الرئيسية / مقالات / تل أبيض التي تقاذفتها الأيادي تنتظر أهلها – مصطفى الجرادي
تل أبيض التي تقاذفتها الأيادي تنتظر أهلها –  مصطفى الجرادي

تل أبيض التي تقاذفتها الأيادي تنتظر أهلها – مصطفى الجرادي

تقع مدينة تل أبيض في الجزيرة العليا (الجزيرة السوريّة) على الحدود السورية التركية على بعد 90 كيلومتراً شمال مدينة الرقة، بلغ تعداد سكان منطقة تل أبيض 129,714 نسمة حسب التعداد السكاني لعام 2004،  يشكل عرب المدينة غالبية عظمى مع وجود أقليتين كردية وتركمانية ونسبة صغيرة من الأرمن الذين لجأوا إليها واستقروا بها منذ بدايات القرن الماضي في الحي الذي يدعى بحي الأرمن.

تبلغُ المساحة الإدارية لمنطقة تل أبيض حوالي ال 10000 كم2 حيث تمتد من حدود محافظة حلب غرباً وصولاً لحدود محافظة الحسكة شرقاً، يوجد بها نبع مائي عذب يطلق عليه نبع عين العروس ويمر فيها أيضاً نهر البليخ، كما يمر فيها الطريق الدولي الواصل بين حلب والحسكة، ويتبع لمدينة تل أبيض ناحيتان إدارياً هما سلوك وعين عيسى، تتميز تل أبيض بأنّها منطقة زراعية، المحصولان الرئيسان فيها هما القمح والقطن، وقد دخلت محاصيل جديدة إلى منطقة ريف تل أبيض مع بداية عام 2000 وهي محاصيل الحمص والكمون والفول والعدس ومختلف أنواع البقوليات.

نتيجة ً لموقعها الحدودي وبعد تحسّن العلاقات السياسية والاقتصادية بين نظام السوري وتركيا سابقاً فقد تم افتتاح معبر حدودي فيها في العام 2005 لدخول المسافرين وتبادل البضائع، ما أدى لتنشيط الحركة الاقتصادية فيها وانتعاشها وخصوصاً تجارة الإسمنت الذي كان يتم استيراده من تركيا مع العديد من السلع والبضائع الأخرى، وتسبب دخول الكثير من المواطنين الأتراك لتل أبيض في الفترات السابقة للثورة وتبضعهم السلع والحاجيات من مدينة تل أبيض وريفها بتنشيط الحركة التجارية فيها.

كان لمدينة تل أبيض مشاركة بالتظاهرات السلمية التي انطلقت في سوريا، خرجت المظاهرة الأولى فيها بتاريخ 8/7/2011،  ومع بدء تحول الثورة للتسلح تشكلّت العديد من كتائب الجيش الحر في المنطقة لتقوم بضرب عدة نقاط للجيش النظامي وصولاً للسيطرة على ناحية سلوك في الشهر الثامن من عام 2012، أما مدينة تل أبيض فقد تم تحريرها بشكل كامل في 22/9/2012 بعد عدة معارك خاضتها كتائب محلية وكتائب من ريف حلب مع فروع الأمن فيها ومراكز الجيش الشعبي التي كانت تتواجد بالمدينة.

بعد تحرير تل أبيض ولد كيان مدني فاعل فيها وهو المجلس المحلي لمدينة تل أبيض الذي كان يشكل وقتها تجربة رائدة على مستوى سورية وتشكلّت بعض منظمات مدنية شبابية كـ “تجمع شباب تل أبيض” الذي ابتدع شبابه فكرة رائدة وقتها وهي فكرة مندوبين الخبز التي سهلت على المواطنين الحصول على هذه المادة الرئيسية، وشهدت المدينة بعد التحرير استقراراً وانتعاشاً اقتصادياً بسبب موقعها الآمن بسبب ملاصقتها للحدود وبسبب نشاط المجلس المحلي الذي تلقى دعم العديد من المنظمات الدولية الأمر الذي أدى إلى احتضانها العديد من النازحين من عدة محافظات بسبب عدم تعرضها قصف طيران النظام إلا لمرات معدودة ومحدودة خوفاً من الطيران التركي.

دامت الأمور مستقرةً في تل أبيض حتى سيطرة تنظيم داعش عليها في 6/1/2014 بعد معارك خاضها مع كتائب الجيش الحر المحليّة وحركة أحرار الشام الإسلامية، قام تنظيم داعش بعد سيطرته على المدينة باعتقال أعضاء المجلس المحلي وليسجنهم فترة قبل أن يفرج عنهم لاحقاً، قبل أن يتمكن التنظيم من القضاء على كافة أشكال الحياة المدنية  في تل أبيض ليفرض سيطرته المطلقة وقوانينه الجائرة عليها وعلى أهلها.

 كان لمدينة تل أبيض أهمية استراتيجية خاصة لكلّ الفصائل التي سيطرت عليها، فالجيش الحر اعتبرها نقطة حيوية له بسبب موقعها الحدودي الذي يؤمن له حاجاته اللوجستية من السلاح وغيرها من الإمدادات الضرورية، أما تنظيم داعش فاعتبر التفرد بالسيطرة عليها ثقلاً هاماً لقطع الإمدادات عن كتائب الجيش الحر ومنفذاً لمقاتليه الذي يعبرون الحدود التركية عبر تل أبيض للانضمام له.

وكانت قوات “حماية الشعب” الكردية تحلم بالسيطرة على تل أبيض كونها تشكل همزة الوصل بين مناطق سيطرتها في الجزيرة السورية ومناطق سيطرتها في منطقة عين العرب بريف حلب الشرقي، وهو الأمر الذي تحقق بدعم طيران التحالف الدولي لمحاربة داعش في منتصف شهر حزيران الماضي، لتتصل مناطق “الإدارة الكردية” ببعضها لأول مرة من الحدود السورية العراقية وحتى منطقة جرابلس بريف حلب الشرقي، ويتسبب ذلك بنزوح أكثر من خمسة وعشرين ألفا من سكان المدينة إلى تركيا، لتبقى تل أبيض تنتظر عودتهم إليها.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى