح لسوريا (جنباً إلى جنب مع بلدان أخرى مثل إيران وأوزبكستان) بإنتاج ما يكفي من القمح لإكفاء نفسها.

لعائلة الأسد، السيطرة على القمح والخبز وهذه كانت طريقة ممتازة للتحكم بالفلاحين والبدو أو أي شخص آخر قد يشكل خطراً على سلطة الدولة المركزية. حتى اليوم، المزارعون السوريون في الجيوب التي يسيطر عليها النظام بحاجة لشراء البذور والأسمدة والمياه من الحكومة. حيث يعين مسؤولو النظام أسعار البذور والأسمدة وأسعار إعادة شراء المحاصيل بعد الحصاد. ولأن حكومة النظام السوري تسيطر على كل مراحل انتاج القمح، المزارعون الذين يخرجون عن الخط المرسوم لهم يمكن أن يعاقبوا بسهولة. يجد المزارع المتمرد، على سبيل المثال، الحكومة غير مستعدة لتمديد القرض أو لشراء محصوله. كما يقول مهندس زراعي سوري، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، عن سياسات الحكومة الجزائية: “يشجع بعض المزارعين على الحفاظ على الزراعة، وفي بعض مناطق، لا يشجعون على ذلك”.

وكانت سورية مثالاً منتجاً ناجحاً مصدراً للقمح لعقدين من الزمن. وفقاً لمدير إيكاردا محمود الصلح: إنتاجية الحكومة السورية الزائدة أكثر من 350 مليون دولار في السنة. وتحفظ البلاد أيضاً احتياطي استراتيجي من القمح يناهز عادة حوالي 3 مليون طن، وهو ما يكفي في سنة جفاف أو عند ارتفاع الأسعار.

لكن أجبرت سنوات الجفاف نحو 1.5 مليون من الفلاحين في المناطق الريفية على ترك أراضيهم والهجرة إلى ضواحي المدن مثل حلب ودرعا. في مطلع عام 2010، 80 في المئة من الناس في المناطق الأكثر تضرراً كانوا يعيشون فقط على الخبز والشاي.

ساءت الأمور كثيراً عندما بدأت الانتفاضة في ربيع عام 2011. بينما دارت رحى الحرب، حاول الجيش السوري الحر وجماعات مسلحة أخرى السيطرة على أجزاء مختلفة من قطاع إنتاج الخبز: مصنع الخميرة في الغوطة الشرقية، ومخبز الحكومة في الزبداني، ومطاحن الدقيق وصوامع مطاحن الحبوب، وغيرها. في معظم الحالات، كان النظام قادراً على استعادتهم. ولكن عندما تمكنت جماعات المعارضة الحفاظ على مواقع مثل صوامع غلال ومطاحن دقيق، كان عليها تشغيلها: البذور والقمح، على سبيل المثال، كان لا بد من الاحتفاظ بها باردة وجافة لتجنب التلف. قال مسؤول سابق في جمعية عمال المخابز رفض الكشف عن هويته: “قامت المعارضة بالكثير من الأخطاء”. “بدأوا بالسيطرة على الصوامع دون أي فكرة عن كيفية إدارتها، الأمر الذي وفر للنظام ذريعة لإلقاء اللوم عليهم في كل شيء”.

بعد فترة من الوقت، ظهر النظام. في كثير من الأحيان، عندما تسيطر الجماعات المسلحة على البنية التحتية ذات الصلة بالقمح، فإنها تعقد صفقة مع النظام تضمن إمكانية أن يمر العمال من جانب إلى آخر بغية الحفاظ على استمرار الإنتاج. يُسمَح للخبراء الزراعيون في الرقة التي يحكمها تنظيم الدولة الإسلامية، على سبيل المثال، بالحضور إلى دمشق بهدف التدريب. كما يقول آدم فينامان ياو، نائب ممثل منظمة الأغذية والزراعة في دمشق: “الميليشيات هي دائماً معنية بالحفاظ على خبير لأنهم يعرفون أن الخبير سيهتم بنظام الإنتاج واستمراريته”. حيث يفهم الناس أنه ينبغي عقد الصفقة عندما يتعلق الأمر بالغذاء. إنهم يعرفون أنه من دون دقيق القمح، لن يبقون على قيد الحياة”.

هذه الاتفاقات غير الرسمية تسمح للمزارعين بالحفاظ على إنتاج القمح، الذي يمكن بعد ذلك نقله بشاحنات من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام مقابل ثمن. حيث يخضع القمح المشحون من الرقة، على سبيل المثال، “لضريبة” 20 إلى 25 في المئة، تفرضها الدولة الإسلامية، بالمقابل يتم تحميل تلك التكاليف في نهاية المطاف على المدنيين، مما أدى لارتفاع أسعار الخبز إلى 87 في المئة هذا العام.

معظم إنتاج القمح السوري موجود في شمال شرق البلاد. ويتركز الطلب عليه في غرب البلاد. وأثناء نقل القمح في جميع أنحاء البلاد، يأخذ كل فصيل مسلح حصته. كما يقول مهندس سوري من الرقة: “إذا كانت أحرار الشام تريد شيئاً، وتريد الحكومة 200 طن من القمح من هذه المنطقة، تتفاوض الحكومة مع أبناء المنطقة. ولكن عند نقض هذه الاتفاقيات _بسبب السعر أو نزاع إقليمي، على سبيل المثال، كما هو الحال في معركة المطاحن_ النتيجة هي الحصار والتجويع والقتال. ومن هنا، يبقى قطاع إنتاج القمح رهينة لأمراء الحرب والتجار الانتهازيين في سوريا.

في ربيع هذا العام، قال العديد من الموظفين الحكوميين الكبار في قطاع الخبز أن النظام يواجه أزمة إمدادات. نقص الدقيق يجبر المخابز على استخدام حبوب القمح الصافي. عادةً، يتطلب القمح وقتاً أطول في المعالجة والمزيد من الخميرة. ولكن إبطاء خط الإنتاج سيؤدي إلى تفاقم نقص الخبز، والذي من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من الاضطرابات السياسية.

وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة: يعتمد النظام بشكل متزايد على استقدام القمح من إيران وروسيا، بسبب ضرائب المسلحين، لأن استيراده أرخص لدمشق من شراءه من شمال سوريا. وفي الوقت نفسه، يضغط ارتفاع الأسعار على الفقراء، حيث يعاني الكثير منهم من سوء التغذية حتى قبل الحرب.

في عام 2012، كانت مدينة الرقة لا تزال تحت سيطرة النظام. ولكن الكثير من الريف، بما في ذلك حقول القمح وصوامع الغلال المهمة، في أيدي المعارضة. عندما انقسمت جماعات المعارضة الرئيسية في وقت لاحق من ذلك العام، أخذت كل مجموعة حصتها من القمح والدقيق والمخابز. يقول مهندس من الرقة: “لقد سرقوا الخبز وباعوه بأسعار مرتفعة”. داخل المدينة، أصبح الخبز نادر. إذا فتح مخبز في الساعة الثامنة، فإن المئات من الناس يصطفون في الصباح.

عندما سيطرت الدولة الاسلامية على الرقة في شهر آذار 2013، حاولت على الفور تنظيم إنتاج الخبز وتوزيعه. وأقامت نظام تقنين صارم: يصطف الناس في صف واحد للحصول على الخبز، ولكن الآن هناك صفين، واحد للرجال والآخر للنساء. كل شخص يستطيع شراء فقط بقيمة دولار واحد من الخبز – حوالي 20 رغيف صغير.

وخلافاً للخليط السابق من اللاعبين، تأكدت الدولة الإسلامية من الاستيلاء على جميع موارد قوى المعارضة والحكومة. يقول مهندس: “داعش يسيطر على كل شيء”، القمح والمطاحن والمخابز.” بالمجمل، عزز المسلحون سيطرتهم بهذه الطريقة على أماكن أخرى أيضاً.

في البداية، سمح تنظيم الدولة الإسلامية للمزارعين في الرقة ببيع القمح للحكومة، بضريبة 20 في المئة. هذا العام، اشترى موظفو الدولة الإسلامية معظم المحصول مباشرة من المزارعين، ودفعوا أكثر قليلاً من الحكومة. ويشير مهندس في الرقة أنهم يخططون لتصبح الرقة أكثر اكتفاءً من القمح ربما في يوم من الأيام، مثل الحكومة السورية، أي تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح. وأضاف “إنهم يشترون لأنهم يعتبرون أنفسهم حكومة”.

تبيع الدولة الإسلامية أيضا الحبوب عبر الحدود مع تركيا، حيث تكون الأسعار أعلى من ذلك بكثير. وواحدة من مفارقات هذه التجارة هو أن المانحين الدوليين يشترون كميات كبيرة من القمح في تركيا -ربما يساعد ذلك على إبقاء الأسعار مرتفعة- ومن ثم إرساله إلى سوريا لتقديمه كمساعدات إنسانية. داخل سورية، تسيطر مجموعات المعارضة المسلحة على هذه التبرعات (المساعدات) في كثير من الأحيان وتبيعها بأسعار مبالغ فيها.

قال أبو شريف، وهو اسم حركي لرئيس لجنة المخابز في حي الوعر، وهي ضاحية من ضواحي حمص التي كانت تحت حصار الحكومة لنحو ثلاث سنوات: “ربما إنها ليست صفقة كبيرة في بلدك، لكن هنا “أن تفكر بالخبز، فهو شيء كبير جداً”.

عندما قاد مجد الديك سيارته إلى المطحنة جنوب غوطة دمشق الشرقية، فتحت قوات النظام النار من رشاشات الـ23، حيث توفي عشرات الأشخاص على الفور. كما شاهد قطع رأس رجل واحد بقذيفة مدفعية. كما أحترق الناس داخل سياراتهم “وتفحموا”.

قاد بعض المتطوعين الشاحنات لنقل الدقيق، أيضا حاول الديك وغيره من المتطوعين تحميل العديد من الجثث والجرحى في الشاحنات. وفي الوقت نفسه، كان الناس يتدافعون إلى الاستيلاء على العديد من أكياس الطحين.

عندما كوم المتطوعون الجرحى فوق أكياس الدقيق، تغلغل الدم في الطحين. وعندما وصلت الشاحنات إلى الغوطة الشرقية، أحاط بالشاحنات حشد من المدنيين المتضورين جوعاً من النساء والأطفال وكبار السن.

في هذه المرحلة من القصة، توقف الديك عن الكلام لبرهة قبل أن يكمل.. “كانت هذه أصعب لحظة، كان الناس الذين يتضورون جوعاً في حالة بائسة عندما أخذوا الدقيق رغم أنه كان غارقاً في الدم”. قال الديك: “بعد ذلك، فشلت العملية برمتها”. وبعد بضعة أيام، أحكم النظام مرة أخرى السيطرة الكاملة عليهم.

*ترجمة محمود العبي عن “واشنطن بوست” الأمريكية، للاطلاع على المقال الأصلي اضغط  هنـــا

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى