الرئيسية / تحقيقات / نازحو اللاذقية يواجهون الموت جوعاً ومرضاً – محمد عثمان
نازحو اللاذقية يواجهون الموت جوعاً ومرضاً – محمد عثمان

نازحو اللاذقية يواجهون الموت جوعاً ومرضاً – محمد عثمان

يُعتبر يوم الثلاثاء من بداية كل شهر بالنسبة لوداد يوماً استثنائياً يتطلب منها الاستيقاظ منذ الساعة السابعة صباحا لتحصل على مكان لها مع المنتظرين حتى الظهيرة، موعد استلام السلة الغذائية الخاصة بها التي تحصل عليها من إحدى الجمعيات الخيرية في اللاذقية، لتوفر لأطفالها الأربعة ما يسد رمقهم لأسبوع أو أكثر.

“أخبروني اليوم أن المساعدات غير متوفرة وأنهم سيتصلون بي لاحقاً” تقول وداد والحسرة تملأ قلبها، كيف لا وهي الأرملة التي تعيش بلا معيل بعد أن توفي زوجها برصاص قناص أثناء هروبهم من حلب إلى اللاذقية.

وداد ليست الوحيدة التي حصلت على هذا الجواب فهناك آلاف النازحين الذين صدموا بهذا الأمر بعد أن قررت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقليص حجم الدعم المخصص للمؤسسات الإغاثية الشريكة لها في سورية لأقل من النصف، مما جعل الأعباء تزيد على هذه المؤسسات التي تتنوع بين منظمات إغاثية وجمعيات خيرية أهلية.

بدائل إغاثية مفقودة

يارا متطوعة في منظمة إغاثية في اللاذقية، تقول للغربال: “قرار مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قرار مسيس يهدف لزيادة الضغوط على النظام السوري في مناطق سيطرته، لاسيما في محافظة اللاذقية التي استوعبت ما يزيد عن 700 ألف لاجئ لأكثر من عامين، فمبلغ 300 مليون ليرة المرصود للجهات العاملة في المجال الإغاثي والشريكة لمفوضية الأمم لن تغطي إلا القليل من الاحتياجات”.

تتابع يارا: “منظمة الهلال الأحمر والأمانة السورية للتنمية تملكان تمويلاً مستقلاً عن تمويل المفوضية ولن يؤثر قرار المفوضية عليهما، لكن الجمعيات الأهلية سيتأثر عملها لأنها لا تملك أي مصادر للتمويل الذاتي لتنشط في مجالات تخصصها فكيف الحال ضمن المجال الإغاثي الذي تطوعت هذه الجمعيات للمساعدة به”.

تضيف يارا: “أين هي الدول المانحة التي تتبرع بمليارات الدولارات في كل عام لمفوضية اللاجئين، الوضع خطير، يجب أن نجد بدائل لتأمين الإغاثة لهذا الكم الهائل من النازحين الذين يعتمدون علينا بشكل كبير”.

تحاول هذه المؤسسات الإغاثية إيجاد بدائل لتمويل المفوضية بحسب يارا من خلال إطلاق حملات لدعم هذه المؤسسات من قبل السوريين المغتربين أو التسويق لمشاريع تشغيل أو تأمين فرص عمل لاسيما في مجال الزراعة، لكن كل ذلك لم يأتي بنتيجة بعد.

جمعيات منسية توشك على الإغلاق

الجمعيات الأهلية المرخصة من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تعرضت لإهمال كبير, مصادر خاصة مقربة من الوزارة أكدت للغربال أن أولويات النظام السوري باتت تتركز الآن على ذوي القتلى والجرحى والمخطوفين، لتُترك الجمعيات المعنية بذوي الاحتياجات الخاصة والمرأة والطفل وكبار السن وغيرها في مهب الريح.

تقول “مريم” وهي مديرة إحدى الجمعيات التي تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة للغربال: “من المعيب تكريس معظم الميزانيات في الوقت الحالي لخدمة القتلى والجرحى والمخطوفين وذويهم، دون إيلاء أي اهتمام بشرائح واسعة من المجتمع تعاني ويلات الحرب بصمت مع ذويها”.

تتابع مريم: “الكثير من البرامج التأهيلية الخاصة بالنازحين توقفت، وأصبح إغلاق أبواب الجمعيات في وجه المحتاجين أمراً مألوفاً، خاصة بعد زيارات وزيرة الشؤون الاجتماعية في حكومة النظام “كندة الشماط” المتكررة إلى اللاذقية وإشارتها لسوء أداء الجمعيات الخيرية في محاولة منها لتغطية تقصير وزارتها في دعم تلك الجمعيات”.

“وكأن الأمر بأيدينا” تضيف “مريم” معبرة عن استيائها من نبرة وزيرة النظام التي أشارت لانحسار دعم الجمعيات الاهلية منذ العام الثاني لاندلاع للثورة بحجة ضغط النفقات ووجود حالة حرب فرضت أولويات جديدة.

تؤكد “مريم” هنا أن عدداً كبيراً من النازحين لديهم أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة طرقوا أبواب الجمعيات الخيرية طالبين المساعدة لأطفالهم إلى جانب أطفال أهالي اللاذقية، ليتم رد عدد كبير منهم دون تلبية طلبهم بحجة عدم توفر الموارد”.

تختتم مريم حديثها بالقول: “لن اغلق باب جمعيتي رغم كل المصاعب, أطفال النازحين يحتاجون أيضاً للرعاية حالهم كحال أبناء قتلى قوات النظام ولابد من وجود حل، سواءً بإقامة أنشطة خيرية لجمع التبرعات أو طرق أبواب رجال الأعمال والتجار الذين ما زالوا موجودين في سوريا لطلب تبرعات منهم”.

انخفاض كبير في سوية الخدمات الطبية

المشافي الحكومية باللاذقية باتت تعاني من ضغوطات أثرت على تقديمها للخدمات الطبية، مشفى الأسد الجامعي فرض رسوماً على المبيت والعمليات الجراحية مع نهاية العام الماضي إضافة الى الغاء عدد كبير من الخدمات الطبية وأنواع الأدوية التي كانت تمنح مجاناً للمواطنين، لاسيما التحاليل المخبرية التي تتطلب مركّبات غالية الثمن بحسب الطبيب “هاني” الذي نوه في حديثه للغربال إلى أن النظام بات مجبراً على اتخاذ هذه الإجراءات في جميع مشافيه في اللاذقية بما فيها مشفى تشرين المتخصص بالأورام الذي لا يستوعب سوى مئة مريض فقط، على الرغم من “الضجة الاعلامية” التي رافقت افتتاحه نهاية العام الماضي في وسائل الإعلام الموالية للنظام.

ويؤكد الطبيب “هاني” أن مديرية الصحة عممت قراراً بعدم منح أية جرعة كيماوية مجانية لمريض السرطان، بعد أن كان يمنح بعض الجرعات للعلاج بداية ظهور المرض ليستكمل المريض بعدها علاجه على نفقته الخاصة, مشيراً إلى أن هذه الخطوة ستؤثر بشكل خطير على المرضى لاسيما الفقراء منهم فزيادة الطلب على خدمات المشفى بارتفاع خاصة مع حركة النزوح نحو الساحل، فالمريض يستفيد من بعض المعاينات الطبية لتتوقف بعدها المشفى عن مساعدته.

يرجع النظام تقصيره أيضاً في هذا المجال إلى العقوبات المفروضة عليه وعدم قدرته على استيراد عدد كبير من المواد نظراً للحصار الاقتصادي المفروض عليه، ما أثر بشكل كبير على مختلف المجالات الخدمية التي يقدمها، ويشير الطبيب “هاني” إلى فقد أدوية مهمة من الأسواق منها ما هو لعلاج أمراض السكري والكلى والغدد الصم دون وجود أي إمكانية لتوفير بدائل لها.

مصير مأسوي ينتظر اللاجئين

ليست وداد الحالة الوحيدة التي تأثرت بتخفيض مفوضية اللاجئين لتمويلها للمؤسسات الاغاثية في اللاذقية، النازحون في محافظة اللاذقية جميعاً يعانون من ضغوط كبيرة نتج عنها عدم قدرتهم على تأمين لوازم الحياة الضرورية ما أثر على مختلف نواحي معيشتهم.

يرى “ناجي” وهو نازح من حلب يقيم بمركز إيواء في اللاذقية أن سياسات النظام التمييزية وقرارات مفوضية الأمم المتحدة ستترك أثرها على برامج دعم التعليم والتأهيل النفسي التي وعدت بها المنظمة المسؤولة عن مركز ايوائه، ما سينعكس سلباً على مستقبل شريحة كبيرة من الأطفال، ممن تعجز المدارس الحكومية عن استيعابهم ليتسربوا من التعليم إلى الشارع، ما يؤسس لجيل منحرف.

يقول “ناجي” للغربال: كأن النازح تنقصه أعباء إضافية بعد أن فقد كل شيء، يبدو أن الجميع قد تخلى عنا، بما فيهم مؤسسات الأمم المتحدة التي تدعي الإنسانية وتمتلك المال الكثير.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى