الرئيسية / مقالات / انتبهوا إلى أطفالكم.. بوابات المستقبل ستغير أقفالها قريباً – منال الريّس
انتبهوا إلى أطفالكم.. بوابات المستقبل ستغير أقفالها قريباً – منال الريّس

انتبهوا إلى أطفالكم.. بوابات المستقبل ستغير أقفالها قريباً – منال الريّس

يجب أن تدرس باجتهاد، يجب ألا ترفع رأسك عن الكتاب كي تصبح مهندساً أو طبيباً لنرفع رأسنا بك! هذه العبارات وغيرها هي عبارات مألوفة لدى أجيال السوريين الذين اعتادوا على توبيخ أهاليهم لهم بهدف حثهم على المثابرة في دراستهم، من المعتاد أن ينهر الآباء أطفالهم إن ضبطوهم وقد استبدلوا الآلة الحاسبة بريشة رسم أو قضوا عطلتهم بممارسة هوايات فنية أو رياضية أو استكشافية بدلاً من تثبيت أعينهم على الكتاب تحضيراً لسنة دراسية قد تكون الفاصل في تحديد مستقبل لن يفتح لهم بواباته، وفق رأي الأهل بغير خوذة المهندس أو ثوب الطبيب.

يبدو أن بوابات المستقبل ستغير أقفالها قريباً، كعادتها في مطلع كل عصر جديد، في العصور الخالية كان المحراث هو مفتاح بوابة المستقبل عندما كانت الزراعة هي المهنة الأهم، ومع الاكتشافات العلمية والتكنولوجية دخل العالم عصراً جديداً وأصبح العمل في المصانع الغاية الأهم لأبناء الطبقات المتوسطة، ومع تقدم المعارف دخلنا عصر المعلومات والمعرفة، وأصبحت الصورة النمطية السائدة للشاب الذي ينجح بتأمين مستقبل جيد، بعد حصوله على الشهادة العلمية، متمثلة في ربطة عنق وحقيبة “لابتوب” وعقد عمل في شركة جيدة، وأصبح أسلوب المعيشة بأكمله متحوراً حول هذه الصورة النمطية، بدءاً بساعات العمل الطويلة خارج المنزل والمتبوعة بساعات الاسترخاء على “الكنبة”، مروراً بضغوطات العمل وانحسار اهتمامات ضرورية كالرياضة والقراءة، وانتشار ثقافة الاستهلاك وحسابات المنفعة المادية المقدمة على كل شيء، وانتهاء بتوريث هذه الصورة النمطية للأبناء من خلال توجيههم لاتباع نفس الطريق، على الأقل كي يستطيعوا أن يضمنوا مكاناً لهم في هذا العالم شديد التنافسية.

وماذا بعد الاقتصاد القائم على الزراعة، ثم الصناعة، ثم المعرفة؟ ماذا بعد اقتصاد صاغ شخصية تهتم بالقوة الجسدية لإتمام مهام الزراعة، ثم تحولت في العصر الصناعي والمعرفي إلى شخصية تجيد عمليات التحليل وإدارة العمليات؟  شخصية أصبحت في العقود الأخيرة بارعة جداً في استخدام الجانب الأيسر من الدماغ والذي يقوم بوظيفة تحليل المعلومات.

الواضح أننا نتقدم نحو عصر جديد قائم على اقتصاد الابتكار، هذا الاقتصاد سيبرز فيه نوع جديد من الشخصيات يتقن مهارات الجانب الأيمن من الدماغ، الجانب الذي يقدر الجماليات والإلهام والإبداع، هذه الشخصية المبدعة تختلف عن الشخصية التحليلية، فعوضاً عن البرود تجاه المجتمع الذي يسود عند الصورة النمطية للموظف صاحب الياقة البيضاء، واعتباره التفاعل مع أنشطته إضاعة للوقت الذي يمكن أن يستغل بإتقان تشغيل آلة ما مثلاً، تتقن الشخصية المبدعة التفاعل مع المجتمع وتتأثر بمشاكله، وتتحرك مخيلتها في محاولة لإيجاد حلول تسهم في إسعاده وتلبية احتياجاته، هذه الشخصية هي شخصية تخلق معنى وتنتج أفكاراً تحولها لواقع أجمل، بدلاً من استهلاك الأفكار الجاهزة ومضغ القيم المعلبة، فهي تنجح في رؤية الصورة الأكبر، تجمع الأفكار المتناثرة بمنتج نهائي، ذات شخصية ناضجة متمكنة من أدواتها تستطيع أن تخلق صورة بالكلمات، أو الألوان، أو الصور، أو الألحان، أو التكنولوجيا، وقادرة على الإقناع والتأثير المجتمعي، شخصية فاعلة منتجة في مقابل نموذج المستهلك المفعول به، قريبة من مشاكل الناس وهمومهم، تتأثر بقضاياهم وتؤثر فيها بحلول جديدة، قادرة على خلق فرص جديدة إن ضاقت عليها الفرص المتوفرة، وعوضاً عن اتباع الخيارات المبالغة في حسابات السلامة، قد تأخذ خيارات جديدة وشجاعة، محسوبة المخاطر، لكنها تحتوي هامشاً للتجربة والاستكشاف.

لا تأتي هذه الشخصية معلبة ولا يتم تصنيعها من خلال المناهج الدراسية، ما تحتاجه شخصية الصانع المبتكر المؤثر الريادي، هو مساحة أكبر للتفاعل مع دوائر تأثير تتشارك فيها بتطوير إبداعها بشكل جماعي وتطور ثقافة الابتكار والإنتاج كإنتاج الأفكار، إنتاج المعاني، وإنتاج التأثير.

عصر الاقتصاد القائم على الابتكار والتأثير المجتمعي لن يهمش المنجزات المعرفية التي حققها الموظف والطبيب والمهندس، لكنه سيأخذها لآفاق جديدة ليضيف على المعرفة والمعلومات أبعاداً جمالية جديدة تلون بالأجمل علاقته بنفسه وبمجتمعه وبمحيطه.

وبالتأكيد لن تصبح المهن الحالية أقل أهمية، إنما لن ينحصر ولوج أبواب المستقبل الباهر بهذه المهن فقط، ولن تنحصر هذه المهن نفسها بحدود العقل الحسابي الجامد، وإنما سيدخل الإبداع في تفاصيل جديدة، وستضاف قيم التعاطف والإنسانية، وسيكون الإحساس بالجمال ووجود الدافع لخلقه هو المحفز الذي سيطغى على رتابة حياة المكاتب وجمود العلاقات، وستكون الرغبة بإحداث تحول إيجابي في المجتمع هي البذرة التي سيحرص المربون على غرسها بداخل الجيل الجديد باستخدام أدوات الإيجابية والتغيير البنّاء.

هذا المستقبل سيأتي وإن بدا بعيداً، مدفوعاً بتململ الناس من كل الضغوطات الحالية في العمل، والعلاقات الإنسانية، والرتابة، وفرص العمل وغيرها، هكذا علمنا التاريخ وهذه سنته في توالي العصور، وكيف يولد كل عصر من رحم المعاناة في العصر الذي سبقه، وبأدوات جديدة تكون هي المفتاح الجديد لمستقبل أفضل.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى