الرئيسية / مقالات / ثقافة العنف مقتل أمتنا – عبد العزيز الموسى
ثقافة العنف مقتل أمتنا – عبد العزيز الموسى

ثقافة العنف مقتل أمتنا – عبد العزيز الموسى

العدوانية أسست الركائز المبكرة في بنيان هذه الأمة، ومنها العدوانية السياسية التي نخضع لها، في الأصل هناك عدوانية فردية، الفرد المتنفذ بالمال أو بالقوة،  بتشجيع من جماعة ولوائح أهل الأرض والسماء الذين يعتبرون أن السماء تعفي الأفراد من مسؤولية الالتفات للصالح العام، بل تركز جهدها في تكميم الأفواه ولجم التطلعات وتمنح ذويها من أهل الأرض تخويلاً بالقعود عن التفكير والبحث وترغبّهم بالصبر والانتظار، بل انها أكثر من ذلك، تحاول نبذ من لا يتفق مع هذه الرؤية بضراوة، أو بالتسفيه، النتيجة دائماً: ممنوع الكلام والالتفات والتطلع للأمام.

العنف ثقافة أمة بطولها وعرضها، ثقافة تعتبر من أنجع السبل لتعديل المسارات التي لا تعجب الطبقة الماسكة بالرقاب، باختصار ممنوع عليك باعتبارك فرداً من هذه الأمة ممارسة حقك الإنساني تماماً.

هذه الذاكرة المترعة بالعدوانية تفوّق علينا، في الوقت الذي لا نريد المفارقات التي تكشف عورات لا نريد كشفها، تنغص الذاكرة المترعة بالعدوانية علينا وتسد الرؤية وتردم المسالك التي حفرناها بأظافرنا عبر عقود طويلة، تنشب في وجوهنا مسفهة محقرة مثل أفعى وتنفث بلاويها، لا تريدنا أن نتصالح مع الحياة.

هناك أوسمة لمن يُمجّد ويحرس الرمامات، بعبارة مختصرة تريد ذاكرتنا العدوانية أن تثبتنا في النقطة التي تركنا فيها آدم، وعندما نستغيث تزداد الشقة اتساعاً بيننا وبين العصر، تقول لنا ذاكرتنا، اجعلوا شعاركم الكراهية والحقد، لا أحد يستحق غير البصاق عليه، لا تصدقوا الفبركات المزورة ولا تقتربوا من السياج، الغجر والغرب واليهود والعولمة أفخاخ ستطقْ على رقابكم في أي لحظة، ثم العقل معرقل وهو على كل حال بضاعة مريبة مستوردة! ضال ومضل وليس مرحباً بفذلكات تحشر حالها في نعماء حياتنا الهانئة، سلعة غريبة يا جماعة، وكل ما يمت للعقل مشكوك في ولائه وهو ليس غير بدعة عصر كافر مرائي، المهم الإبقاء على ما بين أيديكم كي يدلكم على سبل معاشكم وعلى درب المرحاض وهذا كاف، في الماضي ما يسد النقص ويعوض، وفيه وحده الخلاص.

العجز الذي نعاني منه في بنانا النفسية وتركيبتنا البيولوجية هو الذي يلهمنا لتسفيه الآخر واحتقار ما يصدر عنه، وستظل هذه الذاكرة تقعد لنا على مفارق الدروب المحروسة بلوائح التحذير والزجر والتنبيه، ممنوع الاتجاه ممنوع المرور ممنوع الوقوف وممنوع الالتفات! من هنا صرنا مزرعة لإنبات أول شروط الفردية والأنانية وحب الذات والكراهية ومنها امتشاق العدوانية كآلية سريعة المردود للتخلص من اللصوص والمتربصين.

العنف في أصله حصيلة عجز عتيق وفي أساسه خوف مغطى للتخلص من حالات منتظر أن تثير التراب والعجاج، وباسم الشجاعة والصرامة والثورية نمت أول تباشير المكونات الاستبدادية فينا ومنه الحاكم الفرد الذي وجدها قدامه أو نبشها من باطن الوقائع ممتشقاً علينا اصطفافات تاريخية مرة واجتماعية مرة وتداولناها دون غيرها حتى صارت عملة رائجة.

للعدوانية إسقاطات تاريخية دافعة ومحرضة وملونة أيضاً يمكن الالتقاء بها حيثما تطلعت، أثناء المشادات العرضية والتلويح بالعضلات وما زالت تعتبر من ذاكرة الحارات والقرى، حتى بين المدن تتعوصف وبين كل مكونات المجتمع، يجب أن نصّنع آخر يتربص بنا لنحشد ضده.

العدوانية مخرج غير مشرف لحل المشاكل وللتعبير عن المخزونات الدموية الغابرة الساكنة في صلبنا وهي الأفيون الذي يساعدنا على مواصلة نومنا.

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى