الرئيسية / تحقيقات / ملف الصور المسربة للمعتقلين المقتولين تحت التعذيب جريمة العصر المسكوت عنها دولياً – صفاء عليان
ملف الصور المسربة للمعتقلين المقتولين تحت التعذيب  جريمة العصر المسكوت عنها دولياً – صفاء عليان

ملف الصور المسربة للمعتقلين المقتولين تحت التعذيب جريمة العصر المسكوت عنها دولياً – صفاء عليان

نشرت الجمعية السورية لحماية المفقودين ومعتقلي الرأي 2750 صورة لوجوه معتقلين قضوا في سجون النظام السوري مأخوذة من مجموعة كبيرة تبلغ 55 ألف صورة لحوالي 11 ألف ضحية قضت تحت التعذيب، وسرب هذه الصور أحد المنشقين عن النظام السوري والذي عرف باسم “سيرز” أو قيصر.

هدف الجمعية من نشر الصور كان السماح لأهالي المعتقلين بالتعرف عليهم، فطلبت منهم التواصل معها لتوثيق أسمائهم وتواريخ اعتقالهم لدعم الملف الذي تعمل اللجنة على تجهيزه قانونياً لملاحقة أجهزة النظام السوري التي ارتكبت هذه الجريمة وفق آليات الملاحقة القانونية الدولية المتاحة، تفتح الغربال في هذا العدد ملف “قيصر”، لتبحث في طبيعة الملف والجرائم التي يوثقها وعمل الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي عليه ومدى إمكانية محاسبة النظام السوري على الجريمة  التي سميت بجريمة العصر وأسباب تأخر محاسبته.

عمل الجمعية على توثيق الجريمة

تأسّست الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي، بعد انشقاق المدعو قيصر أواخر 2013، والذي كان ضابطاً في الأمن السوري يعمل على تصوير جثث ضحايا التعذيب في مشفى “يوسف العظمة” العسكري المعروف باسم المشفى “601” العسكري، قبل نقلها ودفنها في مقابر جماعية مجهولة المكان أو حرقها للتخلص منها.

واختصّت الجمعية حسب ما يشرح أحد أعضائها الدكتور محمد عياش للغربال بالعمل على الملف حقوقياً وقضائياً، بوصفه جريمة حرب ضد الإنسانية، وتدين النظام السوري، لكنهم كما يقول “عياش” تأخروا بنشر الصور على مواقع الإنترنت بهدف التعرف على هويات الشهداء، لاستغراقهم وقتاً بجدولة الصور وأرشفتها وتوصيفها، حيث بلغ عددها 55 ألف صورة ل11 ألف معتقل قتلوا تحت التعذيب.

يضيف “عياش” إن الجمعية تأسست في فرنسا منذ سنة وخمسة أشهر، ويحاولون الحصول على ترخيص في تركيا، للمضي قدماً في الدعاوي القضائية التي رفعوها ضد قوات النظام السوري، مستفيدين من وجود عدد لا بأس به من ذوي الضحايا في تركيا، ومؤكداً على قطعهم شوطاً في طريق إدانة النظام، بعد تعرّف عدد كبير من أهالي المعتقلين على صور أبنائهم الذين قضوا تحت التعذيب.

إجراءات قانونية لم تؤتِ أكلها

استشارت الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي محامين سوريين نصحوها بإيداع ملف الصور عند حكومة إحدى الدول الأوروبية، الأمر الذي يعطي الدعاوى القضائية الرامية لمحاسبة مرتكبي الجريمة مزيداً من الثقل عند المحاكم التي ستنظر بالملف، على عكس الحال حين تتعامل الدول مع أفراد، بدورها وضعت الجمعية ملف الصور عند دولة أوروبية، رفضت تسميتها، على شرط أن تقدم حكومة تلك الدولة ملف الصور لأربع جهات فقط في حال طلبها لدعوى قضائية وهي محكمة الجنايات الدولية، محكمة دولية خاصة بسوريا أو بهذه الجريمة، محكمة أوروبية صالحة للنظر في الدعوى، أو لمحاكم سورية مستقلة مستقبلاً تحترم معايير محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

ويلفت عضو الجمعية محمد عياش إلى أن تأكيد صحة الصور وتوثيقها، كانت الخطوة الأولى للمضي قدماً في القضية، وأن شركة “كارتر راك” البريطانية للمحاماة، التي تكفّلت حكومة دولة قطر بتغطية تكاليف عملها المالية، أعطتهم وثيقة تثبت ذلك، لتبدأ بعدها الإجراءات القضائية في كل من بريطانيا وإسبانيا، موضحاً أن سبب تركيز العمل في هاتين الدولتين، لأن القضاء فيهما ينظر بقضايا أطرافها أجنبية.

يتابع “عياش” حديثه بالقول: إن العمل القضائي والقانوني يقتصر حالياً على المحاكم الوطنية المحلية، أما عن موضوع عرض الملف على محكمة الجنايات الدولية، فيوضح أن جهود الجمعية تصطدم بالفيتو الروسي-الصيني، في مجلس الأمن، ذلك أن محكمة الجنايات الدولية لا يمكن أن تنظر في دعوى متعلقة بجريمة مرتكبة  في سوريا إلا في حال تحويل مجلس الأمن لملف الدعوى لها بسبب عدم توقيع حكومة النظام السوري على ميثاق روما الذي أسست بموجبه محكمة الجنايات الدولية، ويؤكد عياش أن الجمعية السورية للمفقودين ومعقلي الرأي تسعى عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة لتشكيل محكمة جنائية خاصة بسوريا، كما حصل مع قضية جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في سيراليون سابقاً.

موقف الائتلاف السوري من الملف

وعن التعاون بين الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي وبين الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة؛ اكتفى عضو الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي محمد عياش بذكر أن الجمعية بصدد التوقيع على وثيقة تفاهم مع الائتلاف للاستفادة من الجانب السياسي للملف فقط معلّلاً ذلك بأن عمل الجمعية حقوقي إنساني بحت والاعتراف القانوني للملف حاصل دولياً.

لكن المستشار القانوني للائتلاف المحامي “عمار تباب”، يؤكد أن الجهود ستبقى منقوصة مالم تتكلل بالتنسيق العام، معتبراً أن الجهد السياسي بحاجة لشرعية قانونية والقانوني بحاجة لشرعية سياسية، وأن طرفي مذكرة التفاهم قادرين على تبادل الجهود.

يضيف المستشار “تباب” إن استعمال الاختصاص العالمي أو الشخصي للمحاكم في دول أخرى كبعض الدول الأوروبية التي تنظر محاكمها في دعاوى أطرافها أجانب، أو تنظر محاكمها في دعاوى أحد أطرافها مزدوج الجنسية أي يحمل جنسية دولة المحكمة ودولة أخرى، يحتاج لأشخاص مزدوجي الجنسية لتأسيس الدعاوى عليهم لدى هذه المحاكم، إلا أن هذا حسب تعبيره انتصار للجنسيات وليس انتصار للإنسان السوري وإن اللجوء لهذا الأسلوب رغم أهميته خسارة لقيمة الإنسان المجردة وإن كانت انتصاراً لبعض الجنسيات التي يقر المجتمع الدولي لها بحقوق الإنسان.

عائلات الضحايا بين نارين

كان ذوو ضحايا التعذيب في أفرع المخابرات السورية يعيشون على أمل خروج أبنائهم، فكانت الصور بالنسبة لهم، زلزالاً قوياً، قلب حياتهم رأساً على عقب، وأنهى الأمل القابع في قلوبهم، لتظهر عند بعضهم ردات فعل شاذة كـ”سلوى” وهي إحدى زوجات المعتقلين، التي ترفض التسليم بموت زوجها معتقدة بأن الصورة التي نشرت له في موقع شهداء التعذيب، تشبهه لكن ليست له، رافضة الرضوخ لواقع أليم، ومفضلة أن تبقى وأبناءها يعيشون حلم عودة والدهم القريبة.

انقسم السوريون عموماً بين مؤيد لنشر الصور للتثبت من مصير معتقل لن يعود، وبين معارض يخشى الألم لذوي المعذّبين، أحمد عليان، شقيق الشهيد خالد عليان، الذي اعتقل في أوائل عام 2013 في داريا، ووجدت صورته مؤخراً بين صور قتلى التعذيب، يرى أن نشر الصور أفاد بمعرفة مصير الآلاف من المفقودين، كما أن هناك حقوق شرعية لعائلة الشهيد تثبت بموته كالإرث والنفقة وأمور الارتباط بالزوجة وغيرها، لكن النشر غير الواعي وتشبيه الصور بغير خبرة، مشكلة حقيقية، ظهرت آثارها السيئة بعد نشر الملف حيث أقامت بعض العائلات العزاء على أبنائها بناء على صور تبين فيما بعد أنها تعود لمعتقلين آخرين!

ويضيف محمد عياش عضو الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي على ما قاله أحمد: إن نشر الصور كان مفيداً لإنهاء ابتزاز محامي النظام وأعوانه المالي لأهالي الضحايا، غير آبهين بأذية مشاعرهم ولا بالضيق المادي الذي يعانوه كما أغلب شرائح المجتمع السوري، منوهاً إلى أنه حتى الآن لم يتعرف السوريون سوى على بضع مئات من الصور، فيما بقي الآلاف مجهولي الهوية، أو يجري التعرف عليهم تباعاً.

وبسبب ما عاشه السوريون منذ انطلاق الثورة السورية من أحداث تشكل عند غالبيتهم مانع من الصدمات، وهذا ما نلمسه أمام ردات فعل ذوي الضحايا عندما تلقوا أنباء مقتل أبنائهم، فاكتفى والد الشهيد خالد عليان وشقيق الشهيد أحمد جلال عليان، باحتساب ابنه وشقيقه شهيدين، وبالقول الله وليّ الدم.

كذلك الأمر بالنسبة لعائلة أحد الضحايا من مدينة الزبداني، الذي تتحفظ الغربال على اسمه لضرورات أمن عائلته، لم يستغربوا ورود هذا الخبر، بسبب سماعهم العديد من الأنباء تفيد بمقتل غائبهم في أقبية المخابرات، أما أولاده فلم يعوا بعد معنى الموت والفقد، وأن أباهم لن يعود بسبب صغر سنهم!

الصور المسربة تكشف حقد ووحشية غير مسبوقين

لاشك أن زخم ملف الصور المسربة وعددها الكبير أفقد العاملين عليها القيمة الإنسانية للملف، وتحول المعتقل الذي قضى تحت التعذيب بالفعل إلى مجرد رقم، فتلك الأجساد المعذبة والتي تتراوح آثار التعذيب عليها من خلع العظام إلى فقء الأعين، مروراً بآثار الضرب و”الشبح”،  قاسى أصحابها قبل وفاتهم هول التعذيب بحقد لم يعرف له التاريخ الحديث مثيلاً، الجثث التي عرضها ملف قيصر تعرضت للضرب والإهانات أيضاً من قبل الأطباء والممرضين وحتى مستخدمي النظافة في مشفى “يوسف العظمة” العسكري المعروفة بمشفى 601، حسب شهادة عنصر منشق كان يعمل هناك.

ويشير ذلك العنصر أثناء حديثه إلى بلوغ عناصر النظام السوري درجة الجنون والتوحش حيث قاموا بإحراق جثث الضحايا، وتحويلها إلى رماد بحسب ما روى له زملاؤه قبل انشقاقه، في إشارة منه إلى محاولة النظام السوري إخفاء كل أدلة تجريمه، غير أنه لم يتأكد من صحة الرواية بشكل شخصي بسبب التشديد الأمني.

وكثرت شهادات المعتقلين السوريين المفرج عنهم عن ما قاسوه في زنازين أفرع المخابرات، مشددين على وجود عالم آخر من الظلمة والوحوش البشرية، تمتهن الإذلال والتعذيب، مستخدمة الضرب، والصعق بالكهرباء، والشبح، وتقنية الكرسي الألماني، ولم يوفروا طريقة لتحقير المعتقلين، حتى أنهم وصلوا إلى وضع الصراصير في الملابس والزنازين، ثم رشهم بالمبيدات، التي تحوي مواداً كيماوية سامة.

إضافة إلى ما سبق فإن المعتقلين يُعرفون بأرقامهم، وأكثر ما يخشاه النظام والسجانون التابعون له، تناقل الأسماء، كما أن المعذبين تحت الأرض، يرهبون دخول المشافي، ولا يجرؤون مهما بلغت جروحهم وآلامهم على طلب نقلهم إلى المشفى، لأن المشافي العسكرية التي يملكها النظام، تحولت لمسالخ، فلا يلقون فيها عناية طبية أو حتى عناية بالنظافة والتعقيم.

والجدير ذكره بحسب معتقل سابق نقل لمسلخ 601 حسب وصفه، لإصابته بخلع في الكتف، أن عناصر الأمن يشددون الحراسة على غرف المعتقلين الجرحى، ويقيدونهم بأسرتهم، لافتاً إلى وضع كل جريحين بسرير واحد، وأنه يموت المريض ولا يؤخذ جثمانه فوراً بل يبقى يوماً أو يومين في غرفة تعج بالمرضى، ما يدخل بعضهم في حالات هلوسة، وغياب مؤقت عن الوعي.

وثمة الكثير من شهداء التعذيب الذين أظهرت صورهم أنهم قضوا بسبب الجوع، وصعب على أهلهم التعرف إليهم بسبب التغيرات الخطيرة التي طرأت على أجسادهم، وآخرين لقوا حتفهم بسبب حالات الفشل الكلوي، كحال الشهيد أحمد جلال عليان من مدينة داريا، حيث ظهر على وجهه انتفاخات ووذمات سببها قصور الكلى.

الجريمة مستمرة .. والصمت الدولي مستمر أيضاً

ملف الصور المسربة الذي أحدث ضجة في الشارع الدولي، يبقى جزءاً بسيطاً من الجرائم التي ترتكب يومياً في سجون النظام السوري، لأن الصور التقطت في الفترة الممتدة بين عامي 2011 و 2012، في حين يتوقع أن عدداً كبيراً من المعتقلين السوريين قضوا نتيجة التعذيب أو الجوع أو تفشي الأوبئة بأقبية أفرع المخابرات المختلفة في أرجاء سوريا في فترات لاحقة، في الوقت الذي يتجاهل فيه المجتمع الدولي ويتعامى عن كل هذه السادية التي يمارسها عناصر النظام السوري على أجساد ضعيفة ومكبلة، فيغض نظره عن آلاف الصور التي توضّح للجميع مدى إجرام مؤسسات النظام السوري الأمنية والعسكرية.

هذا الصمت الدولي لم يختلف كثيراً عن الصمت الذي رافق ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أثناء حروب أهلية اندلعت سابقاً في أفريقيا، وفي البوسنة والهرسك، وفي بورما وفي غيرها، لتصبح سوريا اليوم اسماً جديداً على قائمة طويلة من الدول التي ارتكبت فيها جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في ظل صمت المجتمع الدولي الذي تدخّل سابقاً في معظم هذه الدول في النهاية وردع المجرمين وجرهم إلى محاكم دولية دون أن يفعل أي شيء في سوريا إلى اليوم.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى