الرئيسية / تحقيقات / صراعات الحسكة تشرّد سكانها وتزيد من متطلباتهم الإغاثية – محمد محمود 
صراعات الحسكة تشرّد سكانها وتزيد من متطلباتهم الإغاثية – محمد محمود 

صراعات الحسكة تشرّد سكانها وتزيد من متطلباتهم الإغاثية – محمد محمود 

كانت محافظة الحسكة ملجأً بحكم هدوء الأوضاع فيها سابقاً لمئات آلاف النازحين الفارين من الحرب في مختلف مناطق سوريا، كان ذلك قبل أن يتوه سكان الحسكة من العرب والأكراد والمسيحيين في متاهات نزوح دائم أجبرهم على التنقل مراراً بين مناطق المحافظة بحكم الصراعات المستمرة بين داعش وقوات النظام والقوات الكردية ومليشيات العشائر والمليشيات المسيحية في المحافظة.

تعرضت محافظة الحسكة إلى تهميش كبير في السنوات الأربعين الماضية بالرغم من كونها “سلة سوريا الغذائية”، كما تعرض سكانها لظلم كبير من خلال سياسات اقتصادية فرضها النظام هدفت إلى إفقارهم لدفعهم للهجرة من مناطقهم بهدف العبث بالتركيبة السكانية في المحافظة.

خرجت المظاهرات في معظم المدن والبلدات السورية مع انطلاق الثورة في سوريا، وتحوّل الحراك إلى مواجهة مسلحة في المرحلة اللاحقة في معظم مناطق سوريا باستثناء الحسكة، التي لم تتطور فيها الأمور إلى مواجهات مسلحة بسبب سياسة النظام السوري التي قامت على أساس تحييد المناطق التي تسكنها الأقليات الدينية والعرقية، ليستفيد من ذلك ويتحدث عن حمايته للأقليات في سوريا.

تطورت الأمور في ريف الحسكة فيما بعد، فبعد انسحاب قوات النظام السوري من المدن ذات الغالبية الكردية في ريف الحسكة تشكلت قوات “حماية الشعب” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وبسطت سيطرتها على هذه المدن، كما تشكلت كتائب للثوار ولجبهة النصرة في ريف الحسكة الجنوبي والشرقي والغربي، قبل أن يقضي تنظيم “الدولة الاسلامية” (داعش) على جميع هذه التشكيلات ويبسط نفوذه في مناطق سيطرتها العام الماضي.

جرى كل ذلك في الوقت الذي احتفظت فيه قوات النظام بالسيطرة على مدينة الحسكة وعلى أجزاء من مدينة القامشلي، وبقيت مدينة الحسكة والمدن ذات الغالبية الكردية شمالها تتمتع باستقرار نسبي ما جعلها قبلة لعشرات آلاف النازحين الفارين من الدمار والموت من مدن حمص وحماه وحلب وريف دمشق ودير الزور، قبل أن تندلع المواجهات بين “داعش” من جهة وقوات “حماية الشعب” من جهة ثانية العام الماضي، لتتسبب هذه المواجهات مع غارات التحالف الدولي لمحاربة “داعش” بنزوح جديد لعشرات الآلاف من سكان مناطق سيطرة “داعش” في ريف الحسكة، وعشرات الآلاف من سكان مدينة الحسكة التي تسيطر عليها قوات النظام بعد هجوم “داعش” الأخير على المدينة.

نزوح باتجاهين

أغلقت تركيا معبر القامشلي وهو الوحيد الذي يصل محافظة الحسكة بالأراضي التركية في وجه المسافرين منذ أكثر من عامين، تم بعد ذلك بناء جسر على نهر دجلة ليتحول إلى معبر بين المحافظة وإقليم كردستان العراق لعبور المسافرين ودخول المساعدات الانسانية والطبية وسمي بعبر “سيمالكا”، ودفع الفقر وتصاعد الممارسات القمعية من قبل النظام والكتائب والميليشيات المنتشرة في محافظة الحسكة كثير من أهالي ريف الحسكة إلى النزوح عبر جسر نهر دجلة باتجاه إقليم كردستان العراق أو بمساعدة مهربين نحو الأراضي التركية، كما أن عشرات الآلاف توافدوا تدريجياً إلى مدينة الحسكة وريفها مع تدهور أوضاعهم في مختلف مناطق سوريا.

كان عدد سكان محافظة الحسكة قبل الثورة يقدر بنحو مليون وستمائة الف نسمة نزح منهم نحو 500 ألف خارجها في الوقت الذي أقترب فيه عدد النازحين الذين توافدوا الى المحافظة إلى 600 ألف نازح، استأجروا البيوت الفارغة وسكن حوالي ثمانية آلاف منهم في المدارس ومراكز الإيواء في مدينة الحسكة، وشهدت المحافظة بالإضافة إلى ذلك نزوحاً داخلياً من الريف إلى المدينة وبين مناطق الريف فيما بينها ومن المدينة إلى الريف مؤخراً.

توزع النازحين القادمين إلى الحسكة وريفها

انتشر النازحون في جميع مناطق الحسكة وريفها، ففي ريف الحسكة الجنوبي يقيم نحو ستة آلاف نازح في بلدة العريشة ويقيم نحو ستة عشر ألفاً آخرين في بلدة الشدادي وأربعة آلاف في بلدة مركدة، معظم هؤلاء من مدينة دير الزور ومن مدينة الحسكة وهم لا يحصلون على مساعدات إغاثية بسبب سيطرة تنظيم ““داعش” على المنطقة.

أما في مدن ريف الحسكة الشمالي فالوضع أكثر تعقيداً، ففي مدينة المالكية يوجد نحو تسعة آلاف نازح معظمهم من أبناء محافظتي حلب وإدلب، بالإضافة إلى وجود نحو ألف لاجئ كردي إيزيدي قدموا من العراق، يقيم هؤلاء في مخيم نوروز قرب المدينة، كما يوجد في المالكية نحو مئتي عائلة من أهالي تلحميس التي نزح سكانها بسبب المعارك بين “داعش” والقوات الكردية فيها، بالإضافة إلى وجود نحو ألف عائلة عراقية في منطقة تل كوجر القريبة من المدينة، اللافت في المالكية أن عدد النازحين الخارجين منها نحو إقليم كردستان العراق وتركيا يزيد على عدد الوافدين إليها.

في مدينة القامشلي تتواجد النسبة الأكبر لعدد النازحين في محافظة الحسكة حيث يوجد أكثر من 150 ألف نازح من دمشق وريفها وحلب وادلب وحمص ودير الزور، نسبة كبيرة من هؤلاء تسكن الأبنية المهجورة والمدارس بينما يقيم الباقون في بيوت مستأجرة ومتبرع بها.

في بلدتي رميلان والمعبدة يتواجد أكثر من 50 ألف نازح يقيمون في البيوت وفي مراكز إيواء أقيمت في مدارس وأبنية تبرع بها مقتدرون، أما بقية النازحين في المحافظة فهم موزعون بين القحطانية وعامودا والدرباسية ورأس العين وتل تمر وفي مدينة الحسكة.

موجات النزوح التي تسبب بها الصراع مع “داعش”

تسبب هجوم “داعش” على منطقة وادي الخابور غرب الحسكة في شهر شباط الماضي بنزوح معظم سكان المدن والبلدات ذات الغالبية الآشورية في المنطقة، وأوضحت “الشبكة الأشورية لحقوق الإنسان” أن عدد العائلات التي وصلت مدينة الحسكة ومدينة القامشلي هرباً من هجوم “داعش” على منطقة وادي الخابور التي تسكنها غالبية من المسيحيين الآشوريين وصل إلى ألف وثمانين عائلة، تم إيواء معظمهم في كاتدرائية السيدة العذراء في مدينة الحسكة، كما أشارت الشبكة إلى أن الكاتدرائية استقبلت أيضاً نازحين من بلدة الغبيش من العرب السنة، الذين اضطروا إلى النزوح عن بلدة الغبيش الواقعة أيضاً في منطقة وادي الخابور إلى الشمال الغربي من مدينة الحسكة بسبب هجوم “داعش” أيضاً.

جرى كل ذلك قبل أن تشن قوات “حماية الشعب” الكردية هجوماً معاكساً في المنطقة في شهر أيار الماضي وتتمكن من استعادة السيطرة على وادي الخابور وتسيطر على منطقة جبل عبد العزيز غرب الحسكة وصولاً إلى منطقة المبروكات في ريف الحسكة الغربي، ليعود معظم النازحون الآشوريون إلى مدنهم وبلداتهم في وادي الخابور.

وتسبب تقدم القوات الكردية والغارات العنيفة شنها طيران التحالف الدولي على المناطق التي كان يسيطر عليها “داعش” في ريفي الحسكة الغربي والشرقي بنزوح 57330 من سكان ريفي الحسكة الغربي والشرقي، كان مصير 25121 منهم مجهولاً بعد خروجهم من محافظة الحسكة بحسب إحصائيات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة (OCHA)  للشهور الخمسة الأولى من العام الجاري، ويُعتقد أن أغلب هؤلاء النازحين قد سكن في مناطق سيطرة “داعش” بريف الرقة أو عبر منها نحو الأراضي التركية.

وتسبب هجوم داعش الأخير منذ مطلع الشهر الحالي على مدينة الحسكة التي تسيطر عليها قوات النظام بنزوح أكثر من ستين ألفاً من سكان الأحياء الجنوبية في مدينة الحسكة من العرب السنّة كأحياء غويران والنشوة نحو مناطق ريف الحسكة الشمالي التي تسيطر عليها قوات حماية الشعب الكردية، وحذرت مفوضية الأمم المتحدة من ارتفاع الرقم الكلي للنازحين من مدينة الحسكة إلى أكثر من مئتي ألف.

جهات كثيرة تقدم المساعدات

تقوم هيئة الأمم المتحدة من خلال برنامج المساعدات الغذائية الذي تموله مفوضية للاجئين بإدخال المساعدات من تركيا إلى محافظة الحسكة من معبر القامشلي لتسلم هذه المساعدات الى الجمعيات المرخصة من قبل النظام، وأهمها جمعية البرّ وجمعية الأرمن الخيرية، بالإضافة للهلال الاحمر السوري الذي يحصل على مساعدات وتمويل من اللجنة الدولية للصليب الأحمر أيضاً.

يتم الاستلاء على كميات كبيرة من هذه المساعدات من قبل الفروع الأمنية التابعة للنظام السوري في مدينتي  القامشلي والحسكة ليقوم المتنفذون في هذه الفروع ببيع كميات كبيرة منها في السوق السوداء حيث تشاهد مساعدات الأمم المتحدة معروضة لدى بائعين جوالين في معظم مدن وبلدات محافظة الحسكة.

وتدخل بين الحين والآخر كميات من المساعدات الإغاثية من  إقليم كوردستان العراق جواً عبر رحلات شحن إلى مطار القامشلي الذي يديره النظام السوري.

ترافق عملية تسجيل النازحين ومن ثم تسليمهم المساعدات الكثير من السلبيات، تبدأ بطوابير المحتاجين الطويلة أمام مقار الجمعيات، ولا تنتهي عند المحسوبيات وتجاوز الدور وفساد بعض الموظفين المسؤولين عن توزيع المواد الإغاثية، ناهيك عن الآلية المثيرة للريبة في تحديد الأسر الوافدة أو المحتاجة، لاسيما أنها تعتمد بشكل أساسي على خانة القيد في البطاقة العائلية فقط، مع أن كثير من الساكنين في مدن وبلدات الحسكة هم من مناطق أخرى ويقيمون في مناطق سكنهم البعيدة عن مناطق قيدهم منذ مدة طويلة وليسوا بنازحين أطلاقاً.

تعمل عدد من المنظمات الدولية في محافظة الحسكة على رأسها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة أطباء بلا حدود ولجنة الإنقاذ الدولية (IRC) ومؤسسة الإغاثة والتنمية الدولية (IRD) واتحاد الرحمة الدولي (MERCY CORPS)، وتوجد مكاتب هذه المنظمات في مدينة المالكية بسبب قربها من معبر “سيمالكا” الذي يصل مناطق سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا بإقليم كردستان العراق، وتعمل هذه المنظمات بالتنسيق مع الهلال الأحمر الكردي في مناطق سيطرة الاتحاد الديمقراطي في ريف الحسكة.

ويتبع الهلال الاحمر الكردي للإدارة الذاتية التي أسسها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في الجزيرة السورية، ويوجد بالإضافة له جمعيات تابعة للأحزاب الكردية والعربية والسريانية والأشورية وجمعيات خيرية أهلية وكلها مرخصة من قبل الادارة الذاتية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، لكن عملها تشوبه الكثير من المحسوبيات.

ومن هذه الجمعيات جمعية ديريك في مدينة المالكية وجمعية آراس في مدينة جوادية وجمعية كركلكي في بلدتي المعبدة ورميلان وجمعية تربيسبي في مدينة القحطانية وجمعيتي آثور وجومرد في مدينة القامشلي وجمعية عامودا الخيرية في مدينة عامودا وجمعية هيفي في مدينة رأس العين وجمعية الوطن في مدينة الحسكة ومنظمة “الإحساس” التي كانت تعمل في مدينة الشدادي ومناطق ريف الحسكة الجنوبي قبل أن يسيطر داعش على المنطقة.

وأسس كثيرون العديد من الجمعيات الخيرية التي كانت الغاية منها المتاجرة بمعاناة النازحين للحصول على تمويل وحصص إغاثية بهدف الاستيلاء عليها وتحصيل أرباح من بيع معظمها مقابل توزيع بعض المساعدات لتسوق هذه الجمعيات نفسها وتحصل على المزيد من التمويل لتجمع المزيد من الأرباح.

وتعمل الجمعيات المرخصة والعاملة في الحسكة وريفها على تقديم البيانات والاحصائيات الى المؤسسات والمنظمات الدولية للحصول على المساعدات لتوزيعها على الأهالي والنازحين، وهنا تقوم بعض الجمعيات بتقديم أسماء وهمية ولا تقدم جميع البيانات بشكل تام بحسب مصالحها وتعمل حسب المحسوبيات وتوزع المساعدات على أقرباء ومعارف العالمين بها.

المليشيات تعيق الإغاثة

هناك منظمة باسم “روز آفا” وهي تابعة للإدارة التي أسسها حزب الاتحاد الديمقراطي في مناطق سيطرته في الجزيرة السورية وهي تقدم المساعدات الإغاثية لعناصر القوات المسلحة التابعة للحزب من قوات “حماية الشعب” وقوات “الأسايش”.

كما أن قوات الحماية السريانية “سوتورو” العاملة في الجزيرة السورية لديها جمعية إغاثية باسم جمعية السريان وهي تعتمد على جمع التبرعات من السوريين السريان في داخل سوريا وخارجها، و توزع مساعدتها على عائلات مؤيدي النظام ومنتسبي قوات “سوتورو”.

وبشكل عام فإن المليشيا المسيطرة تتدخل في جميع مفاصل الحياة في المنطقة التي تسيطر عليها، فلا يمكن لأي منظمة أو جمعية أن تعمل في المناطق التي تخضع لسيطرة وحدات “حماية الشعب” الكردية إلا بعد حصولها على ترخيص من المؤسسات التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي وعندها تعمل الرشاوي والمحسوبيات ويتدخل مسؤولو المناطق في الحزب بكل تفاصيل عمل هذه المنظمات والجمعيات.

في الأحياء الجنوبية للقامشلي “حارة طي” وفي القرى العربية قرب القامشلي تسيطر مليشيا الجيش الشعبي التابعة لمحمد الفارس شيخ عشيرة “طي”، وهو عضو في مجلس الشعب التابع للنظام، وتعرف المليشيا التابعة له باسم “المقنعون”، يقوم “المقنعون” بسرقة كميات من المساعدات الإغاثية التي تصل مناطق سيطرتهم من الجمعيات المرخصة من قبل النظام والتي تستلم المساعدات من مفوضية الأمم المتحدة.

أما المؤسسات الكبرى وهي الهلال الأحمر السوري وجمعية الأرمن وجمعية البرّ فهي تقوم بتوزيع المساعدات على النازحين فقط بعد أن تأخذ أفرع أمن النظام السوري حصصها من المساعدات الإغاثية.

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى