الرئيسية / مقالات / السوريون ضائعون بمتاهة النزوح واللجوء – رامي سويد
السوريون ضائعون بمتاهة النزوح واللجوء – رامي سويد

السوريون ضائعون بمتاهة النزوح واللجوء – رامي سويد

 

يطوف شبح النزوح على قرى وبلدات ومدن سوريا منذ أربع سنوات إلى اليوم، فيواصل جولاته على مناطق سوريا دافعاً سكانها إلى الهرب من قصف طائرات النظام ومن الحروب والصراعات المستمرة بين الثوار والنظام وداعش والقوات الكردية والمليشيات العرقيّة والطائفية المحلية والأجنبية التي اجتاحت جميعاً سوريا طولاً وعرضاً.

بدأت الحكاية منذ أربع سنوات في حمص ثم انتقلت إلى مدن وبلدات ريفها ثم راح شبح النزوح يتنقل بين مناطق درعا وريف دمشق وبانياس قبل أن يصل إلى دير الزور وريفها ومعرة النعمان وغيرها بريف إدلب، ليصل أخيراً في العام قبل الماضي إلى حلب التي كسرت بملايينها الخمسة كل أرقام النزوح القياسية التي سجلتها بقية المناطق السوريّة.

كان قصف قوات النظام المدن السوريّة بالبراميل المتفجرة وصواريخ الطيران الفراغية الموجهة السبب الرئيسي خلف نزوح سبعة ملايين سوري عن بيوتهم حتى مطلع العام الماضي، إلا أن دخول تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على خط الحرب في سوريا كطرف لا يستهان به يقاتل قوات الثوار بالدرجة الأولى والقوات الكردية بالدرجة الثانية وقوات النظام بالدرجة الثالثة منذ مطلع العام الماضي غيّر من معادلات دوافع النزوح، لتصبح هجمات التنظيم على المدن والبلدات السورية سبباً آخر لنزوح سكانها عنها.

فدخل سكان عين العرب (كوباني) متاهة النزوح حيث هرب منهم مئة وثمانون ألفا نحو تركيا بعد هجوم داعش عليها في شهر أيلول الماضي، ودخل المتاهة قبلهم سكان بلدات أبو حمام وغرانيج والكشكية في دير الزور التي هُجّر أهلها من عشيرة الشعيطات بالكامل من قبل “داعش” إلى منطقة تلعفر العراقية بسبب مقاومة أبنائهم لظلم التنظيم.

ومع وصول نار الحرب إلى محافظة الحسكة، التي تتميز بتنوع مكوناتها العرقية والدينية من العرب المسلمين والأكراد المسلمين والعرب المسيحيين والآشوريين والسريان والكلدان المسيحيين، دخل جميع هؤلاء في متاهة نزوحٍ إجباريّة نتجت عن النزاعات التي تصاعدت مؤخراً بين داعش وقوات النظام وقوات “حماية الشعب” الكردية والمليشيات العربية والمسيحية التي تقاتل إلى جانب القوات الكردية  في الحسكة وريفها.

طيران التحالف الدولي لمحاربة “داعش” تسبب هو الآخر منذ بدء غاراته على مناطق داعش في نهاية أيلول الماضي بتهجير عشرات الآلاف من سكان القرى والبلدات التي تسيطر عليها داعش، وخصوصاً من سكان منطقتي تلحميس وتل براك في ريف الحسكة الشرقي وسكان القرى المحيطة بجبل عبد العزيز واوتوستراد الحسكة الرقة في ريف الحسكة الغربي، ليلحق هؤلاء بسكان منطقة وادي الخابور من المسلمين والمسيحيين الذين تسبب هجوم داعش على مناطقهم في شباط الماضي بتهجيرهم.

كما تسبب هجوم القوات الكردية على منطقة تل أبيض في ريف الرقة الشمالي واستحواذ هذه القوات على المنطقة وريفها بعد طرد “داعش” منها بنزوح خمسة وعشرين ألفاً من سكانها نحو تركيا، عاد منهم بعد استقرار الوضع في تل أبيض وريها نحو ألفان فقط فيما دخل الباقون مع رفاقهم الذين سبقوهم بالوصول إلى تركيا من ريف الحسكة في متاهة النزوح اللانهائية.

أصبحت أرقام وكالات الأمم المتحدة المتخصصة تتحدث عن سبعة ملايين نازح داخلياً في سوريا وعن خمسة ملايين آخرين عبروا الحدود نحو دول الجوار ومصر التي مازالت إلى اليوم تستقبل أكثر من مئة وخمسين ألف سوري، في الوقت الذي يصل فيه عدد السوريين في لبنان إلى مليون وثلاثمئة ألف وفي تركيا يقارب العدد المليونين وفي الأردن يقترب العدد الكلي للسوريين من المليون ومئة ألف ويتوجد أكثر من أربعمئة ألف سوري نازح في العراق وفي اقليم كردستان العراق.

ومن تركيا ولبنان والأردن ومصر ينطلق السوريون في رحلة نزوح جديدة بحثاً عن حياة جديدة في دول الاتحاد الأوربي التي تستقبل اللاجئين وتقدم لهم إمكانية الإقامة وفرص العمل والدراسة، عَبَرَ مئات ألاف السوريين البحر المتوسط نحو اليونان وإيطاليا لينطلقوا منهما نحو الدول التي تتوفر فيها الامتيازات الأفضل للاجئين كألمانيا والسويد.

سعي اللاجئين الذين اضطرتهم الحرب للنزوح من سوريا للوصول إلى الدول الأوربية يشير بوضوح إلى قناعتهم بطول أمد الحرب الجارية بسوريا، وهو يشير من ناحية أخرى إلى مدى معاناتهم النفسية والمعيشية في دول الجوار، فإذا كان وضع السوريين اللاجئين في تركيا مقبولاً بالرغم من القرارات الحكومية التركية الأخيرة التي ضيقت على السوريين والتي وصلت إلى إغلاق الحدود المستمر بين سوريا وتركيا لما يزيد عن أربع أشهر بشكل مستمر فإن اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان والعراق والأردن مازالوا يعيشون كل يوم آلاماً تدفعهم يومياً للتفكير بخوض تحدي عبور البحر نحو أوربا.

آلام ملايين السوريين النازحين واللاجئين جعلت من تغريبتهم المأساة الأكبر التي شهدتها البشرية منذ الحروب الأهلية التي شهدتها دول إفريقيا السوداء ومنطقة البلقان بأوربا في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ومع انتهاء الصراعات في هذه الدول بسنين قليلة يبقى حلم انتهاء تغريبة السوريين مستبعداً إلى اليوم.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى