الرئيسية / تحقيقات / إغلاق “باب الهوى” يهدد شمال سوريا بكارثة غير مسبوقة – عبد الغني العريان
إغلاق “باب الهوى” يهدد شمال سوريا بكارثة غير مسبوقة – عبد الغني العريان

إغلاق “باب الهوى” يهدد شمال سوريا بكارثة غير مسبوقة – عبد الغني العريان

بعد أكثر من ثلاثة أعوام ونصف من بدء الثورة السورية، لجأ السكان للنزوح خارج سوريا هرباً من آلة القتل التي فعلها النظام السوري لتحصد أرواحهم يومياً، لجأ السوريون إلى دول الجوار بطرق غير شرعية من دون المرور على المعابر النظامية بسبب عدم امتلاكهم جوازات سفر من ناحية وبسبب سيطرة النظام على بعض هذه المعابر من ناحية وهنا ظهر دور المهربين الذين استغلوا حاجة اللاجئين، وقاموا بابتزازهم بمبالغ باهظة  لتهريبهم خارج الحدود إلى تركيا وغيرها.

وبعد إغلاق المعابر الحدودية التركية المشتركة مع سوريا وحصر استخدامها بنقل البضائع دون المسافرين منذ شهر آذار الفائت ازدادت صعوبات النزوح من سوريا بالنسبة للسوريين الذين بقوا في سوريا إلى الآن مع تشديد عناصر “الجندرما” التركية المراقبة على خطوط التهريب التي كان يعتمد عليها سابقاً في تهريب المدنيين نحو تركيا وبالعكس.

تتزايد مع ذلك الآثار السلبية على السوريين منذ إغلاق الحدود في وجههم فمن انقطاع مئات الشباب عن عملهم في تركيا إلى حرمان آخرين من العودة إلى عائلاتهم المستقرة بتركيا أو الخروج إلى تركيا بهدف العلاج أو السفر أو غيره.

جاء إغلاق معبر باب هوى من الجانب التركي بشكل كامل أخيراً لينذر بكارثة حصار كامل تهدد الشمال السوري الذي بات أبناؤه محرومين من إمكانية دخول الشحنات الإغاثية والتجارية إلى مناطق سكنهم في المخيمات الحدودية داخل سوريا وفي مدن وبلدات الشمال السوري، كما أصبحوا غير قادرين على الخروج إلى تركيا لتلقي العلاج في المشافي التركية.

معاناة عبور الحدود باتجاه تركيا تتصاعد

يعاني النازحون السوريون، الهاربون نحو الأراضي التركية من جحيم الحرب الدائرة في سوريا، الأمرَين أثناء العبور إلى الجانب التركي بطرق غير شرعية بعد إغلاق معبري باب السلامة وباب الهوى من قبل السلطات التركية منذ التاسع من شهر آذار الماضي لأسباب لم يعلن عنها رسمياً، إلا أن بعض الصحف التركية نقلت عن مصادر تركية معلومات تفيد بأن إغلاق المعابر جاء بسبب ورود معلومات استخباراتية للأتراك تؤكد قيام نظام الأسد بتجنيد مجموعات مخربة ستسعى لتهريب أسلحة من سوريا إلى تركيا، والقيام بتنفيذ أعمال إرهابية داخل تركيا خلال فترة الانتخابات البرلمانية التي جرت في شهر حزيران الماضي إلا أن الانتخابات انتهت منذ أشهر طويلة ومازالت المعابر مغلقة.

يسلك النازحون طرقاً وعرة في الجبال والوديان في ريف إدلب، للوصول إلى الحدود، حاملين معهم أمتعتهم و أطفالهم، وبعد وصولهم لقرية “خربة الجوز”، عند أحد منازل المهربين تتجمع عشرات العائلات مع أمتعتها، لا يتحرك أحد باتجاه الحدود حتى يكتمل “النصاب” حسب قول المهربين الذين يقبضون من كل شخص مبلغ يقارب الخمسة عشر ألف ليرة سورية مقابل نقله إلى الجانب الآخر، بعد أن يكتمل النصاب يأتي أمر التحرك والسير مشياً على الأقدام بطرق خاصة في الغابة كانت تستعمل سابقاً لتهريب الأبقار والسجائر، كل مئة متر يتم التوقف عن المشي ليأخذ النازحون قسطاً من الراحة مراعاة للعائلات، بعدها يكمل النازحون المسير بتوجيهاتٍ من المهربين الذين يكون عددهم عادةً أربعة يرأسهم الأكثر خبرة، كل منهم لديه مهامه بالاستطلاع والتنسيق مع المهرب التركي في الطرف المقابل.

كثيراً ما تكون الرحلة محفوفة بالمخاطر نتيجة استهداف الجيش التركي لأي تحرك يُشتبه به بعد التشديد التركي وإغلاق الحدود، فتتعدد المحاولات لإيجاد ثغرة مخفية على الشريط الحدودي غفلت عنها أعين عناصر الجيش التركي، لكن أغلب هذه المحاولات تواجه الفشل بالنهاية.

ومنذ قيام السلطات التركية بإغلاق المعابر البرية أمام السوريين الراغبين بالدخول إلى أراضيها ، تعرض مئات السوريين لاعتداءات وانتهاكات كثيرةعلى يد عناصر “الجندرما التركية” وسجلت العديد من حالات القتل لأطفال ونساء برصاص حرس الحدود الأتراك.

وازدادت تلك الحالات مؤخراً بشكل كبير خاصة بعد إعلان الأتراك حدودهم مع سوريا كمناطق عسكرية، الأمر الذي جعل الدخول بطرق غير شرعية إلى الأراضي التركية شبه مستحيل، بعد أن كان يتم بسلاسة وسهولة كبيرة مسبوقة بعد دفع مبالغ مالية للمهربين الأتراك والسوريين على جانبي الحدود.

معبر باب الهوى من سيئ الى أسوء

تمكنت الفصائل الثورية في بداية صيف عام 2012 من بسط سيطرتها على معبر باب الهوى على الحدود السورية التركية، والذي شكّل فيما بعد الرئة الأساسية لإمدادات الثورة، من إغاثة إنسانية وطبية، وشكّل أيضا باب النجاة لمئات العوائل الهاربة من قصف النظام وانتهاكاته في مناطق شمال ووسط سوريا.

وفي ذالك الوقت ساد مفهوم عند الفصائل الثورية هو أن أي فصيل يريد استعراض قوته وإبراز هيمنته يقوم بالهجوم على الفصائل الصغيرة في المعبر، كهجوم عدة فصائل على مقر الأركان، ثم دخول الجبهة الإسلامية بعد تشكيلها بالقوة للمعبر، والسيطرة على مقرات تابعة للأركان وغيرها، ناهيك عن الاشتباكات التي باتت تعتبر اعتيادية فيما بعد بين الفصائل المنتشرة في المعبر ومحيطه.

هذه الهجمات والاشتباكات باتت تعيق عمل المعبر بشكل ملموس، حيث أصبح المعبر مهدداً في غير مرة فعلياً بالإغلاق من الجانب التركي لكثرة المشاكل الحاصلة في الطرف السوري.

وقد دخل عدد من الفصائل، منذ بداية السيطرة على المعبر في صراع من أجل وضع قدم لها، والهدف من ذلك تحقيق مكاسب سياسية ومادية، ونتيجة تعارض تلك المصالح في كثير من الأحيان وتطورها إلى اشتباكات مسلحة، كان المدنيون الداخلون والخارجون عبر المعبر الضحية الأبرز، نظراً لأن جميع المؤسسات الإغاثية العاملة داخل سوريا تستخدم المعبر لإدخال المساعدات، لذلك تعالت أصوات المدنيين والمؤسسات الطبية والإغاثية والمؤسسات الثورية مطالبةً بوجود إدارة مدنية لمعبر باب الهوى، بعد خروج تلك المجموعات المسلحة التي تَناست مهامها في خدمة الثورة من المعبر فأصبحت عبئًا ثقيلًا في مكان تواجدها.

وجرت العديد من المحاولات لتحويل المعبر إلى إدارة مدنية، فقد حاولت الجبهة الإسلامية ذلك، إلا أن الهيمنة على المعبر من قبل مجموعات من “الأمراء” على فترات أفشلت تلك المحاولات، سواء بإيعاز من قيادات الفصائل أو من خلال موقف مرتجل من الموجودين في المعبر، مبني على عدم التخلي عن المنفعة المادية التي حققها تواجدهم بالمعبر لهم.

وعادت الفصائل وعلى رأسها أحرار الشام وصقور الشام وجيش الإسلام إلى الاتفاق مجددًا على تنفيذ مشروع الإدارة المدنية، إلا أن المشروع بقي حبراً على ورق.

إدارة مدنية متأخرة في باب الهوى   

كثرت الشكاوى من المسافرين حول المظاهر المسلحة في معبر باب الهوى، وسوء المعاملة التي اتسمت بالفوقية والوساطات، فسلمت حركة أحرار الشام المعبر أخيراً إلى إدارة مدنية بالتزامن مع دعوات للتنسيق مع الجانب التركي لفتح المعبر وتأمين عبور الأهالي والبضائع.

وقد قررت حركة أحرار الشام التي كانت تدير المعبر، إنهاء مظاهر التسليح، ليعود حملة السلاح إلى مكانهم الأساسي وهو الجبهات، وتسليم الإدارة إلى موظفين مدنيين كما هو متعارف عليه على المعابر الحدودية.

وفتحت الحركة باب التوظيف على أساس مستوى التحصيل العلمي والكفاءات ممن لديه خبرة في العمل بالوظائف الإدارية في المعبر بغض النظر عن كونه منتمياً لحركة أحرار الشام أم لا، كما استلمت إدارة المعبر أجهزة متطورة كالتي يملكها الجانب التركي، للكشف عن الألغام والسيارات المفخخة.

وبالنسبة لسكان المناطق الخاضعة لسيطرة النظام الذين يعبرون من المنافذ الحدودية إلى تركيا، فقد توصلت الإدارة إلى حل يؤمن عودتهم إلى مناطق النظام، وذالك ببطاقة مسافر تعطى مرة واحدة ويبرزها كلما أراد العبور لتغنيه عن ختم الجواز.

كان كل ذلك في وقت متأخر جداً بعد أن أغلقت الحكومة التركية المعبر في وجه السوريين المسافرين باتجاه تركيا والداخلين منها إلى سوريا عبر معبر باب الهوى، ولم تقوم الإدارة المدنية بأي عمل فعلي في خدمة المسافرين إلى في فترة عيد الأضحى التي سمحت خلالها تركيا للسوريين بالدخول إلى سوريا عبر المعبر والخروج من سوريا بالنسبة لحاملي بطاقة اللجوء المؤقت في تركيا “كيملك” فقط.

تركيا تغلق المعبر التجاري والإغاثي والطبي أيضاً

أعلنت الحكومة التركية صباح الخميس العاشر من أيلول وبشكل مفاجئ عن إغلاق تام لمعبر باب الهوى الحدودي مع سورية، وقال موظفو الجانب التركي لموظفي الجانب السوري أن إغلاق المعبر جاء لضرورات أمنية، وهو مغلق حتى إشعار وقرار إغلاقه جاء بقرار من وزارة الدفاع التركية، حيث انتشرت قوات تابعة للجيش التركي في الجانب التركي من المعبر وطلبت من الجانب السوري إبعاد المظاهر المسلحة السورية عن مرأى العناصر الأتراك المنتشرين في الجانب التركي.

وأوضحت إدارة معبر باب الهوى أن المعبر أغلق في وجه كافة الإمدادت الطبية والإغاثية الداخلة إلى سوريا وفي وجه الحالات العلاجية والإسعافية الخارجة باتجاه تركيا.

وكانت السلطات التركية قد أغلقت المعبر منذ أشهر في وجه المسافرين لكنها سمحت خلال فترة الإغلاق، بعبور القوافل التجارية والإغاثية باتجاه سوريا، وفرق الإسعاف، وبعض الحالات الإنسانية الخاصة باتجاه تركيا، أما اليوم فقد قررت السلطات التركية إغلاق المعبر كاملاً.

وأكد أحد المسؤولين في إدارة الجانب السوري من معبر “باب الهوى” للغربال أن جندياً تركياً قتل قرب المعبر يوم الأربعاء على أيدي مهربين، لم يتم تحديد جنسيتهم فيما إذا كانوا أتراك أو سوريين، لتقرر الحكومة التركية إغلاق المعبر بشكل كامل ومنع دخول أي شحنة تجارية أو إغاثية إلى سوريا أو حالة مرضية أو إنسانية إلى الأراضي التركية.

وأوضحت إدارة المعبر في الجانب السوري أنها تسعى جاهدة لإيجاد حل لهذه الأزمة، وهي تجتمع مع الجانب التركي للتباحث في موضوع إعادة فتح المعبر في وجه الشحنات الإغاثية والحالات الإسعافية على الأقل.

وسيعني استمرار إغلاق المعبر فرض ما يشبه الحصار على المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري في الشمال السوري نظراً لأن الإمدادات التجارية والإغاثية الداخلة عبر معبر “باب الهوى” هي ما يعيش عليه سكان هذه المناطق الأصليين والمقيمون فيها من النازحين المتواجدين بعشرات الآلاف في المخيمات الحدودية شمال محافظة إدلب، كما أن إغلاق المعبر سيتسبب بكارثة على المستوى الطبي حيث تفتقر هذه المناطق لمشافي يمكن أن تقدم خدمات علاجية متطورة كالتي يحتاجها المرضى ومصابو الحرب السوريون الذين يتم نقلهم إلى تركيا عبر المعبر في العادة لتلقي العلاج.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى