الرئيسية / مقالات / أيتام مجتمعنا المجهولون – عبدالله شاهين
أيتام مجتمعنا المجهولون – عبدالله شاهين

أيتام مجتمعنا المجهولون – عبدالله شاهين

إنه ذلك الوقت من السنة؛ ذلك الذي تبدأ فيه لفحات البرد الليلية بدغدغة جلدك، دغدغة تجعلك تدرك قرب بداية جديدة لشتاء آخر وعام آخر، في مثل هذه الأيام تبدأ طقوس الخريف الروتينية، بالنسبة لي كان الخريف قبل الهجرة مناسبة سنوية للترحم على صيف آخر مضى دون أن نستغله. لا أدري لماذا لا نتذكر إلا كل ما كنا قد نسينا سابقاً وتصيبنا الندامة على ما قللنا من شأنه سابقاً. إنه موسم تعزيل العليّات والذاكرات. على درابزونات الشرفات ينتشر السجاد الذي يستعد لاحتلال الأراضي والأنوف. على رفوف خزانتي تتكدس كنزات الصوف التي أخرجها لا لشيء سوى لتدفئ رفوف الخزانة. دروج المكتب وقصاصات الورق العشوائية، كآبة العودة للدراسة لا تخفى على ناظر إلى السحنات السائرة في طرقات تتشح بأوراق يابسة وسماء رمادية.

ككل تفاصيل الروتين الرتيب تتأتى لذاكرتي صورة أخرى للخريف في سوريا، أربعة رجال شيبان نشيطون؛ تعلو وجوههم ابتسامات دافئة، يصدف أن يرتدي ثلاثة منهم على الأقل طقم السفاري الرمادي الذي يماشي لون شعرهم. يزورون منازل حيّنا في حمص ليجمعوا التبرعات. كانوا عاملين في جمعية البر والخدمات الاجتماعية في حمص؛ مبادرة أهلية عمرها أكثر من 60 سنة؛ هي عمر الخيبات من فشل الحكومات المتعاقبة في سوريا في مساعدة المنسيين في مجتمعاتنا. تطورت الجمعية عبر الزمن وأطلقت برامج تراوحت بين التعليم والصحة وكفالة الأيتام وإيواء العجزة والمنبوذين. لا أدري لماذا غدت زياراتهم جزءً من مشهد الخريف الذي يعاود ذاكرتي كل عام، أهو ارتباط خلقه عقلي بين صور هؤلاء الكهول وصورة الأطلال التي يخلقها الخريف في حي جل سكانه من المغتربين الذين يرحلون عنه في نهاية كل صيف. وكما يتركون وراءهم بيوتاً وذكريات تقف حقائق ومآسي المجتمع المهمش كشبح آخر يتأمل هذا المشهد الرمادي.

في ظل حكومة احترفت السرقة؛ كل من يتعامل بالمال العام سارق منافس يجب القضاء عليه، لم يسلم العاملون في هذه الجمعية الخيرية ولا غيرهم من سكاكين المجتمع، بتشجيع وأوامر من الحكومة كان هؤلاء نميمة المجالس و مادة للتقزز، لم تقصر الحكومة بإطلاق تهم الفساد بحقهم واستغلال كل ما يمكن من أدوات للقضاء على أي مصداقية لهم.

في مجتمع يحترف تهميش الفقراء والمساكين والأيتام والعجزة يجب تهميش كل ما يمت لهم بصلة أو يذكر ذلك المجتمع بما لا يود معرفته، أذكر تماماً كيف كان يُستقبل هؤلاء الكهول الأربعة بابتسامات وعبارات ترحيب ومن ثم يودعوا بنظرات تشكيك وكلمات تحقير مقصودة وعفوية.

يقول قائل: “سمعت إنهم عم يلطشوا من مصاري الزكاة! عم يشحدوا عالأيتام وياكلوا مالهن”، يرد آخر: “الله لا يوفقهن إذا صحي! لك عم يقولوا إنهم بيجيبوا ولادهم يسجلوهم بالميتم مشان يطلعلهم حصص معونة زيادة”!

إن كل طالب لحق؛ كل صوت لمقهور؛ كل ما يمكن أن ينكد علينا رتابة حياتنا؛ لابد أن نسكته. لابد أن ننفي وجود المصيبة، وأولئك الكهول؟ أيتام المشهد الرمادي؟ لا تكفي وصاية الله بهم وهم (العاملون عليها) لتقيهم شر من حولهم. لعل صورهم التي تذكر الناس بما فرطوا به من حق الأيتام والعجزة الذين رموا في دور الرعاية. يعملون في مجال لم يجلب لهم سوى الاتهام بالسرقة والتقليل من الشأن. لم تعل وجوههم لحى تشتري لهم الوجاهة ولا كان في خطابهم أي من الخنة والإدغام ولا مواعظ الثواب والعقاب. لقد عملت الظروف على ألا تتكاثر هذه الظاهرة في مجتمعاتنا. باسم التقوى والترفع عن الخوض في أمراض مجتمعاتنا هجرنا العمل الخيري الأهلي. لقد أفرزنا بترفعنا هذا أيتاماً آخرين عاشوا في ظلال المشهد الرمادي الذي حميناه من التغيير.

كما أوراق الخريف وغبار السجاد وكنزات الصوف وحكايات الخريف الصغيرة؛ تختفي وجوههم لتعاود الظهور في مواسم البرد والذكريات الحية. لا أدري هل  سيكون على ظهر المعمورة عدد من كهول المشهد الرمادي يكفي  لما بات لدينا من أيتام وعجزة. ولكني آمل كل خريف؛ ألا يتأخر الربيع؛ وأن تبقى قصص الحب والأعراس تلون جدران الميتم المهدمة.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى